English Version  |  النسخة العربية

كهنوت كلّ المؤمنين — انتهى الكهنوت البشريّ الوسيط

Priesthood of All Believers — The Mediating Human Priesthood Has Ended — أساسيات الإيمان المسيحي

📖 النسخة الإنجليزية من هذا الموضوع (Priesthood of All Believers — The Mediating Human Priesthood Has Ended) أوسع وأكثر تفصيلاً في الشرح والأدلّة الكتابيّة.

د. جوزيف سلوم7٬272 كلمة

أوَّلًا — الكَهَنوت في العَهد القَديم

قَبل أن نَفهم لماذا انتَهى الكَهَنوت البَشريّ، يَجب أن نَفهم لماذا أَقامه الإله في الأَصل. الكتاب المُقَدَّس يَكشِف نِظامًا مَدروسًا بِدقّة.

الكَهَنوت قَبل موسى — كلّ رَبّ بَيت كان كاهنًا

في تَكوين، نَرى الآباء البَطَاركة يُقَدِّمون ذَبائحهم بِأَنفُسهم. هابيل قَدَّم ذَبيحة (تكوين ٤: ٤). نوح بَنَى مَذبَحًا (تكوين ٨: ٢٠). إبراهيم بَنَى مَذابح في عِدّة مَواضع (تكوين ١٢: ٧، ١٣: ١٨، ٢٢: ٩). إسحاق ويعقوب فَعَلا الشيء نَفسه. لم يَكُن هناك «كاهن مُتَخَصِّص». كلّ رَبّ بَيت كان كاهن بَيته أَمام الإله.

أَوَّل ذِكر لِكاهن مَهنيّ هو ملكي صادق ملك ساليم:

«وَمَلْكِي صَادِقُ مَلِكُ شَالِيمَ أَخْرَجَ خُبْزًا وَخَمْرًا. وَكَانَ كَاهِنًا للهِ الْعَلِيِّ» — تكوين ١٤: ١٨

هذا الكاهن سَنَعود إليه — هو نَمط المسيح. لكن لاحظ: كَهَنوته لم يَنتقل بِالوِراثة. لم تَكُن له سُلالة. وُجِد في الكتاب فَجأة، ثمّ اختفى — لِأنّ مَهامّه كانت رَمزيّة، تُشير إلى المسيح.

الكَهَنوت اللاويّ — نِظام مَوسَويّ مُتَخَصِّص

عند جَبَل سيناء، أَقام الإله نِظامًا كَهَنوتيًّا مُتَخَصِّصًا:

«قَرِّبْ إِلَيْكَ هَارُونَ أَخَاكَ، وَبَنِيهِ مَعَهُ، مِنْ بَيْنِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، لِيَكْهَنُوا لِي» — خروج ٢٨: ١

فَقَط هارون وأَبناؤه — مِن سِبط لاوي فَقَط — يَستَطيعون أن يَكونوا كَهَنة. كلّ مَن لا يَنتَمي لِهذه السُّلالة كان مَمنوعًا مِن الاقتراب إلى المَذبح. عُقوبة من يَتَجاسَر؟ المَوت:

«وَالأَجْنَبِيُّ الَّذِي يَقْتَرِبُ يُقْتَلُ» — عَدَد ٣: ١٠

هذا كان نِظامًا صارمًا. لم يَكُن أيّ مُؤمن إسرائيلي يَستَطيع أن يَدخُل قُدس الأقداس، أو يَلمس الأَدوات المُقَدَّسة، أو يُقَدِّم الذَّبيحة. كان نِظامًا حَرَكَتُه الأَساسيّة: الانفصال بين الإله والإنسان. كان هناك حواجز — حِجاب يَفصِل قُدس الأقداس عن باقي الخَيمة، أَبواب تَفصِل القُدس عن المُذنبين، أَسوار تَفصِل دار الكَهَنة عن دار الشَّعب. كلّ هذا كان تَعبيرًا عن أنّ الإله القُدّوس مُنفَصل عن الإنسان الخاطئ.

لِماذا أَقام الإله هذا النِّظام؟

للوَهلة الأولى يَبدو هذا النِّظام قاسيًا. لِماذا يَمنع الإله أَولاده مِن الاقتراب إليه مُباشرة؟ السَّبب الكتابيّ: لإظهار خُطورة الخَطيّة وقَداسة الإله. كلّ ذَبيحة، كلّ مَذبَح، كلّ كاهن، كلّ حِجاب — كان رَسالة مَدروسة: «أنت خاطئ. أنا قُدّوس. لا يُمكنك أن تَقترب إلَيّ مَن دون وَسيط أو ذَبيحة».

لكن هذا النِّظام كان مُؤَقَّتًا. كان كَخَيمَة تَنتظر بَيتًا دائمًا. كان كَظِلّ يَنتَظر الجَوهر. الرَّسول إلى العبرانيّين يَكتب:

«لأَنَّ النَّامُوسَ، إِذْ لَهُ ظِلُّ الْخَيْرَاتِ الْعَتِيدَةِ، لاَ نَفْسُ صُورَةِ الأَشْيَاءِ، لاَ يَقْدِرُ أَبَدًا بِنَفْسِ الذَّبَائِحِ كُلَّ سَنَةٍ، الَّتِي يُقَدِّمُونَهَا عَلَى الدَّوَامِ، أَنْ يُكَمِّلَ الَّذِينَ يَتَقَدَّمُونَ» — عبرانيّين ١٠: ١

«ظِلّ» — لا الحَقيقة. النِّظام كلّه ظِلّ يُشير إلى ما هو آتٍ.

عَجز الكَهَنوت اللاويّ

الرَّسالة إلى العِبرانيّين تُحَلِّل بِدقّة لِماذا الكَهَنوت اللاويّ كان قاصرًا:

كلّ هذا كان يُعلن حاجة إلى شيء أَفضل — كَهَنوت دائم، مَن لا يَموت، طاهر لا يَحتاج ذَبيحة لِنَفسه، يُقَدِّم ذَبيحة تامّة تَدفع ثَمن الخَطيّة كامل، تَتمّ مَرّة واحدة، وتَفتح طَريق الحُضور الإلهي للجَميع.

ومن المهم أن نفهم أن هذا الكهنوت القديم لم يكن هدف الإله النهائي، بل وسيلة مؤقتة تُقرّب الشعب من الإله في انتظار ذبيحة المسيح الكاملة. فكل ذبيحة قُدِّمت في الهيكل كانت تُشير إلى الحمل الذي يرفع خطية العالم — وحين جاء الرب يسوع المسيح ذبيحةً كاملةً، انتهت الحاجة إلى الكهنوت البشري الوسيط. فالنظام القديم كان في خدمة النظام الجديد، لا في منافسته.

ثانيًا — المسيح هو الكاهن الأعظم

كلّ ما كان قاصرًا في الكَهَنوت اللاويّ تَمَّمه الرب يسوع المسيح في كَهَنوته الأبَديّ.

كَهَنوت على رُتبة ملكي صادق

تَنبَّأ مَزمور ١١٠: ٤ بِكَهَنوت جَديد: «أَقْسَمَ الرَّبُّ وَلَنْ يَنْدَمَ: «أَنْتَ كَاهِنٌ إِلَى الأَبَدِ عَلَى رُتْبَةِ مَلْكِي صَادَقَ».». لِماذا «على رُتبة ملكي صادق» وليس «على رُتبة هارون»؟ لأنّ كَهَنوت ملكي صادق كان فَوقَ الكَهَنوت اللاويّ. ملكي صادق كان أَعلى مِن إبراهيم — بَرَّكَ إبراهيم وأَخذ مِنه عُشورًا (تكوين ١٤: ١٨-٢٠). والكاتب إلى العِبرانيّين يَقول:

«وَهَا أَنَا أَقُولُ: قَدْ كَانَ لاَوِي الْآخِذُ الأَعْشَارَ، عَشَّرَ بِإِبْرَاهِيمَ» — عبرانيّين ٧: ٩

كَهَنوت لاوي خَضَع لِكَهَنوت ملكي صادق — ولِأنّ المسيح هو على رُتبة ملكي صادق، كَهَنوته أَعلى وأَدوَم.

كَهَنوت دائم لا يَنتَهي بِالموت

الكتاب يُصَرِّح: «وَأَمَّا هذَا فَمِنْ أَجْلِ أَنَّهُ يَبْقَى إِلَى الأَبَدِ، لَهُ كَهَنُوتٌ لاَ يَزُولُ. فَمِنْ ثَمَّ يَقْدِرُ أَنْ يُخَلِّصَ أَيْضًا إِلَى التَّمَامِ الَّذِينَ يَتَقَدَّمُونَ بِهِ إِلَى اللهِ، إِذْ هُوَ حَيٌّ فِي كُلِّ حِينٍ لِيَشْفَعَ فِيهِمْ» (عبرانيّين ٧: ٢٤-٢٥). المسيح حَيّ إلى الأبد — كَهَنوته لا يَنتَهي. لا يَحتاج بَديل. لا يَحتاج خَليفة. لا يَحتاج «نائبًا» على الأرض.

كاهن طاهر بِلا خَطيّة

«لأَنَّهُ كَانَ يَلِيقُ بِنَا رَئِيسُ كَهَنَةٍ مِثْلُ هذَا، قُدُّوسٌ بِلاَ شَرّ وَلاَ دَنَسٍ، قَدِ انْفَصَلَ عَنِ الْخُطَاةِ، وَصَارَ أَعْلَى مِنَ السَّمَاوَاتِ» (عبرانيّين ٧: ٢٦). المسيح لا يَحتاج تَقديم ذَبيحة عن نَفسه. هو طاهر. هو القُدّوس الوَحيد.

ذَبيحته تَتمّ مَرّة واحدة وإلى الأبد

هذا التَّصريح الأَعظم في الرَّسالة إلى العِبرانيّين:

«وَأَمَّا هذَا فَبَعْدَ مَا قَدَّمَ عَنِ الْخَطَايَا ذَبِيحَةً وَاحِدَةً، جَلَسَ إِلَى الأَبَدِ عَنْ يَمِينِ الله» — عبرانيّين ١٠: ١٢

ذَبيحة واحدة. لا تَتَكَرَّر. أَبَديّة. وبَعدها جَلَس — لِأنّ العَمل تَمَّ.

الكَهَنة اللاويّون لم يَجلسوا أَبدًا في الخَيمَة — لم يَكُن هناك كَراسي في القُدس. كانوا واقفين دائمًا، يُقَدِّمون ذَبائح يَومًا بَعد يَوم. لِأنّ العَمل لم يَنته. لكنّ المسيح «جَلَس عن يَمين الله» — لأنّ الخَلاص اكتَمَل.

إن كان المسيح جَلَس بَعد ذَبيحته الواحِدة، فأَيّ ذَبيحة بَشريّة تُقَدَّم اليوم على مَذابح كَنَسيّة هي إعلان أَنّ ذَبيحته لم تَكتَمل! هذا يَتَعارض جوهريًّا مع تَعليم الرَّسالة إلى العِبرانيّين.

الحجاب انشَقّ — الطَّريق مَفتوح للجَميع

عند مَوت المسيح على الصَّليب، حَدث شيء مَذهل: «وَإِذَا حِجَابُ الْهَيْكَلِ قَدِ انْشَقَّ إِلَى اثْنَيْنِ، مِنْ فَوْقُ إِلَى أَسْفَلُ» (متّى ٢٧: ٥١). الحِجاب الذي كان يَفصِل قُدس الأقداس عن باقي الهَيكَل — الحِجاب الذي كان لا يَسمَح إلّا لِرئيس الكَهَنة بِالدُّخول مَرّة واحدة في السَّنة — هذا الحِجاب انشَقّ. مِن فَوقُ إلى أَسفل — أي بِيَد الإله، لا بِيَد إنسان.

الرَّسالة إلى العِبرانيّين تَشرح المَعنى:

«فَإِذْ لَنَا أَيُّهَا الإِخْوَةُ ثِقَةٌ بِالدُّخُولِ إِلَى الأَقْدَاسِ بِدَمِ يَسُوعَ، طَرِيقًا كَرَّسَهُ لَنَا حَدِيثًا حَيًّا، بِالْحِجَابِ، أَيْ جَسَدِهِ، وَكَاهِنٌ عَظِيمٌ عَلَى بَيْتِ اللهِ، لِنَتَقَدَّمْ بِقَلْبٍ صَادِقٍ» — عبرانيّين ١٠: ١٩-٢٢

اقرأ هذا ببُطء: «لَنا — أيّها الإخوة — ثِقة بِالدُّخول إلى الأقداس». «لَنا» — لا «لِكَهَنة مُتَخَصِّصين». «الأقداس» — قُدس الأقداس ذاته، الذي كان مَمنوعًا. الآن مَفتوح لِكلّ المؤمنين. كيف؟ بِدَم يسوع. ولِأنّ المسيح فَتَح طَريقًا «بِالحِجاب، أي جَسَدِه» — أي بِجَسده المُمَزَّق على الصَّليب.

ثالثًا — كلّ المؤمنين كَهَنة في العَهد الجَديد

الآن نَأتي إلى الحَقيقة المُذهلة التي تَجَهلها كَنائس كَثيرة: كلّ مؤمن مَوْلود ثانية هو كاهن أَمام الإله في العَهد الجَديد. ليس بَعض المُؤمنين. ليس فقط المُكَرَّسين رَسميًّا. كلّ المُؤمنين.

الشَّاهد الأَوَّل — ١ بطرس ٢: ٩

الرَّسول بطرس يَكتب للمُؤمنين العاديّين — لِجموع المَسيحيّين العاديّة في آسيا الصُّغرى:

«وَأَمَّا أَنْتُمْ فَجِنْسٌ مُخْتَارٌ، وَكَهَنُوتٌ مُلُوكِيٌّ، أُمَّةٌ مُقَدَّسَةٌ، شَعْبُ اقْتِنَاءٍ، لِكَيْ تُخْبِرُوا بِفَضَائِلِ الَّذِي دَعَاكُمْ مِنَ الظُّلْمَةِ إِلَى نُورِهِ الْعَجِيبِ» — ١ بطرس ٢: ٩

«أنتم» — مَن «أنتم» هنا؟ كلّ من قَرأ الرَّسالة، كلّ المُؤمنين، كلّ الكَنيسة. «كَهَنوت مُلوكيّ» — كَهَنوت مُلوكيّ كامل، لا طَبَقة ضِمن الشَّعب. الكنيسة كلّها كَهَنوت.

وقَبل ذلك في نفس الإصحاح:

«كُونُوا أَنْتُمْ أَيْضًا مَبْنِيِّينَ كَحِجَارَةٍ حَيَّةٍ، بَيْتًا رُوحِيًّا، كَهَنُوتًا مُقَدَّسًا، لِتُقَدِّمُوا ذَبَائِحَ رُوحِيَّةً مَقْبُولَةً عِنْدَ الله بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ» — ١ بطرس ٢: ٥

كلّ مُؤمن حَجَر حَيّ في البِناء. وكلّ مُؤمن كاهن مُقَدَّس يُقَدِّم ذَبائح رُوحيّة — صَلوات، تَسبيح، خِدمة، حَياة مَقَدَّسة.

الشَّاهد الثاني — رؤيا ١: ٦

الرَّسول يوحنا يَفتَتح سِفر الرؤيا بِتَسبيحة لِـالمسيح:

«الَّذِي أَحَبَّنَا، وَقَدْ غَسَّلَنَا مِنْ خَطَايَانَا بِدَمِهِ، وَجَعَلَنَا مُلُوكًا وَكَهَنَةً للهِ أَبِيهِ» — رؤيا ١: ٥-٦

كلّ المُؤمنين — الذين غُسِلوا بِدَم المسيح — جُعِلوا «مُلوكًا وكَهَنة». ليس فقط القادة. ليس فقط المُكَرَّسين. كلّ من غُسِل بِدَمه.

وَفي رؤيا ٥: ١٠، الكنيسة المُختَطَفة تُسَبِّح: «وَجَعَلْتَنَا لإِلهِنَا مُلُوكًا وَكَهَنَةً، فَسَنَمْلِكُ عَلَى الأَرْضِ». كلّ المُؤمنين الذين سَيكونون في السَّماء يُسَبِّحون المسيح لأنّه جَعَلَهم كَهَنة. لا طَبَقة كَهَنوتيّة مَنفصلة — كَهَنة لِلجَميع.

الشَّاهد الثالث — رؤيا ٢٠: ٦

في الملكوت الأَلفيّ: «مُبَارَكٌ وَمُقَدَّسٌ مَنْ لَهُ نَصِيبٌ فِي الْقِيَامَةِ الأُولَى... بَلْ سَيَكُونُونَ كَهَنَةً للهِ وَالْمَسِيحِ، وَسَيَمْلِكُونَ مَعَهُ أَلْفَ سَنَةٍ». كلّ المُؤمنين كَهَنة في الزَّمن الحاضر، وكَهَنة في الزَّمن القادم. هذه هويّتنا الأَبَديّة.

وتأمّل أن هذا الإعلان — «أنتم كهنوت ملوكي» — لم يُقيَّد بسبق الخبرة أو بالنضج الروحي أو بالمكانة الاجتماعية. قيل للمؤمنين الجدد في آسيا الصغرى — كثيرون منهم كانوا عبيدًا ونساء وبسطاء لا مكانة لهم في العالم — إنهم كهنة الإله. الكهنوت الملوكي لا يُكتسب بالدراسة ولا يُمنح بالسيامة ولا يُورث بالنسب — بل يُعطى بالميلاد الجديد.

رابعًا — وَسيط واحد فَقَط بَين الإله والإنسان

السُّؤال يَطرح نَفسه: لكن أَلَسنا نَحتاج وَسيطًا بَيننا وَبَين الإله؟ نَعَم — لكنّ هذا الوَسيط هو الرب يسوع المسيح وَحده. لا أَحَدَ غَيره.

الرَّسول بولس يَكتب:

«لأَنَّهُ يُوجَدُ إِلهٌ وَاحِدٌ وَوَسِيطٌ وَاحِدٌ بَيْنَ الله وَالنَّاسِ: الإِنْسَانُ يَسُوعُ الْمَسِيحُ» — ١ تيموثاوس ٢: ٥

«وسيط واحد». ليس «وَسيط واحد رَئيسي وأَتباع له يَتَوَسَّطون أَيضًا». «واحد» — العَدَد القاطع.

إن كان هناك وَسيط بَشريّ على الأرض يَسمَع الاعتراف ويُعطي الغُفران ويُقَدِّم الذَّبيحة عَنّا، فلَدَينا وَسيطان. وهذا يَتَناقَض مع الرَّسول بولس صَراحة.

اعتراف الخَطايا — مَن نَعترف لَه؟

بَعض التَّقاليد تُعَلِّم أنّ المُؤمن يَجب أن يَعترف بِخَطاياه لِكاهن بَشريّ ليَنال الغُفران. لكن الكتاب يُعَلِّم خِلاف ذلك. الرَّسول يوحنا يَكتب:

«إِنِ اعْتَرَفْنَا بِخَطَايَانَا فَهُوَ أَمِينٌ وَعَادِلٌ، حَتَّى يَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَيُطَهِّرَنَا مِنْ كُلِّ إِثْمٍ» — ١ يوحنا ١: ٩

الاعتراف لِـ«هو» — أي الإله ذاته. الإله هو الأَمين والعادل. الإله هو الذي يَغفر. لا حاجة لِوَسيط بَشريّ في الاعتراف. ندعو الإله مُباشرة باسم الرب يسوع المسيح.

قد تَسأل: ولكنّ يعقوب يَقول «اعترفوا بَعضكم لِبعضٍ بِالزَّلّات» (يعقوب ٥: ١٦). نَعَم — لكنّ هذا اعتراف مُتَبادل بَين أَخوة كَأَسلوب مُحَاسبة رُوحيّة، لا اعتراف لِكاهن وَسيط. النصّ يَقول «بَعضكم لِبَعض» — مُتَبادل. ولا يَقول إنّ الغُفران يَأتي مِن البَشَر. الغُفران مِن الإله وَحده.

الدُّخول إلى عَرش النِّعمة مُباشرة

الرَّسالة إلى العِبرانيّين تَدعو كلّ مُؤمن:

«فَلْنَتَقَدَّمْ بِثِقَةٍ إِلَى عَرْشِ النِّعْمَةِ لِكَيْ نَنَالَ رَحْمَةً وَنَجِدَ نِعْمَةً عَوْنًا فِي حِينِهِ» — عبرانيّين ٤: ١٦

«نَتَقَدَّم بِثِقة» — كلّ مُؤمن، مُباشرة، بِثقة. لا حاجة لِواسطة بَشريّة. المسيح رئيس الكَهَنة الأَعظم فَتح الطَّريق، ونَدخل مِن خِلاله مُباشرة إلى الآب.

خامسًا — كيف تَسَلَّل النِّظام الكَهَنوتيّ القَديم إلى الكَنيسة؟

إن كان العَهد الجَديد يُعَلِّم بِوُضوح أنّ الكَهَنوت اللاويّ انتَهى وكلّ المُؤمنين كَهَنة، كيف عادَت بَعض التَّقاليد الكَنَسيّة إلى نِظامٍ كَهَنوتيٍّ بَشريّ؟ هذا سُؤال تاريخيّ مَشروع، وإجابته مُهِمّة.

التَّأثير اليَهوديّ المُبَكِّر

في القُرون الأولى، تَأثَّرت بَعض الكَنائس بِالنَّمط اليَهوديّ. كان من السَّهل التَّفكير: «كان في إسرائيل كاهن، فلِنَعَيِّن كاهنًا في الكَنيسة». لكنّ هذا تَجاهَل الحَقيقة الجوهريّة: كَهَنوت إسرائيل كان ظِلًّا تَمَّمه المسيح. إعادة بِنائه هو وَضع خَمر جَديدة في زِقاق عَتيقة — تَمامًا كما حَذَّر الرب يسوع المسيح (لوقا ٥: ٣٧-٣٨).

التَّأثير الوَثَنيّ

في الإمبراطوريّة الرومانيّة، كانت الدِّيانات الوَثَنيّة كلّها تَعتمد على نِظام كَهَنوتيّ. كانت لِكلّ مَعبد كَهَنته الذين يُقَدِّمون الذَّبائح. عندما اعتَنَق الرُّومان المَسيحيّة في القُرون التالية، حَمَلوا مَعهم تَوَقُّعاتهم الدِّينيّة. تَوَقَّعوا أن يَجدوا في المَسيحيّة كَهَنة ومَذابح وذَبائح، كَما اعتادوا في وَثَنيّتهم. للأَسف، بَعض الكَنائس قَدَّمَت لهم ما تَوَقَّعوه بَدَل أن تَقودَهم إلى الحَقيقة الجَديدة.

تَطَوُّر «الكَلِيريكوس» مُقابل «الَّلائيكوس»

تَدريجيًّا، تَطَوَّر في القُرون اللاحقة تَمييز بَين «الكَلِيريكوس» (clergy — الإكليروس، الكَهَنة المُكَرَّسون) و«الَّلائيكوس» (laity — العَلمانيّون، عامّة الشَّعب). هذا التَّمييز غَير مَوجود في العَهد الجَديد. الكَنيسة الأَولى كانت تَعرف الأَساقفة (المُشرفين) والشَّمامسة (الخُدّام) — لكنّ هؤلاء كانوا قادة خِدمة، لا طَبَقة كَهَنوتيّة وَسيطة.

الكَلِمة اليونانيّة للكاهن الَّلاويّ هي «هيرِيوس» (ἱερεύς). الكَلمة اليونانيّة لِقائد الكَنيسة (الشَّيخ) هي «بريسبيتيروس» (πρεσβύτερος) أو «إبيسكوبوس» (ἐπίσκοπος). العَهد الجَديد لا يَستَخدم أَبدًا كَلِمة «هيرِيوس» (كاهن لاويّ) لِقادة الكَنيسة. هذا فَرق لُغَويّ مُهمّ. قادة الكَنيسة هُم شُيوخ ومُشرفون، لا «كَهَنة لاويّون». الكاهن الواحد الباقي هو المسيح.

سادسًا — لماذا هذا الموضوع مُهمّ؟

أوَّلًا — إنّه يَمسّ الإنجيل

إنجيل النِّعمة يَقول: «بِنَعمة الإله، بِواسطة المسيح وَحده، بِالإيمان وَحده، أَنال الخَلاص». نِظام كَهَنوتيّ بَشريّ يُعَطِّل هذا الإنجيل. إذا كنتُ بِحاجة لِكاهن لِيَغفر لي خَطاياي، فأنا مُعتَمد على عَمل بَشريّ، لا على عَمل المسيح الكامل. إذا كنتُ أَدفع لِقاء قَرابين بَشريّة، فأنا أُنكر أنّ ذَبيحة المسيح كانت كافية.

ثانيًا — إنّه يَمسّ شَخص المسيح

المسيح هو رئيس الكَهَنة الواحد الأَعظم. هو الوَسيط الواحد. هو الذَّبيحة الواحدة. تَنصيب كاهن أَو أَسقُف كـ«بَديل المَسيح» على الأرض يُنازع المسيح على مَكانه. وهذا أَمر خَطير جدًّا.

ثالثًا — إنّه يَمسّ الحُرّيّة المَسيحيّة

الرَّسول بولس يَصرخ:

«فَاثْبُتُوا إِذًا فِي الْحُرِّيَّةِ الَّتِي قَدْ حَرَّرَنَا الْمَسِيحُ بِهَا، وَلاَ تَرْتَبِكُوا أَيْضًا بِنِيرِ عُبُودِيَّةٍ» — غلاطية ٥: ١

نِظام كَهَنوتيّ بَشريّ هو «نير عُبوديّة». إنّه يَجعل المُؤمن مُعتَمدًا على هَيكل بَشريّ بَدَل أن يَتَّكِل على الإله مُباشرة.

والسبب اللاهوتي الأعمق لأهمية هذا الموضوع هو أنه يتعلق بحجاب يفصل بين المؤمن وقلب الإنجيل. فمن يعتقد أنه يحتاج إلى كاهن بشري وسيطًا لا يزال يعيش كمن يقف أمام الحجاب الممزوق دون أن يجرؤ على الدخول. ومن يفهم كهنوته الملوكي يدخل إلى قدس الأقداس بدم الرب يسوع المسيح بجرأة وفرح، كما أراد الإله.

سابعًا — دَعوة للتَّحَرُّر بِالحقّ

أيّها الحَبيب الذي تَنتَمي إلى تَقليد كَنَسيّ يُمارس النِّظام الكَهَنوتيّ القَديم — أنا أَكتب لَك بِحُبّ الرب يسوع المسيح. أنت تَخدم بِأَمانة، تُصلّي، تَصوم، تَقدِّم خِدمة عَظيمة لِكَنيستك. أَنا لا أُقَلِّل مِن إيمانك. لكنّي أَطلب مِنك أن تَدرس الكتاب المُقَدَّس بِنَفسك — ليس بِواسطة شَرح كَنيستك، بل قِراءة مُباشرة لكَلِمة الإله.

اِقرأ الرَّسالة إلى العِبرانيّين كاملة — مِن الإصحاح ١ إلى ١٣. لا تَتَوَقَّف. لا تَستَشِر شُرّاحًا. فَقَط اقرأ. ولاحظ كيف تَتَحَدَّث الرَّسالة عن المسيح كرئيس الكَهَنة الواحد، عن ذَبيحته الواحدة الكامِلة، عن الحجاب المَفتوح، عن دُخولنا المُباشر بِثِقة إلى الإله. ثمّ اِسأل نَفسك: هل هذا ما تَخبرني به كَنيستي؟

اِقرأ ١ بُطرس ٢: ٥-٩. لاحظ كَلِمة «أَنتُم — كَهَنوت مُلوكيّ». ثُمّ اِسأل نَفسك: لِماذا تَتَكَلَّم كَنيستي عن «الإكليروس» و«العَلمانيّين» كَطَبَقَتَين، إذا كان الكتاب يَقول إنّ كلّ المُؤمنين كَهَنة؟

اِقرأ ١ تيموثاوس ٢: ٥. الوَسيط واحد. المسيح. ثُمّ اِسأل نَفسك: لِماذا أَحتاج وَسيطًا بَشريًّا؟

هذه الأَسئلة ليست تَجَدُّفًا. هذه أَسئلة مَسيحيّة شَريفة. كلّ المُؤمنين عبر التاريخ سَأَلوها. والذين فَتَح الإله عيونهم رَأَوا الحَقيقة: المسيح كامل، ذَبيحته كاملة، كَهَنوته كامل، عَطاؤه لِكلّ من يُؤمن: كَهَنوت شَخصيّ، دُخول مُباشر، حرّيّة كاملة.

أنا لا أَطلب مِنك أن تَترك تَقاليدك بِسُهولة

أَنا أُدرك مَدى الصُّعوبة. تَقاليدك جَزء مِن هَويّتك. عائلتك، أَصدقاؤك، تاريخك — كلّ هذا مَربوط بِكَنيستك. أَنا لا أَطلب مِنك أن تَرمي كلّ هذا بَين عَشيّة وضُحاها. أَطلب مِنك فَقط أن تَفتح قَلبك للكَلِمة. اِقرأ بِنَفسك. صَلِّ مُباشرة إلى الإله باسم الرب يسوع المسيح. اِختَبِر الحَقيقة. ثُمَّ افعل ما تُملي عليك ضَميرك المُنير بالكَلِمة.

كَثيرون اكتَشَفوا أنّ المسيح الحَيّ يَستَقبلهم مُباشرة، ويَغفر خَطاياهم مُباشرة، ويُحَدِّثهم في كَلِمَته مُباشرة. هذا الاكتشاف غَيَّر حَياتهم. لم يَعودوا مَسيحيّين مُتَدَيِّنين خاضعين لِنِظام — صاروا أَولاد الإله الأَحرار.

ثامنًا — الذَّبائح الرُّوحيّة التي نُقَدِّمها

قد تَسأل: إن كنّا كلّنا كَهَنة، فما الذَّبائح التي نُقَدِّمها؟ الكتاب يُعَلِّم بِوُضوح:

هذه الذَّبائح الرُّوحيّة — التَّسبيح، الإحسان، تَكريس الحَياة، الصَّلاة — هي ما يُقَدِّمه كاهن الإله اليَوم. لا حاجة لِذَبائح حَيَوانيّة أَو خُبز ونَبيذ يَصير «جَسَد المَسيح» في كلّ قُدّاس. ذَبيحة المسيح تَمَّت مَرّة واحدة وإلى الأبد.

وهذه الذبائح الروحية ليست مجرد أعمال دينية بل هي حياة المؤمن في كل أبعادها مُقدَّمةً للإله. فحين تُعطي بسخاء تُقدّم ذبيحة. وحين تمدح الإله في وسط الضيق تُقدّم ذبيحة. وحين تبتعد عن الخطية في لحظة إغراء تُقدّم جسمك ذبيحةً حيّة. وهذا هو ما يجعل حياة المؤمن في جوهرها حياةً كهنوتية لا تنفصل عن الحياة اليومية.

تاسعًا — الخاتمة — كَهَنوت لا يَزول

أيّها الحبيب، أَنهي بِكَلِمة دَعوة وَرَجاء. الإله أَعَدّ لك أَعظم امتياز يُمكن لكائن أن يَنالَه: أَن تَكون كاهنه الشَّخصيّ، تَدخل إليه مُباشرة، تَتَحَدَّث مَعَه كَأَب، تَخدمه بِكلّ حَياتك. هذا الامتياز رَبِحه الرب يسوع المسيح لك بِدَمه على الصَّليب. لا تَدَع نِظامًا بَشريًّا — مَهما كان قَديمًا أَو وَقُورًا — يَسرق هذا الامتياز مِنك.

اِدخُل إلى عَرش النِّعمة بِنَفسك. اِقرأ الكَلِمة بِنَفسك. اِعتَرف بِخَطاياك مُباشرة لـالإله الذي يَغفرها بِأَمانة. صَلِّ مُباشرة إلى الآب باسم الرب يسوع المسيح. اِختَبر الحَياة المَسيحيّة كَما قَصَدها الإله — حَياة الحرّيّة، الفَرح، الحَضور المُباشر.

الكاهن الواحد الأَعظم — الرب يسوع المسيح — يَنتَظرك. لا تَحتاج أَن تَأخُذ مَوعدًا. لا تَحتاج أَن تَدفع رُسومًا. لا تَحتاج أَن تَتوسَّط بِواسطة آخَر. هو حَيّ في كلّ حين لِيَشفَع فيك (عبرانيّين ٧: ٢٥). تَقَدَّم إليه الآن بِثِقة.

«فَلْيَكُنْ بِالأَحْرَى يَسُوعُ الَّذِي قَدْ صَارَ كَفِيلاً لِعَهْدٍ أَفْضَلَ» (عبرانيّين ٧: ٢٢). العَهد الأَفضل في يَدِه. الكَهَنوت الأَفضل هو هُو. أَنت كاهن في كَهَنوته. لا تَرجع إلى الظِّلال — تَمَتَّع بِالجَوهر.

لِـالرب يسوع المسيح، رئيس الكَهَنة الأَعظم، الذي بِدَمه فَتَح لنا طَريقًا حَديثًا حَيًّا — لَه المَجد والكَرامة والسُّلطان إلى أَبَد الآبِدين. آمين.

عاشرًا — تَفصيل أَعمق: عبرانيّين ٩-١٠ والذَّبيحة الواحدة

أُريد أن أَدعوك إلى دِراسة مُتأنّية لإصحاحَين مَفصليَّين في الرَّسالة إلى العِبرانيّين، لأنّهما يَكشفان جَوهر الفَرق بين النِّظامين.

الكاهن الأرضيّ يَقف، الكاهن الأَعظم جَلَس

اقرأ هذا الفَرق المَدهش:

«وَكُلُّ كَاهِنٍ يَقُومُ كُلَّ يَوْمٍ يَخْدِمُ وَيُقَدِّمُ مِرَارًا كَثِيرَةً تِلْكَ الذَّبَائِحَ عَيْنَهَا، الَّتِي لاَ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَنْزِعَ الْخَطِيَّةَ. وَأَمَّا هذَا فَبَعْدَ مَا قَدَّمَ عَنِ الْخَطَايَا ذَبِيحَةً وَاحِدَةً، جَلَسَ إِلَى الأَبَدِ عَنْ يَمِينِ الله» — عبرانيّين ١٠: ١١-١٢

التَّقابُل صادم: «كلّ كاهن يَقوم كلّ يوم» — وضعيّة العَمل المُستَمرّ غير المُكتَمل. «وأمّا هذا فجَلَس إلى الأَبد» — وضعيّة العَمل المُنجَز كاملًا. لاحظ كَلِمة «كاهن» في الفقرة الأولى: في اليونانيّة «هيرِيوس» (ἱερεύς) — كاهن لاويّ يُقَدِّم ذَبائح. هذا تَحديدًا ما لم يَعُد المَسيحيّون يَفعَلونه. لو كانت بَعض الكَنائس تَستَمرّ في تَقديم ذَبيحة (مَهما سُمِّيَت)، فهي تُعَلِّم — بِأَفعالها لا بِكَلامها — أنّ المسيح لم يُكمل العَمل. لكنّه أَكمَلَه. ولذلك جَلَس.

التَّكرار وَجه القُصور

الكاتب يُكَرِّر هذه النُّقطة بِأَساليب عَديدة: «وَأَمَّا فِي هذِهِ الذَّبَائِحِ ذِكْرُ خَطَايَا كُلَّ سَنَةٍ» (عبرانيّين ١٠: ٣). الذَّبائح المُتَكَرِّرة كانت بِنفسها إعلانًا عن قُصورها. لو كانت كافية، لَتَوَقَّفت. كلّ تَكرار قال: «هذا لم يَكفِ». ثمّ يَأتي التَّصريح القاطع:

«لأَنَّهُ بِقُرْبَانٍ وَاحِدٍ قَدْ أَكْمَلَ إِلَى الأَبَدِ الْمُقَدَّسِينَ» — عبرانيّين ١٠: ١٤

«قُربانًا واحدًا» — ليس ألف قُربان. «إلى الأَبد» — لا حاجة لِتَكرار. «أَكمَلَ المُقَدَّسِين» — العَمل تَمَّ نَهائيًّا للذين آمَنوا.

إن كانت الذَّبيحة كاملة، فلَيس هناك ذَبيحة أُخرى

الخاتمة المُلزِمة: «وَإِنَّمَا حَيْثُ تَكُونُ مَغْفِرَةٌ لِهذِهِ لاَ يَكُونُ قُرْبَانٌ أَيْضًا عَنِ الْخَطِيَّةِ» (عبرانيّين ١٠: ١٨). إذا كانت هناك مَغفرة (وَهذه نَناَلها بِالإيمان بِـالمسيح)، فلا يوجد قُربان آخَر عن الخَطيّة. حالة من الاثنين: إمّا أَنّ ذَبيحة المسيح كافية ولا حاجة لِشيء آخَر، أو ذَبيحة المسيح غَير كافية ولا تَنفع كلّ الذَّبائح. لا مَوقع وَسط.

الحاديَ عشَر — ماذا عن «الخَلافة الرَّسوليّة»؟

بَعض التَّقاليد تُعَلِّم أنّ الرَّسول بطرس كان أَوَّل «بابا» وأنّ سُلطته انتَقلَت بِالخَلافة إلى أَساقفة لاحقين. أَقول هذا بِحَبّ: هذا التَّعليم يَتَجاوز ما يَقولُه الكتاب.

هل كان بطرس مُتَفَرِّدًا في السُّلطة؟

الكتاب يَرسم صورة مُختَلفة تمامًا عن بطرس. نَعَم — كان بطرس قائدًا بارزًا في الكَنيسة الأولى. ألقى خِطاب يوم الخَمسين (أعمال ٢). فَتَح الباب للأُمم بِزِيارة كرنيليوس (أعمال ١٠). لكن في مَجمع أُورشليم، الذي يَعطي تَوجيهًا رَسميًّا للكَنيسة، رئاسة المَجمَع لم تَكُن لِبطرس بل ليعقوب أَخ المسيح:

«وَبَعْدَمَا سَكَتَا، أَجَابَ يَعْقُوبُ قَائِلاً: أَيُّهَا الرِّجَالُ الإِخْوَةُ، اسْمَعُونِي. لِذلِكَ أَنَا أَرَى أَنْ لاَ يُثَقَّلَ عَلَى الرَّاجِعِينَ إِلَى اللهِ مِنَ الأُمَمِ» — أعمال ١٥: ١٣-١٩

يعقوب أَصدر القَرار، لا بطرس.

أَكثر مِن ذلك، الرَّسول بولس وَبَّخ بطرس عَلَنًا في أَنطاكية:

«وَلكِنْ لَمَّا أَتَى بُطْرُسُ إِلَى أَنْطَاكِيَةَ، قَاوَمْتُهُ مُواجَهَةً، لأَنَّهُ كَانَ مَلُومًا» — غلاطية ٢: ١١

لو كان بطرس بابا مَعصومًا أو ذا سُلطة عُليا، لَما تَجَرَّأَ الرسول بولس على تَوبيخه عَلَنًا. الرسول بولس عاملَه كزَميل في الخِدمة، لا كرئيس.

«أَنتَ بُطرس وعلى هذه الصَّخرة» — مَن هي الصَّخرة؟

الآية المَشهورة:

«وَأَنَا أَقُولُ لَكَ أَيْضًا: أَنْتَ بُطْرُسُ، وَعَلَى هذِهِ الصَّخْرَةِ أَبْنِي كَنِيسَتِي» — متّى ١٦: ١٨

يَجب فَهمها بِدِقّة لُغَويّة. في اليونانيّة، المسيح قال: «أنت بِترُس (Πέτρος — اسم مُذَكَّر، يَعني حَجَر) وعَلى هذه البِتْرا (πέτρα — اسم مُؤَنَّث، يَعني صَخرة كَبيرة، صَخر)». الفَرق مَقصود: الحَجَر الصَّغير (بطرس) ليس هو الصَّخرة الكُبرى (التي بَنى عَليها المسيح كَنيسته).

الصَّخرة الكُبرى هي اعتراف بطرس قَبل لَحظات:

«أَنْتَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ الْحَيِّ» — متّى ١٦: ١٦

على هذا الاعتراف — على هذه الحَقيقة عن المسيح — تُبنَى الكَنيسة. الرَّسول بولس يَقول: «فَإِنَّهُ لاَ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَضَعَ أَسَاسًا آخَرَ غَيْرَ الَّذِي وُضِعَ، الَّذِي هُوَ يَسُوعُ الْمَسِيحُ» (١ كورنثوس ٣: ١١). الأَساس الواحد لِكَنيسة الإله هو الرب يسوع المسيح، لا بطرس ولا أَيّ إنسان.

«مَفاتيح المَلكوت» — لِبطرس وَحده؟

المسيح أَعطى بطرس «مَفاتيح المَلكوت» (متّى ١٦: ١٩). هل كانت هذه سُلطة فَريدة دائمة لِبطرس؟ كلاّ. بَعد إصحاحين، أَعطى المسيح نفس السُّلطة لِكلّ الكَنيسة:

«اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: كُلُّ مَا تَرْبِطُونَهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَرْبُوطًا فِي السَّمَاءِ. وَكُلُّ مَا تَحُلُّونَهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَحْلُولاً فِي السَّمَاءِ» — متّى ١٨: ١٨

«تَربِطون» و«تَحلّون» في صيغة الجَمع. كلّ الكَنيسة لها السُّلطة، لا بطرس وحده.

وما هي طَبيعة هذه السُّلطة؟ ليست سُلطة لِغُفران الخَطايا بَشريًّا — هذه لـالإله وَحده. بَل هي سُلطة الكَرازة بِالإنجيل. عندما يَكرز المُؤمنون بِالإنجيل، يَفتَحون أَبواب المَلكوت لِلتائبين، ويُغلِقونها أَمام الرَّافضين. هذا ما فَعَلَه بطرس في يوم الخَمسين (أعمال ٢)، وما فَعَلَه فيليبس في السامرة (أعمال ٨)، وما فَعَلَه الرسول بولس في الأُمم (أعمال ١٣).

الثانيَ عشَر — العَشاء الرَّبّاني تَذكار، لا ذَبيحة

هذه نُقطة دَقيقة وعَزيزة. عندما أَسَّس الرب يسوع المسيح العَشاء الرَّبّاني، قال:

«اِصْنَعُوا هذَا لِذِكْرِي» — لوقا ٢٢: ١٩

«لِذِكري» — في اليونانيّة «إيس تين إيمين أناميسين» (εἰς τὴν ἐμὴν ἀνάμνησιν) — تَعني «تَذَكُّرًا، اِستِحضارًا للذِّكرى». هذا أَمر بِتَذَكُّر، لا بِتَكرار.

كَسر الخُبز عَمَل تَذَكُّري

الرَّسول بولس يُؤكّد هذا الفَهم:

«فَإِنَّكُمْ كُلَّمَا أَكَلْتُمْ هذَا الْخُبْزَ وَشَرِبْتُمْ هذِهِ الْكَأْسَ، تُخْبِرُونَ بِمَوْتِ الرَّبِّ إِلَى أَنْ يَجِيءَ» — ١ كورنثوس ١١: ٢٦

فِعل «تُخبِرون» — في اليونانيّة «كَتانجيلِّتي» (καταγγέλλετε) — يَعني «تُعلِنون، تَشهَدون، تُذكِرون». هذا إعلان عَن مَوت المسيح، لا تَكرار لِذَبيحته.

التَّعليم بأنّ الخُبز يَصير حَرفيًّا جَسَد المسيح وأَنّ النَّبيذ يَصير حَرفيًّا دَمه — وأَنّ هذا «ذَبيحة بِلا دَمويّة» تُكَرَّر يَوميًّا في كلّ كَنيسة — يَتَعارض مَع تَعليم الرَّسالة إلى العِبرانيّين بِوُضوح. الرَّسالة تَقول إنّ المسيح قُدِّم «مَرّة واحدة» (عبرانيّين ٩: ٢٨)، وإنّ تَكرار الذَّبيحة عَلامة قُصور.

الخُبز خُبز، الكَأس كَأس

لاحِظ أنّ الرَّسول بولس بَعد كَلِمات المسيح عن «جَسَدي» و«دَمي»، يَستَمِرّ في تَسمية العَناصِر «خُبزًا» و«كَأسًا»: «كُلَّمَا أَكَلْتُمْ هذَا الْخُبْزَ» (١ كورنثوس ١١: ٢٦). إذا كان الخُبز تَحَوَّل إلى الجَسَد حَرفيًّا، لَدَعا الرسول بولس بِعَدَم تَسميته خُبزًا. لكنّه دَعاه خُبزًا — لأنّه خُبز رَمزيّ يُذَكِّر بِجَسَد المسيح.

المسيح نَفسه استَخدم رُموزًا في كَلامه: «أَنَا هُوَ الْبَابُ» (يوحنا ١٠: ٩) — لا يَعني أنّ المسيح باب خَشبيّ. ««أَنَا الْكَرْمَةُ الْحَقِيقِيَّةُ وَأَبِي الْكَرَّامُ.» (يوحنا ١٥: ١) — لا يَعني أنّه نَبات. «أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ» (يوحنا ١٤: ٦) — لا يَعني أنّه أَسفَلت. هذه استِعارات مَجازيّة. كَذلك «هذا جَسَدي» في سياق العَشاء — استِعارة تُؤَكِّد ارتباط الخُبز بِجَسَد المسيح رَمزيًّا.

وتذكّر أن عشاء الرب يُشير إلى الأمام أيضًا: «تُخبِرون بموت الرب إلى أن يجيء». فالخبز والكأس ليسا ذبيحةً تتكرر، بل شهادةً تتذكّر ذبيحةً اكتملت، وتنتظر مجيئًا قادمًا. والمؤمن يمارس هذه الفريضة بوصفه كاهنًا ملوكيًّا يُعلن الإنجيل بفعل رمزي معبِّر يراه كل من حوله.

الثالثَ عشَر — كاهن الإله في حَياته اليَوميّة

إن كنتَ تَتسائَل: «حَسَنًا، أَنا كاهن — ولكن ماذا أَفعل بِهذا الكَهَنوت؟» الإجابة من الكتاب واضحة وعَمَليّة.

كَهَنوتك يُمارَس في صَلواتك

الكاهن في العَهد القَديم كان يَدخل قُدس الأقداس مَرّة في السَّنة بِبَخور. الكاهن في العَهد الجَديد — أنت — يَدخل كلّ يَوم. الصَّلاة هي بَخورك. الرَّسول إلى العِبرانيّين يَدعوك:

«فَلْنَدْنُ بِقَلْبٍ صَادِقٍ فِي يَقِينِ الإِيمَانِ» — عبرانيّين ١٠: ٢٢

أَنت تَدنو. أَنت تَدخل. لا حاجة لِواسطة. لا حاجة لِكاهن آخَر بَينك وبين الآب.

كَهَنوتك يُمارَس في تَكريس حَياتك

الرَّسول بولس يَكتب:

«أَطْلُبُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ بِرَأْفَةِ الله أَنْ تُقَدِّمُوا أَجْسَادَكُمْ ذَبِيحَةً حَيَّةً مُقَدَّسَةً مَرْضِيَّةً عِنْدَ الله، عِبَادَتَكُمُ الْعَقْلِيَّةَ» — رومية ١٢: ١

جَسَدك ذَبيحة حَيّة. كلّ ما تَفعَله — العَمل، الدِّراسة، الزواج، تَربية الأَولاد، خِدمة الجار — كلّه ذَبائح كَهَنوتيّة. لستَ تَنتظر لِيَوم الأَحَد لِتَكون كاهنًا. أَنت كاهن في يَوم الإثنين، في مَكتبك، في مَتجرك، في مَنزلك، في مَدرستك. كلّ لَحظة هي خِدمة كَهَنوتيّة.

كَهَنوتك يُمارَس في خِدمتك للآخَرين

كاهن العَهد القَديم كان يَتَوسَّط بَين الإله والشَّعب. كاهن العَهد الجَديد يَفعل الشَّيء نَفسه — لا بأنّه يَغفر الخَطايا، بل بأنّه يَشهَد لِـالمسيح الذي يَغفر. تَكرز بِالإنجيل لِجَيرانك. تُصلّي لأَصدقائك. تُشَجِّع المُتَألِّمين. هذه كلّها خِدمة كَهَنوتيّة. كلّ مُؤمن مُرسَل:

«اِذْهَبُوا إِلَى الْعَالَمِ أَجْمَعَ وَاكْرِزُوا بِالإِنْجِيلِ لِلْخَلِيقَةِ كُلِّهَا» — مرقس ١٦: ١٥

«اذهَبوا» — صيغة الجَمع، لِكلّ المُؤمنين، لا لِطَبَقة كَهَنوتيّة.

كَهَنوتك يُمارَس في دِراسة الكَلِمة

الكاهن في العَهد القَديم كان مَسؤولًا عن تَعليم الشَّعب الشَّريعة. الكاهن في العَهد الجَديد — أنت — مَسؤول عن دِراسة الكَلِمة بِنَفسك. الرَّسول بولس يَدعو:

«اِجْتَهِدْ أَنْ تُقِيمَ نَفْسَكَ لِلهِ مُزَكًّى، عَامِلاً لاَ يُخْزَى، مُفَصِّلًا كَلِمَةَ الْحَقِّ بِالاسْتِقَامَةِ» — ٢ تيموثاوس ٢: ١٥

«اجتَهِد» — أَنت. «تُقيم نَفسك» — مَسؤوليّة شَخصيّة. لا تَنتظر أن يَأتيك أَحد ليُفَسِّر لك. اقرأ، فَكِّر، صَلِّ، تَعَلَّم. هذا كَهَنوتك.

الرابعَ عشَر — صَوت المُؤمنين عَبر التَّاريخ

هناك أَجيال من المُؤمنين عَبر التَّاريخ اكتَشَفوا الكَهَنوت الجَديد ودَخَلوا إليه بِفَرح. مَجموعات صَغيرة وأَفراد — في كلّ قارّة، في كلّ عَصر — رَأَوا الكَلِمة الكتابيّة عن كَهَنوت كلّ المُؤمنين وعاشوا بِمُوجبها. لم تَكُن دائمًا حَياة سَهلة. أَحيانًا كَلَّفَتهم الكَثير. لكنّ الحُرّيّة التي وَجَدوها في المسيح كانت تَستَحقّ.

قِصص هؤلاء تَشترك في عَناصر مُتَكَرِّرة:

هذا النَّمط ليس جَديدًا. هذا هو نَمط الكَنيسة الأَوَّليّة في أَعمال الرُّسل. كانوا يَجتَمعون في البُيوت، يَتَناولون الخُبز معًا، يَدرسون تَعاليم الرُّسل، يُصَلّون. لا كَهَنة، لا مَذابح، لا قَرابين. فَقَط الجَسد المُؤمن مُتَكاتفًا حَول المسيح.

وهذه الشهادة التاريخية تُبيّن أن ما نقوله هنا ليس ابتداعًا حديثًا، بل عودةً إلى ما كان المؤمنون الأوائل يؤمنون به ويعيشونه. والإصلاح البروتستانتي لم يخترع كهنوت جميع المؤمنين — بل أعاد اكتشاف ما دفنه النظام الكنسي الكاثوليكي تحت طبقات من التقاليد البشرية. فكل إصلاح حقيقي هو عودة إلى الكتاب، لا هروب منه.

الخامسَ عشَر — لِماذا يُهدِّد الكَهَنوت الجَديد بَعض المُؤسَّسات؟

أُريد أن أَكون أَمينًا مَعك. تَعليم الكَهَنوت العامّ لِكلّ المُؤمنين — كَما هو في الكتاب — يُهدِّد مُؤسَّسات دِينيّة كَثيرة. لِماذا؟ لأنّه:

  1. يَنزع الحاجة إلى وَسيط بَشريّ. لا حاجة لِدَفع رُسوم للاعتراف، لِنَوال الغُفران، لِتَقديم الذَّبيحة. كلّ هذا مَجّاني بِـالمسيح.
  2. يَنزع السُّلطة المَركَزيّة. إن كان كلّ مُؤمن يَستَطيع قِراءة الكتاب وفَهمه بِواسطة الروح القدس، فلا يَستَطيع أيّ مُؤسَّسة أن تَحتَكر التَّفسير.
  3. يَنزع التَّبَعيّة المالِيّة. الكَنيسة الحَقيقيّة لا تَحتاج هياكل ضَخمة وطُقوس باهظة. مَجموعة مُؤمنين في بَيت بَسيط لها كلّ ما تَحتاجه.
  4. يَنزع الفَوقيّة الاجتماعيّة. الكاهن في النِّظام القَديم رَجُل دِين «خاصّ». في النِّظام الكتابيّ الجَديد، كلّ المُؤمنين مُتَساوون أَمام الإله.

لِهذا السَّبب، عبر التَّاريخ، الذين كَرَزوا بِالكَهَنوت العامّ واجَهوا اضطِهادًا من المُؤسَّسات الدِّينيّة. لكنّ الحقّ انتَصَر. والذي يَطلب الحقّ سيَجده.

السادسَ عشَر — لكنّي أُحبّ تَقاليدي

أَفهم. التَّقاليد تُعطي إحساسًا بِالأَمان، بِالاستِمراريّة، بِالانتماء. الطُّقوس الجَميلة تَلمس القَلب. الرَّوائح، الأَلوان، الأَناشيد — كلّها تَخلق جَوًّا عبادتيًّا قَويًّا. لا أَطلب مِنك أن تَكره هذه الأَشياء. لكنّي أَطلب مِنك أن تَسأل: هل هذه الأَشياء جَوهر الإيمان، أَم زَخارف حَوله؟

الإيمان المَسيحيّ في الكَنيسة الأولى كان بَسيطًا بِشكلٍ مَدهش. بَيت، خُبز، نَبيذ، صَلاة، كَلِمة الإله، مَحَبَّة الإخوة. هذا كلّ شيء. لم يَكُن هناك تَنظيم بِيرُوقراطيّ، لا مَلابس كَهَنوتيّة فاخرة، لا مَذابح ذَهَبيّة. كانوا «يَكسِرون الخُبز في البُيوت» (أعمال ٢: ٤٦). وكان الرب يَزيد إلى الكَنيسة كلّ يَوم الذين يَخلصون.

أَدعوك أن تَقرَأ سِفر أَعمال الرُّسل كاملًا. كلّ ٢٨ إصحاحًا. لاحِظ ماذا كانت الكَنيسة الأولى تَفعَل. لاحظ مَن كان يَقود. لاحظ كيف كانوا يَجتَمعون. ستَكتشف أنّ النَّمط الذي تَصِفه كَنيستك لِلتَّاريخ الكَنَسيّ ربّما يَختلف عن النَّمط الذي تَراه فِعليًّا في الكَلِمة.

والتقليد وحده لا يجعل شيئًا صحيحًا. فالمسيح نفسه واجه تقاليد الفريسيين بالكتاب المقدس وقال:

«أَبْطَلْتُمْ وَصِيَّةَ الله بِسَبَبِ تَقْلِيدِكُمْ» — متى ١٥: ٦

وهذا هو المعيار الدائم: ليس «هل هذا تقليدنا؟» بل «هل هذا في الكتاب؟». والكهنوت الملوكي لجميع المؤمنين في الكتاب بوضوح لا لبس فيه — فلا تقليد يُلغيه.

السابعَ عشَر — دَعوة شَخصيّة

أيّها الحَبيب، أَنا أَكتب هذا بِدُموع. أَعرف الثَّمن. أَعرف أَنّ بَعض من سيَقرَأ هذه المقالة سيَواجِهون قَرارات صَعبة جدًّا — قَطيعة من العائلة، نَبذ من الأَصدقاء، عُزلة اجتماعيّة. أَنا لا أَستَخفّ بِهذه التَّكاليف.

لكنّي أَدعوك إلى أَن تَنظر إلى الرب يسوع المسيح — رئيس الكَهَنة الواحد الأَعظم — الذي يَستَدعيك إلى عَلاقة شَخصيّة مُباشرة معه. هو الذي مات لِيَفتح لك الطَّريق. هو الذي قام لِيَكون شَفيعك الأَبَديّ. هو الذي يَدعوك الآن: «تَعالَ إليّ».

«تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِي الأَحْمَالِ، وَأَنَا أُرِيحُكُمْ. اِحْمِلُوا نِيرِي عَلَيْكُمْ وَتَعَلَّمُوا مِنِّي، لأَنِّي وَدِيعٌ وَمُتَوَاضِعُ الْقَلْبِ، فَتَجِدُوا رَاحَةً لِنُفُوسِكُمْ. لأَنَّ نِيرِي هَيِّنٌ وَحِمْلِي خَفِيفٌ» — متّى ١١: ٢٨-٣٠

نير المسيح هَيِّن. حِملُه خَفيف. لا أَعمال كَهَنوتيّة شاقّة، لا طُقوس مُتَكَرِّرة، لا ذَبائح مُتَجَدِّدة. فَقَط الإيمان بِه، والمَشي مَعَه، والخِدمة بِسَلام كَأَوْلاد لـالإله.

إذا أَردتَ أَن تَدخل إلى هذا الكَهَنوت الجَديد، صَلِّ هذه الصَّلاة بِصدق:

«يا أَبتِ السَّماويّ، أَنا أُؤمن بِأَنّ الرب يسوع المسيح هو ابنك الوَحيد، الذي مات لأَجل خَطاياي وقام مِن الأَموات. أَنا تائب عن خَطاياي، وأَقبَلُه الآن كَمُخَلِّصي الشَّخصي وَكاهني الأَعظم. أَعتَمِد عَليه وَحده — لا على كاهن بَشريّ، لا على طُقوس، لا على أَعمالي. اِغفر لي خَطاياي بِدَم المسيح، واملأني بِـروحك القدّوس، وقُد خُطواتي إلى كَلِمَتك. أَريد أن أَكون كاهنك الشَّخصيّ، أَخدُمك بِكلّ حَياتي. باسم الرب يسوع المسيح، آمين.»

إن صَلَّيت هذه الصَّلاة بِصِدق، فالكتاب يَعِد:

«مَنْ يَقْبَلُهُ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاسْمِهِ، فَأَعْطَاهُمْ سُلْطَانًا أَنْ يَصِيرُوا أَوْلاَدَ الله» — يوحنا ١: ١٢

صرتَ ابنًا. صرتَ كاهنًا. صرتَ حُرًّا.

الثامنَ عشَر — كَنيسة المسيح الحَقيقيّة

قد تَسأل: «إذا تَركتُ تَقاليدي، أَين أَجد كَنيسة أَنتمي إليها؟» سُؤال مَشروع. الكتاب يَدعو المُؤمنين إلى الاجتِماع معًا:

«غَيْرَ تَارِكِينَ اجْتِمَاعَنَا كَمَا لِقَوْمٍ عَادَةٌ» — عبرانيّين ١٠: ٢٥

كَنيسة المسيح الحَقيقيّة هي جَماعة من المُؤمنين الحَقيقيّين تَجتَمع حَول المسيح.

ما تَبحث عنه في كَنيسة كتابيّة

هذه الصِّفات لا تَجدها في كنيسة واحدة كاملة دائمًا، لكنّ هذه هي العَلامات الكتابيّة لِكَنيسة على الطَّريق الصَّحيح. اِبحث وستَجِد.

«وَإِنْ كَانَ أَحَدٌ مِنْكُمْ تُعْوِزُهُ حِكْمَةٌ، فَلْيَطْلُبْ مِنَ اللهِ الَّذِي يُعْطِي الْجَمِيعَ بِسَخَاءٍ» — يعقوب ١: ٥

التاسعَ عشَر — جُرأة الدُّخول إلى قُدس الأقداس

مِن أَعظَم نَتائِج كَهَنوت المُؤمِنين أنّ لِكلّ مُؤمِن جُرأةَ الدُّخول إلى حَضرة الإله مُباشَرةً، دون وَسيط بَشَريّ. ففي العَهد القَديم، كان دُخول قُدس الأقداس مَحظورًا على الجَميع إلّا رَئيس الكَهَنة، ومَرّةً واحِدةً في السَّنة، بِدَمٍ. أمّا الآن، فبِدَمِ المسيح، صار لِكلّ مُؤمِن دُخولٌ دائِم. يُعلِن الكتاب:

«فَإِذْ لَنَا أَيُّهَا الإِخْوَةُ ثِقَةٌ بِالدُّخُولِ إِلَى الأَقْدَاسِ بِدَمِ يَسُوعَ، طَرِيقًا كَرَّسَهُ لَنَا حَدِيثًا حَيًّا... فَلْنَتَقَدَّمْ بِقَلْبٍ صَادِقٍ فِي يَقِينِ الإِيمَانِ» — عبرانيّين ١٠: ١٩-٢٢

«ثِقَةٌ بِالدُّخُولِ إِلَى الأَقْدَاسِ» — هذا امتِيازُ كلّ مُؤمِن، لا طَبَقةٍ كَهَنوتيّةٍ خاصّة. لَستَ مُضطَرًّا أن تَنتَظِر كاهِنًا بَشَريًّا لِيُدخِلك إلى حَضرة الإله، لأنّك أنتَ نَفسُك كاهِن، لكَ دُخولٌ مُباشِر بِدَمِ المسيح. الحِجاب الَّذي كان يَفصِل الإنسان عن قُدس الأقداس انشَقّ حين مات المسيح، فصار الطَّريق مَفتوحًا للجَميع. هذِه حُرّيّةٌ عَظيمة: أن تَأتيَ إلى الإله القُدُّوس في أيّ وَقتٍ، بِثِقةِ الابن، دون حاجةٍ إلى وَسيطٍ بَشَريّ.

وهذا يُلغي تَمامًا فِكرةَ أنّ المُؤمِن العاديّ بَعيدٌ عن الإله، وأنّه يَحتاج إلى رِجالِ دينٍ لِيَقتَرِب. كلّا — أنتَ كاهِنٌ، ولَكَ دُخولٌ مُباشِر. صَلِّ مُباشَرةً إلى الإله، واقرَأ كَلِمَته بِنَفسِك، واعبُدْه مِن قَلبِك، واعتَرِفْ لَه بِخَطاياك مُباشَرةً. فالوَسيط الوَحيد هو الرَّبّ يسوع المسيح، وبِه لَكَ دُخولٌ كامِلٌ دائِم. فلا تَدَع أحَدًا يَسلُبك هذا الامتِياز، ولا تَعِشْ كَأنّك بَعيدٌ عن الإله مُحتاجٌ إلى وَساطةٍ بَشَريّة. أنتَ كاهِنُ الإله، ولَكَ عَرشُ النِّعمة مَفتوحٌ في كلّ حين.

العِشرون — كَهَنوتك امتِيازٌ ومَسؤوليّة مَعًا

كَهَنوت المُؤمِنين لَيس امتِيازًا فَقَط، بل مَسؤوليّةٌ أيضًا. فالكاهِن في العَهد القَديم كان يَقوم بِوَظائِفَ مُحَدَّدة: يُقَدِّم الذَّبائِح، ويَشفَع، ويُعَلِّم الشَّعب. وأنتَ، ككاهِنٍ في العَهد الجَديد، لَكَ وَظائِفُ مُماثِلة، لا بِذَبائِحَ حَيَوانيّة، بل بِذَبائِحَ رُوحيّة. أوَّلًا، تُقَدِّم نَفسَك ذَبيحةً حَيّةً لِله:

«أَنْ تُقَدِّمُوا أَجْسَادَكُمْ ذَبِيحَةً حَيَّةً مُقَدَّسَةً مَرْضِيَّةً عِنْدَ الله، عِبَادَتَكُمُ الْعَقْلِيَّةَ» — رومية ١٢: ١

هذِه أَوَّلُ ذَبيحةٍ كَهَنوتيّة — أن تُكَرِّس حَياتك كُلَّها لِله.

ثانيًا، تُقَدِّم ذَبيحةَ التَّسبيح:

«فَلْنُقَدِّمْ بِهِ فِي كُلِّ حِينٍ لِلّهِ ذَبِيحَةَ التَّسْبِيحِ، أَيْ ثَمَرَ شِفَاهٍ مُعْتَرِفَةٍ بِاسْمِهِ» — عبرانيّين ١٣: ١٥

فحَمدُك وتَسبيحُك لِله ذَبيحةٌ كَهَنوتيّة تُرضيه. ثالثًا، تُقَدِّم ذَبيحةَ العَمَل الصَّالِح والعَطاء:

«وَلكِنْ لاَ تَنْسَوْا فِعْلَ الْخَيْرِ وَالتَّوْزِيعَ، لأَنَّهُ بِذَبَائِحَ مِثْلِ هذِهِ يُسَرُّ الله» — عبرانيّين ١٣: ١٦

فمَحَبَّتك العَمَليّة لِلآخَرين، وعَطاؤك، وخِدمتك — كلُّها ذَبائِحُ كَهَنوتيّة.

ورابِعًا، تُمارِس كَهَنوتك بِالشَّفاعة — أن تُصَلِّيَ لأجلِ الآخَرين، حامِلًا احتِياجاتِهم أمام الإله. فكما كان الكاهِن القَديم يَشفَع لِلشَّعب، تَشفَع أنتَ لإخوَتِك في الصَّلاة. وخامِسًا، تُمارِسه بِالشَّهادة — أن «تُخبِرَ بِفَضائِل» الإله لِلَّذين في الظُّلمة. فكَهَنوتك لَيس مُجَرَّد امتِيازٍ تَتَمَتَّع بِه، بل دَعوةٌ تَحياها: تُكَرِّس حَياتك، وتُسَبِّح، وتَعمَل الخَير، وتَشفَع، وتَشهَد. هكذا تَحيا كَكاهِنٍ لِله كلَّ يَوم، لا في مَكانٍ مُقَدَّسٍ مُنفَصِل، بل في كلّ مَكانٍ تَكون فيه، إذ صارَت حَياتُك كلُّها خِدمةً كَهَنوتيّةً لِمَجد الإله.

ولاحظ أن كهنوتك لا ينتهي مع نهاية الخدمة الكنسية. فأنت كاهن الإله في بيتك حين تصلّي على أطفالك وتباركهم. وأنت كاهنه في عملك حين تخدم بأمانة شاهدًا لاسمه. وأنت كاهنه في علاقاتك حين تحمل أثقال الآخرين وتصلّي لأجلهم. الكهنوت الملوكي ليس منصبًا تحمله يوم الأحد بل طابعًا يحكم حياتك كلها.

الحاديَ والعِشرون — لا طَبَقاتٍ أمام الإله

مِن أَجمَل ثِمار كَهَنوت المُؤمِنين أنّه يُلغي كلّ تَقسيمٍ طَبَقيّ بَين المُؤمِنين أمام الإله. ففي كَثيرٍ مِن الأنظِمة الدِّينيّة، هُناك طَبَقةٌ «مُقَدَّسة» مِن رِجال الدِّين، وطَبَقةٌ «عاديّة» مِن سائِر النّاس، وكأنّ الأُولى أَقرَبُ إلى الإله مِن الثّانية. لكنّ الكتاب يُعلِن أنّ كلّ المُؤمِنين كَهَنة، مُتَساوون في القُرب مِن الإله، وإن اختَلَفَت أَدوارُهم وخِدماتُهم.

هذا لا يَعني أنّه لا يوجَد قادةٌ في الكَنيسة — فالكتاب يُعَيِّن رُعاةً ومُعَلِّمين. لكنّ هؤلاء القادة لَيسوا طَبَقةً كَهَنوتيّةً أَقرَبَ إلى الإله، ولا وُسَطاءَ بَين المُؤمِنين والإله، بل خُدّامٌ يُجَهِّزون المُؤمِنين ويَرعَونَهم. الفَرق بَين الرّاعي والمُؤمِن العاديّ فَرقٌ في الوَظيفة والخِدمة، لا في القُرب مِن الإله أو القَداسة. فكِلاهُما كاهِن، وكِلاهُما لَه دُخولٌ مُباشِر، وكِلاهُما مَدعوٌّ إلى القَداسة.

وهذا يُعطي كلّ مُؤمِنٍ كَرامةً عَظيمة. فإن كُنتَ مُؤمِنًا بَسيطًا، لا مَنصِبَ لكَ ولا لَقَب، فاعلَم أنّك كاهِنُ الإله العَليّ، لكَ الامتِياز ذاتُه الَّذي لأيّ قائِدٍ في الكَنيسة: دُخولٌ مُباشِر إلى الإله، وصَلاةٌ تُسمَع، وخِدمةٌ ثَمينة. لَستَ مُواطِنًا مِن الدَّرَجة الثّانية في مَلكوت الإله، بل كاهِنٌ مَلِكيّ، وابنٌ مَحبوب. فلا تَستَهِنْ بِمَكانتك، ولا تَظُنّ أنّ قُربك مِن الإله أَقَلُّ مِن قُرب رِجال الدِّين. فأمام الإله، كلُّ المُؤمِنين كَهَنةٌ مُتَساوون في القُرب، مُختَلِفون في الخِدمة، مُتَّحِدون في الانتِماء إلى المسيح، الكاهِن الأَعظَم، الَّذي بِه صِرنا جَميعًا كَهَنةً لِله.

الثانيَ والعِشرون — دَعوةٌ أخيرة إلى الحُرّيّة في المسيح

إن كُنتَ قَد عِشتَ تَحت نِظامٍ دينيّ جَعَلَكَ تَظُنّ أنّك بَعيدٌ عن الإله، مُحتاجٌ إلى وُسَطاءَ بَشَريّين لِتَقتَرِب، فهذِه دَعوةٌ لكَ إلى الحُرّيّة الَّتي صَنَعها المسيح. لَستَ مُضطَرًّا أن تَقتَرِب إلى الإله عَبر سِلسِلةٍ مِن الوُسَطاء، لأنّ المسيح فَتَح لكَ الطَّريق مُباشَرةً بِدَمِه. تَعالَ إلى الإله بِنَفسِك، بِثِقةِ الابن، واختَبِرْ حُرّيّة كَهَنوتك.

هذِه الحُرّيّة لا تَعني الفَوضى أو رَفض كلّ قِيادة، بل تَعني أنّك تَقِف أمام الإله مُباشَرةً، مَسؤولًا أمامه، مُتَمَتِّعًا بِقُربه، دون حاجةٍ إلى وَساطةٍ بَشَريّة تَحِلّ مَحَلّ المسيح. وهي حُرّيّةٌ تُحَرِّرك مِن الخَوف، إذ تَعرِف أنّك مَقبولٌ في المسيح؛ ومِن العُبوديّة لِأنظِمةٍ بَشَريّة، إذ صار المسيح وَسيطك الوَحيد؛ ومِن البُعد، إذ صار لكَ دُخولٌ دائِم إلى عَرش النِّعمة.

فاقبَلْ هذِه الحُرّيّة، واحيا في نورِها. صَلِّ مُباشَرةً، واقرَأ الكَلِمة بِنَفسِك، واعبُدْ مِن قَلبِك، واخدِمْ بِمَوهِبَتك، واشهَدْ لِنَورِه. وإن لَم تَكُنْ قَد آمَنتَ بَعدُ بِالرَّبّ يسوع المسيح، فاعلَم أنّ الخُطوة الأولى لِتَصير كاهِنًا لِله هي الإيمان بِالمسيح. تَعالَ إليه، فيَغفِر خَطاياك، ويُدخِلك في كَهَنوته المَلِكيّ، ويَفتَح لكَ الطَّريق إلى حَضرة الإله. هذِه هي الحُرّيّة الحَقيقيّة الَّتي صَنَعها المسيح — أن تَقِف أمام الإله كَكاهِنٍ مَقبول، مَحبوب، حُرّ، إلى الأبد.

الثالثَ والعِشرون — المسيح كاهِنُنا وذَبيحَتُنا مَعًا

مِن أَعجَب ما يُميِّز كَهَنوت المسيح أنّه كان الكاهِن والذَّبيحة في آنٍ واحد. ففي العَهد القَديم، كان الكاهِن شَخصًا، والذَّبيحة شَيئًا آخَر — حَيَوانًا يُقَدِّمه الكاهِن. أمّا المسيح، فقَدَّم نَفسَه ذَبيحةً. هو الكاهِن الَّذي يُقَدِّم، وهو الذَّبيحة الَّتي تُقَدَّم. يُعلِن الكتاب:

«الَّذِي لَيْسَ لَهُ اضْطِرَارٌ كُلَّ يَوْمٍ مِثْلُ رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ أَنْ يُقَدِّمَ ذَبَائِحَ أَوَّلًا عَنْ خَطَايَا نَفْسِهِ ثُمَّ عَنْ خَطَايَا الشَّعْبِ، لأَنَّهُ فَعَلَ هذَا مَرَّةً وَاحِدَةً، إِذْ قَدَّمَ نَفْسَهُ» — عبرانيّين ٧: ٢٧

«قَدَّمَ نَفْسَهُ» — لم يُقَدِّم حَيَوانًا، بل نَفسَه. وهذا يَكشِف عُمق مَحَبَّته: الكاهِن الَّذي صار ذَبيحة، والدّيّان الَّذي صار المَدين، والإله الَّذي صار الفِداء. ولأنّ ذَبيحته كانت نَفسَه — وهو بِلا خَطيّة، وهو الإله المُتَجَسِّد — كانت ذَبيحةً كامِلةً لا تَحتاج إلى تَكرار:

«بَلْ بِدَمِ نَفْسِهِ، دَخَلَ مَرَّةً وَاحِدَةً إِلَى الأَقْدَاسِ، فَوَجَدَ فِدَاءً أَبَدِيًّا» — عبرانيّين ٩: ١٢

«فِدَاءً أَبَدِيًّا» — فِداءٌ يَكفي إلى الأبد، لا يَحتاج إلى ذَبائِحَ مُتَكَرِّرة. وهذا يَهدِم تَمامًا فِكرة أنّ هُناك «ذَبيحةً» تُكَرَّر في الكَنيسة. فذَبيحة المسيح تَمَّت مَرّةً واحِدةً وإلى الأبد، وكانت كامِلة، فلا حاجةَ إلى تَكرارِها أو إعادَتِها. ومَن يَزعُم أنّ هُناك ذَبيحةً تُقَدَّم في الكَنيسة باستِمرار، يُناقِض كَمالَ ذَبيحة المسيح الواحِدة. فالكاهِن الَّذي قَدَّم نَفسَه ذَبيحةً واحِدةً كامِلةً جَلَس عن يَمين الإله، لأنّ عَمَله اكتَمَل. والكاهِن الَّذي يَجلِس لا يَحتاج أن يَقوم لِيُقَدِّم ذَبيحةً أُخرى، لأنّ الذَّبيحة الواحِدة كَفَت إلى الأبد. فثِقْ بِهذِه الذَّبيحة الواحِدة الكامِلة، ولا تَطلُب ذَبيحةً أُخرى، فإنّ المسيح — كاهِنك وذَبيحَتك — أتَمّ الفِداء كامِلًا، مَرّةً واحِدةً، إلى الأبد.

الرابِعَ والعِشرون — كَهَنوتك يَنبُع مِن اتِّحادك بِالمسيح

قَد تَسأل: كَيف صِرتُ أنا كاهِنًا؟ الجَواب أنّ كَهَنوتك يَنبُع مِن اتِّحادك بِالمسيح، الكاهِن الأَعظَم. فأنتَ لَستَ كاهِنًا بِذاتك أو بِاستِحقاقك، بل لأنّك في المسيح، الَّذي هو الكاهِن الأَعظَم. وكما أنّ الغُصن المُتَّحِد بِالكَرمة يَشتَرِك في حَياتِها، أنتَ المُتَّحِد بِالمسيح تَشتَرِك في كَهَنوته.

وهذا يَعني أنّ كَهَنوتك آمِنٌ ما دامَ المسيح كاهِنًا — وهو كاهِنٌ إلى الأبد. فلَيس كَهَنوتك مَرهونًا بِأَدائِك أو كَمالك، بل بِاتِّحادك بِالكاهِن الأَعظَم الَّذي لا يَزول كَهَنوته. ولأنّ كَهَنوته «لا يَزول» (عبرانيّين ٧: ٢٤)، فكَهَنوتك فيه ثابِتٌ أيضًا. هذا يُعطيك ثِقةً عَظيمة: قُربك مِن الإله لا يَعتَمِد على أَدائِك المُتَقَلِّب، بل على مَكانة المسيح الثّابِتة، الَّذي أنتَ فيه.

ولِذلك فإنّ أَعظَم ما تَفعَله لِتُمارِس كَهَنوتك هو أن تَثبُت في المسيح. كُلَّما اقتَرَبتَ منه، اختَبَرتَ امتِيازات كَهَنوتك أكثَر: دُخولًا أَجرَأَ إلى عَرش النِّعمة، وصَلاةً أَعمَق، وعِبادةً أَصدَق، وخِدمةً أَثمَر. فكَهَنوتك لَيس مَنصِبًا تَحمِله، بل عَلاقةً تَحياها مع الكاهِن الأَعظَم. اثبُتْ فيه، وتَمَتَّعْ بِامتِيازات كَهَنوتك، واحيا حَياتك كلَّها — صَلاةً، وعِبادةً، وخِدمةً، وشَهادةً — كَكاهِنٍ لِله، مُتَّحِدٍ بِالمسيح، الكاهِن الأَعظَم، الَّذي بِه ومَعَه ولأجلِه صِرتَ كاهِنًا لِله إلى الأبد. هذا هو مَجد دَعوَتك: لَستَ مُجَرَّد مُؤمِنٍ بَعيد، بل كاهِنٌ مَلِكيّ، مُتَّحِدٌ بِالكاهِن الأَعظَم، لكَ دُخولٌ دائِم إلى الإله، وحَياةٌ كلُّها خِدمةٌ كَهَنوتيّةٌ لِمَجدِه.

وهذا الاتحاد بـالمسيح الذي ينبع منه كهنوتك هو أيضًا الضمان الذي يحفظه. فلا تقدر على انتزاع كهنوتك من يد المسيح — إذ هو ليس مكتسبًا بجهدك حتى يُسلب بضعفك، بل هو عطية الاتحاد به. وطالما أنت في المسيح، أنت كاهن. وطالما أنت كاهن، لك الدخول المباشر إلى حضرة الإله الآب في أي لحظة ومن أي مكان.

الخامِسَ والعِشرون — كَهَنوتك يُكرِمه الإله ويُمَجِّده

إنّ كَهَنوت المُؤمِنين لَيس مُجَرَّد عَقيدةٍ نَظَريّة، بل حَقيقةٌ تُكرِم الإله وتُمَجِّده. فحين تَأتي إلى الإله مُباشَرةً، بِثِقةِ الابن، مُعتَمِدًا على دَمِ المسيح وَحده، تُكرِم عَمَل المسيح الكامِل الَّذي فَتَح لكَ الطَّريق. وحين تُحاوِل أن تَقتَرِب إلى الإله عَبر وُسَطاءَ بَشَريّين، فأنتَ — وإن لَم تَقصِد — تُقَلِّل مِن كَمال عَمَل المسيح، كأنّ ما فَعَله لا يَكفي لِيَفتَح لكَ الطَّريق مُباشَرةً.

فكَهَنوتك إذًا يُمَجِّد المسيح، لأنّه يَشهَد أنّ ذَبيحته كانت كامِلة، وأنّ الحِجاب انشَقّ فِعلًا، وأنّ الطَّريق إلى الإله صار مَفتوحًا لِكلّ مَن آمَن. وهذا يُعطي حَياتك كلَّها كَرامةً وغايةً: فأنتَ لَستَ مُجَرَّد إنسانٍ عاديّ، بل كاهِنٌ مَلِكيّ، تَحمِل امتِياز الدُّخول إلى حَضرة الإله، ومَسؤوليّة أن تَعبُده وتَخدِمه وتَشهَد لَه.

فاحيا في وَعي هذِه الحَقيقة المَجيدة. لَستَ بَعيدًا عن الإله، بل قَريبٌ منه بِدَمِ المسيح. لَستَ مُحتاجًا إلى وَساطةٍ بَشَريّة، بل لكَ وَسيطٌ واحِدٌ كامِل — الرَّبّ يسوع المسيح. لَستَ مُواطِنًا مِن الدَّرَجة الثّانية، بل كاهِنٌ مَلِكيّ، وابنٌ مَحبوب. فمارِسْ كَهَنوتك بِفَرَح: اقتَرِبْ إلى الإله كلّ يَوم، واسكُبْ قَلبك أمامه، وقَدِّمْ لَه ذَبائِح التَّسبيح والخِدمة، واشهَدْ لِفَضائِله. وفي كلّ هذا، يَتَمَجَّد الإله الَّذي جَعَلَك كاهِنًا، ويُكرَم المسيح الَّذي فَتَح لكَ الطَّريق، ويُختَبَر الرُّوح القُدُس الَّذي يَسكُن فيك. فعِشْ كَكاهِنٍ لِله، اليَوم وكلّ يَوم، إلى أن تَنضَمّ إلى جَوقة الكَهَنة الفادِين حَول العَرش، تُمَجِّد الإله والحَمَل إلى أبد الآبِدين.

الخاتمة النِّهائيّة

أَشكر الإله أنّك وَصَلت إلى نِهاية هذه المقالة. أَرجو أن تَكون قَد سَمِعت قَلبي، وأَنّ الإله قَد لَمَس قَلبك أَنت أَيضًا. لم أَكتب لِأَنال شَيئًا منك. كَتبتُ لأَنّ المسيح ماتَ مِن أَجلك، ولأَنّ الإله يُريدك أن تَعرفه شَخصيًّا، ولأَنّ الكَهَنوت الجَديد في المسيح هو هَديّة لا يَنبَغي أَن تَفوتها.

تَذَكَّر دائمًا: ذَبيحة واحدة، كاهن أَعظم واحد، وَسيط واحد، طَريق واحد إلى الآب. كلّ هذا في الرب يسوع المسيح. اقبَل عَطاءه. اِدخل إلى حُضوره. عِش كاهنًا حُرًّا حتّى يَأتي ذلك اليَوم العَظيم الذي نَراه فيه وَجهًا لوَجه، ونَخدُمه كَهَنة في مَلكوته الأَبَديّ.

«وَالَّذِي أَحَبَّنَا، وَقَدْ غَسَّلَنَا مِنْ خَطَايَانَا بِدَمِهِ، وَجَعَلَنَا مُلُوكًا وَكَهَنَةً للهِ أَبِيهِ، لَهُ الْمَجْدُ وَالسُّلْطَانُ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ. آمِينَ» — رؤيا ١: ٥-٦

كَلِمة أَخيرة — مَن الذي يَقرَأ هذه الكلِمات

لَسْتُ أَكتُب لِأَكون مُحَلِّلًا تاريخيًّا، ولا لِأَهدِم تَقاليد. أَنا أَكتب لأنّ الإله أَحَبَّك، وبَذَل ابنه الوحيد لأَجلك، وفَتَح لك الباب لِتَكون كاهنه. كلّ ساعة من ساعات هذه الكتابة كانت بِصَلاة من أَجل قلب القارئ — أَن يَنير الروح القدس عَينَيك، أَن يُحَرِّرك من كلّ نير، أَن يَجلِبك إلى الحَضرة الإلهيّة المُباشرة التي رَبِحها لك المسيح بِدَمِه الغالي.

الذين قَرَأوا هذه المَقالة وتَأثَّروا، أَدعوهم إلى ثَلاث خَطوات بَسيطة. أَوَّلًا، خُذ كَلِمة الإله (الفانديك أَو ترجَمة كتابيّة أَمينة) واقرأ الرَّسالة إلى العِبرانيّين كاملة في جَلسة واحدة. ستَدهَش مما ستَكشِفه. ثانيًا، صَلِّ بِنَفسك مُباشرة إلى الإله باسم الرب يسوع المسيح — اطلب الحَقّ، اطلب الحُرّيّة، اطلب أن تَعرف المسيح الحقيقيّ. الإله أَمين، ولا يُخَيِّب من يَطلبه بِصِدق. ثالثًا، اِبحث عن إخوة مُؤمنين يَدرسون الكَلِمة بِجدّيّة ويَعيشون الكَهَنوت العامّ — قد يَكونون في كَنيسة صَغيرة، أَو في مَجموعة بَيتيّة، أَو حتّى عَبر الإنترنت.

لـالرب يسوع المسيح — الكاهن الواحد الأَعظم، الذَّبيحة الواحدة الكامِلة، الوَسيط الواحد بَين الإله والإنسان — لَه المَجد والإكرام والقُدرة إلى أَبَد الآبِدين. آمين.

فلتَمتَلِئ نُفوسنا بالحَمد لـالإله الذي بَذَل لنا هذا الامتياز الكَهَنوتي العَظيم بِنَعمة المسيح. ولتَكُن حَياتنا اليَوميّة عِبادة كَهَنوتيّة كامِلة، نُقَدِّم فيها لـالإله ذَبائح التَّسبيح ومَحَبَّة الإخوة وخِدمة العالم بِكَلِمة الإنجيل. آمين.

السادِسَ والعِشرون — خُلاصةٌ ودَعوة

رأَينا في هذِه الصَّفَحات أنّ الكَهَنوت البَشَريّ المُتَخَصِّص قَد انتَهى بِمَجيء المسيح، الكاهِن الأَعظَم، الَّذي قَدَّم نَفسَه ذَبيحةً واحِدةً كامِلةً إلى الأبد، فشَقّ الحِجاب وفَتَح الطَّريق إلى الإله لِكلّ مَن آمَن. وفي العَهد الجَديد، صار كلّ المُؤمِنين كَهَنةً، لَهم دُخولٌ مُباشِر إلى الإله، ووَسيطٌ واحِدٌ فَقَط بَينَهم وبَين الإلهالرَّبّ يسوع المسيح.

وهذا الحَقّ يُحَرِّرك مِن كلّ نِظامٍ يَجعَلك بَعيدًا عن الإله، مُحتاجًا إلى وُسَطاءَ بَشَريّين. فأنتَ، إن كُنتَ مُؤمِنًا، كاهِنٌ مَلِكيّ، لكَ امتِياز الدُّخول إلى حَضرة الإله مُباشَرةً، ومَسؤوليّة أن تَعبُده وتَخدِمه وتَشهَد لَه. فمارِسْ كَهَنوتك بِفَرَحٍ وأَمانة، مُقَدِّمًا ذَبائِح التَّسبيح والخِدمة والحَياة المُكَرَّسة.

وإن لَم تَكُنْ قَد آمَنتَ بَعدُ بِالرَّبّ يسوع المسيح، فهذِه دَعوةٌ لكَ. لَستَ مُحتاجًا إلى وَسيطٍ بَشَريّ لِتَصِل إلى الإله، بل إلى الوَسيط الواحِد، المسيح. تَعالَ إليه بِالإيمان، فيَغفِر خَطاياك، ويَفتَح لكَ الطَّريق إلى الإله، ويُدخِلك في كَهَنوته المَلِكيّ. لا تَنتَظِرْ كاهِنًا بَشَريًّا، ولا تَتَّكِلْ على طُقوسٍ أو وَساطات، بل تَعالَ مُباشَرةً إلى المسيح، فهو وَحده الطَّريق إلى الإله. وفي اللَّحظة الَّتي تَثِق فيها به، تَصير كاهِنًا لِله، لكَ دُخولٌ دائِم إلى حَضرته، وحَياةٌ أبَديّةٌ في شَرِكةٍ معه. فتَعالَ اليَوم، وادخُلْ في كَهَنوت المسيح المَلِكيّ، لِتَحيا قَريبًا مِن الإله، مُمَجِّدًا إيّاه بِحَياتك كلِّها، إلى أبد الآبِدين.

تَذَكَّرْ دائِمًا أنّ هذا الكَهَنوت لَيس إنجازًا بَشَريًّا، بل عَطيّةٌ مِن الإله، صَنَعها المسيح بِدَمِه. فلَم تَستَحِقَّه بِأَعمالك، ولا نِلتَه بِجُهدك، بل وُهِبَ لكَ مَجّانًا حين آمَنتَ بِالمسيح. فاحمِلْ هذا الامتِياز بِتَواضُعٍ وشُكر، عالِمًا أنّ القُربَ الَّذي تَتَمَتَّع بِه مِن الإله ثَمَنُه دَمُ ابنِه.

ولا تَدَعْ أحَدًا — مَهما كان مَنصِبه أو لَقَبه — يَقِفْ بَينك وبَين الإله، أو يُقنِعك أنّك مُحتاجٌ إلى وَساطةٍ بَشَريّة لِتَقتَرِب. فالحِجاب انشَقّ، والطَّريق مَفتوح، وأنتَ كاهِنٌ لكَ دُخولٌ مُباشِر. اقتَرِبْ إذًا بِثِقةٍ إلى عَرش النِّعمة، واحيا في حُرّيّة أَولاد الإله، مُمَجِّدًا الكاهِن الأَعظَم الَّذي جَعَلَك كاهِنًا معه إلى الأبد.

فما أَعظَم هذا الامتِياز الَّذي وَهَبه الإله لِكلّ مُؤمِن! أن يَقتَرِب الإنسان الخاطِئ إلى الإله القُدُّوس مُباشَرةً، بِلا خَوف، بِثِقةِ الابن، مُعتَمِدًا على دَمِ المسيح وَحده. هذا ما لَم يَكُنْ مُمكِنًا في العَهد القَديم، إذ كان الحِجاب يَفصِل الشَّعب عن حَضرة الإله؛ أمّا الآن، فبِدَمِ المسيح، صار الطَّريق مَفتوحًا، والحَضرة مَأهولة، والقُربُ مَكفولًا لِكلّ مَن آمَن.

فعِشْ في هذا الامتِياز، ولا تَهمِلْه. اقتَرِبْ كلّ يَوم إلى الإله بِالصَّلاة والعِبادة، مُمارِسًا كَهَنوتك المَلِكيّ، حتّى يَأتيَ اليَوم الَّذي تَقِف فيه أمامه وَجهًا لِوَجه، مع جُموع الكَهَنة الفادِين، تُمَجِّد الإله والحَمَل الَّذي ذُبِح وفَداك بِدَمِه، إلى أبد الآبِدين. آمين.

هذا هو مَجدُ كَهَنوتك ورَجاؤه: لا مُجَرَّد قُربٍ مِن الإله في هذِه الحَياة، بل شَرِكةٌ أبَديّةٌ معه في حَضرته، حَيث تَخدِمه وتَعبُده وتَتَمَتَّع بِه إلى الأبد، كاهِنًا مَلِكيًّا في مَلكوته الَّذي لا يَزول.

فلْنَحمَدِ الإله الَّذي لَم يَترُكنا بَعيدين، بل قَرَّبنا بِدَمِ المسيح، وجَعَلنا كَهَنةً مَلِكيّين، وفَتَح لنا عَرشَ نِعمته، لِنَدخُل بِثِقةٍ كلَّ حين، مُمَجِّدين اسمَه القُدُّوس إلى الأبد.

إليه وَحده المَجد والإكرام والسُّجود، الكاهِن الأَعظَم الَّذي أحَبَّنا وغَسَلَنا مِن خَطايانا بِدَمِه، وجَعَلَنا مُلوكًا وكَهَنةً لِله أبيه، إلى أبد الآبِدين. آمين.

فهذا هو خَبَر النِّعمة العَظيم: أنّ كلّ مَن آمَن بِالمسيح صار كاهِنًا قَريبًا مِن الإله، مَحبوبًا، حُرًّا، إلى الأبد.

«فَقَالاَ: آمِنْ بِالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ فَتَخْلُصَ أَنْتَ وَبَيْتُكَ» — أعمال ١٦: ٣١

«المجد للإله في ربنا يسوع المسيح، إلى الأبد وأبد الآبدين ودهر الداهرين. آمين.»

وهذه الخلاصة تعني في أبسط صورها: أنت لست غريبًا يطرق باب السماء ويأمل في القبول. أنت ابن مرحّب به في بيت أبيه، ولك دخول دائم إلى قلبه مباشرةً في أي لحظة. وهذا ما اشتراه الرب يسوع المسيح بدمه — لا لكاهن واحد، ولا لطبقة بعينها، بل لك أنت شخصيًّا، إن كنت قد آمنت بالحق به وحده.

دعوة لنوال الخلاص الإلهي — اقبل الرب يسوع المسيح كمخلصك الشخصي

عزيزي القارئ — إن لمست هذه الكلمات قلبك وأدركت أنك خاطئ بحاجة إلى مخلّص، فاعلم أن الإله يدعوك إليه في هذه اللحظة بالذات. لست بحاجة إلى كاهن، ولا إلى وسيط بشري، ولا إلى مكان مقدس، ولا إلى طقوس أو أعمال. الرب يسوع المسيح دفع الثمن كاملاً على الصليب، ووعدُ الإله قاطع وواضح:

«لأَنَّ «كُلَّ مَنْ يَدْعُو بِاسْمِ الرَّبِّ يَخْلُصُ».» — رومية ١٠: ١٣

ما يخلّصك ليس ألفاظ هذه الصلاة — بل الإيمان الذي في قلبك بأن الرب يسوع المسيح مات لأجلك وقام من الأموات. لكن إن أردت أن تعبّر عن إيمانك بكلمات صادقة، اقرأ هذه الصلاة بقلب خاشع وكأنك تخاطب الإله الحيّ:

صلاة الخلاص

«أيّها الإله العظيم القدّوس المُحِبّ، الإله الحقيقيّ الوحيد،

آتي إليك الآن بكل تواضع، معترفاً أنّي خاطئ. لقد كسرت وصاياك مرّاتٍ كثيرة في فكري وفي كلامي وفي أعمالي. وأعرف أنّ خطيّتي تستحقّ الموت الأبديّ والانفصال عنك إلى الأبد. لا أملك أيّ عملٍ صالحٍ أقدّمه يستطيع أن يفدي نفسي، ولا أيّ برٍّ من ذاتي أستر به عُريي أمام قداستك.

لكنّي أؤمن من كلّ قلبي بشهادة كلمتك أنّ ابنك الوحيد، الرب يسوع المسيح، مات على الصليب من أجل خطاياي — حاملاً عنّي العقوبة التي كنت أستحقّها. أؤمن أنّه دُفن، وأنّه قام من الأموات في اليوم الثالث، حيّاً منتصراً على الموت والقبر، وأنّه حيٌّ الآن إلى أبد الآبدين.

في هذه اللحظة المباركة، أنا أقبل الرب يسوع المسيح مخلّصاً شخصياً لي. أتّكل عليه وحده — لا على أعمالي، ولا على ديني، ولا على طقوسٍ ولا على إنسانٍ ولا على ملاكٍ ولا على قدّيس. على الرب يسوع المسيح وحده، وعلى دمه الكريم المسفوك على الصليب، أبني رجاء خلاصي الأبدي.

أشكرك يا أبي لأنّك قبلتني الآن في الرب يسوع المسيح، وغفرت لي كلّ خطاياي، وأعطيتني الحياة الأبدية هبةً مجانيّةً بنعمتك. أشكرك لأنّك أرسلت روحك القدوس ليسكن في قلبي، شاهداً لي بأنّي صرت ابنك. أعطني نعمةً أن أعرفك أكثر يوماً بعد يومٍ، وأن أحيا بقيّة حياتي لمجدك وحدك.

أصلّي هذا كلّه باسم ربّي ومخلّصي يسوع المسيح، بقوّة الروح القدس. آمين.»

بعد أن صلّيت — ما العمل الآن؟

إن صلّيت هذه الصلاة من قلبٍ مؤمنٍ صادق، فقد حدثت في هذه اللحظة أعظم معجزةٍ في تاريخك كلّه: انتقلت من الموت إلى الحياة، ومن الظلمة إلى النور، ومن مملكة الخطية إلى ملكوت ابن الإله الحبيب. صرتُ ابنًا للإله الحيّ، ووعد الإله نفسه يضمن لك ذلك بكلمته الموثوقة:

«وَأَمَّا كُلُّ الَّذِينَ قَبِلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ سُلْطَانًا أَنْ يَصِيرُوا أَوْلاَدَ اللهِ، أَيِ الْمُؤْمِنُونَ بِاسْمِهِ» — يوحنا ١: ١٢

لاحظ معي قوّة هذا الوعد: «أعطاهم سلطاناً» — أي حقّاً ثابتاً مضموناً، لا أمنيةً ولا احتمالاً. ولاحظ كلمة «المؤمنون باسمه» — ليس «الذين عملوا أعمالاً عظيمة»، ولا «الذين أتمّوا الطقوس»، بل ببساطة «المؤمنون». أنت الآن واحدٌ منهم — بكلّ تأكيدٍ ويقين.

وإليك خمس خطوات بسيطة تثبّتك في حياتك الجديدة مع الرب يسوع المسيح:

أولاً — اقرأ الكتاب المقدس يومياً. ابدأ بإنجيل يوحنا، ثمّ تابع بقيّة العهد الجديد، ثمّ المزامير والأمثال. الإله يتكلّم معك من خلال كلمته كما يتكلّم الأب مع ابنه. لا تقرأ بسرعة — اقرأ بتأمّلٍ وصلاة. «اَلصَّبِيُّ الَّذِي مُنْذُ الطُّفُولِيَّةِ تَعْرِفُ الْكُتُبَ الْمُقَدَّسَةَ، الْقَادِرَةَ أَنْ تُحَكِّمَكَ لِلْخَلاَصِ» (تيموثاوس الثانية ٣: ١٥).

ثانياً — صلِّ يومياً. كلّم الإله كأبٍ محبّ — ليس بألفاظٍ محفوظة، بل بكلامٍ من قلبك. شاركه أفراحك وأحزانك وأسئلتك ومخاوفك. الصلاة هي تنفّس الحياة المسيحية. «صَلُّوا بِلاَ انْقِطَاعٍ» (تسالونيكي الأولى ٥: ١٧).

ثالثاً — انضمّ إلى كنيسةٍ تؤمن بالكتاب المقدّس. لا تسير في الطريق وحدك. الإيمان ينمو في شركة المؤمنين، حيث الكلمة تُكرز بأمانة، والمعمودية والعشاء الربّاني يُمارسان بحسب الكتاب. «غَيْرَ تَارِكِينَ اجْتِمَاعَنَا» (العبرانيين ١٠: ٢٥).

رابعاً — اعتمد بحسب الكتاب المقدّس. المعمودية ليست شرطاً للخلاص، لكنّها الخطوة الأولى للطاعة بعد الإيمان. هي إعلانٌ علنيّ بأنّك متّ مع الرب يسوع المسيح ودُفنت معه وقمت معه إلى حياةٍ جديدة. «مَنْ آمَنَ وَاعْتَمَدَ خَلَصَ» (مرقس ١٦: ١٦) — الإيمان أوّلاً، ثمّ المعمودية كثمرة طبيعيّة للإيمان.

خامساً — اشهد للآخرين عن الرب يسوع المسيح. ما اختبرته من خلاصٍ ومحبّة لا يمكن أن يبقى مكتوماً. ابدأ بأقربائك وأصدقائك. اروِ لهم ببساطة وصدق كيف غيّر الرب يسوع المسيح حياتك. «اَلَّذِي رَأَيْنَاهُ وَسَمِعْنَاهُ نُخْبِرُكُمْ بِهِ» (يوحنا الأولى ١: ٣).

وأخيراً، تذكّر دائماً أنّ خلاصك ليس مبنياً على شعورك ولا على عمل تعمله — بل على وعد الإله الذي لا يتغيّر:

«كَتَبْتُ هذَا إِلَيْكُمْ أَنْتُمُ الْمُؤْمِنِينَ بِاسْمِ ابْنِ اللهِ لِكَيْ تَعْلَمُوا أَنَّ لَكُمْ حَيَاةً أَبَدِيَّةً»
— يوحنا الأولى ٥: ١٣

لاحظ: «لِكَيْ تَعْلَمُوا» — ليس لكي ترجو، ولا لكي تتمنّى، ولا لكي تنتظر بقلقٍ يوم الدينونة. بل لكي تعلم بيقينٍ كاملٍ ثابتٍ لا يتزعزع أنّ لك حياةً أبديّة. هذا هو الفرق بين كلّ دياناتٍ العالم وبين إنجيل الرب يسوع المسيح: الأديان تقول «اعمل وربّما تخلص» — وكلمة الإله وحدها تقول: «آمن واعلم أنّك مخلّص».

✉ شاركنا شهادة خلاصك

«يَكُونُ فَرَحٌ قُدَّامَ مَلاَئِكَةِ اللهِ بِخَاطِئٍ وَاحِدٍ يَتُوبُ» — لوقا ١٥: ١٠

← العودة إلى قائمة المقالات