رجلٌ واقفٌ تحت سماءٍ يأبى أن يقرأها
تخيّل رجلاً يقف وحده في حقلٍ مفتوح، في ليلةٍ صافيةٍ لا قمر فيها، بعيداً عن أضواء المدن. رفع رأسه إلى الأعلى، فامتلأت عيناه بالنجوم. وفوقه يتّقد مشهدٌ من السَّعة بحيث يعجز العقل عن إحاطته: آلاف النقاط المضيئة تراها عينه المجرّدة، ووراءها — في ما لا تبلغه العين — أعماقٌ من المجد لم يصل إلى قاعها بعدُ أيّ منظار. وقد قيل لهذا الرجل إنّ هذا كلّه — كلَّ شمسٍ متّقدة، وكلَّ مجرّةٍ دائرة، بل عينَيه الناظرتَين والعقلَ المتعجِّب خلفهما — قد جاء من لا شيء، بلا صانع، بلا غاية، ولا يعني شيئاً. قال له ذلك رجالٌ أذكياء يحملون الألقاب، فصدّقهم؛ لأنّ تصديق غير ذلك يعني أنّ فوقه أحداً سيُحاسبه. فها هو يقف تحت أعظم عظةٍ خُطِبت في الوجود، ويزعم أنّه لا يسمع صوتاً.
وقد وصفه الكتاب وصفاً دقيقاً: «اَلسَّمَاوَاتُ تُحَدِّثُ بِمَجْدِ اللهِ، وَالْفَلَكُ يُخْبِرُ بِعَمَلِ يَدَيْهِ. يَوْمٌ إِلَى يَوْمٍ يُذِيعُ كَلاَمًا، وَلَيْلٌ إِلَى لَيْلٍ يُبْدِي عِلْمًا» (مزمور ١٩: ١-٢). فالسماوات تتكلّم، والرجل قرّر أن يصمّ أذنيه. هذا هو لغز الإلحاد الكبير: ليس أنّ الدليل غائبٌ مخفيّ، بل أنّه حاضرٌ في كلّ مكان، والمُلحِد قد درّب نفسه على ألّا يراه. يدعو نفسه رجل عقلٍ، تابعاً للبرهان حيث قاده؛ ومع ذلك، في أخطر سؤالٍ يقدر العقل أن يطرحه، انتهى إلى الجواب الوحيد الذي لا يقوم عليه دليل.
وفي هذا المشهد مفارقةٌ تستحقّ الوقوف. فمن بين كلّ ما في الأرض من خلائق، ليس ثمّة سوى الإنسان مَن يقدر أن يرفع رأسه إلى النجوم فيسأل: ما هذا؟ ومن أين؟ ولماذا؟ لا الأسد يسأل، ولا الطير، ولا البحر. الإنسان وحده أُعطي عقلاً يقرأ السماء، وقلباً يتعجّب، ولساناً يصوغ السؤال. فأيّ عبثٍ أن يكون هذا العقل العجيب ثمرةَ مادّةٍ لا عقل لها؟ وأيّ مأساةٍ أن يُعطى الإنسان وحده القدرة على قراءة الرسالة، ثمّ يُصرّ وحده على أنّ لا رسالة هناك ولا مُرسِل؟ إنّ الحيوان يعيش ولا يسأل، والمُلحِد يسأل ثمّ يأبى الجواب الذي يصرخ في وجهه من كلّ نجمٍ ومن كلّ ورقةٍ ومن كلّ نبضةٍ في صدره.
ولسنا هنا لنسخر منه، فالكتاب ينهانا عن السخرية، والمحبّة تنهانا عنها أشدّ. بل نحن هنا لنضع البرهان أمامه واضحاً صريحاً قويّاً، حتى ينكشف السبب الحقيقيّ لكفره؛ فإنّه لم يكن قطّ غياب الدليل. قال الرب يسوع المسيح: «وَهذِهِ هِيَ الدَّيْنُونَةُ: إِنَّ النُّورَ قَدْ جَاءَ إِلَى الْعَالَمِ، وَأَحَبَّ النَّاسُ الظُّلْمَةَ أَكْثَرَ مِنَ النُّورِ، لأَنَّ أَعْمَالَهُمْ كَانَتْ شِرِّيرَةً» (يوحنا ٣: ١٩). فالمُلحِد لا يَعوزه النور؛ هو الذي اختار الظلمة، لأنّه في الظلمة يظنّ نفسه غير مرئيٍّ، وغير محاسَب. وقد كُتبت هذه الصفحات لتُشعل النور أمام عينَيه، وتتوسّل إليه أن يخرج من الظلال قبل أن يُقبِل ليلٌ لا يقدر فيه أحدٌ أن يعمل.
إيمانان لا إيمانٌ واحد: اعترافٌ يأبى المُلحِد أن يُدلي به
دعنا نبدأ بإزالة كذبةٍ أحدثت من الضرر ما لم تُحدِثه كذبةٌ سواها في العقل الحديث: وهي القول إنّ المؤمن عنده إيمان، والمُلحِد عنده حقائق. تُردَّد هذه المقولة في كلّ مكان وكأنّها أمرٌ مفروغٌ منه. لكنّها كاذبة، وما إن تُفحَص حتى تنهار. فكلّ إنسانٍ ينظر إلى الكون ويسأل: من أين جاء؟ مضطرٌّ في النهاية إلى أحد جوابَين، لا ثالثَ لهما: إمّا أنّ الكون صنعه مَن هو أعظم منه، وإمّا أنّ الكون صنع نفسه من لا شيء. والجواب الثاني — أنّ الكون خلق نفسه — ليس علماً البتّة. إنّه عقيدة. بل هو سجود المُلحِد وعبادته.
تأمّل ما يدّعيه فعلاً. يقول إنّه كان ثمّة وقتٌ لا كونَ فيه: لا مادّة، ولا طاقة، ولا فضاء، ولا زمان، ولا شيءَ على الإطلاق. ثمّ، بلا علّةٍ ولا صانعٍ ولا سبب، نشأ كلُّ موجودٍ من تلقاء ذاته. فكّر في هذا الادّعاء مليّاً، فإنّ القائلين به يمرّون عليه مرور الكرام، حتى لا يكاد أحدٌ يقف ليزنه. والشيء الذي ليس موجوداً بعدُ لا يقدر أن يُوجِد نفسه؛ إذ لكي يُحدِث شيئاً، عليه أوّلاً أن يكون موجوداً ليُحدِثه. فالقول إنّ الكون خلق نفسه هو القول إنّه كان موجوداً قبل أن يُوجَد — وهذا ليس عُمقاً فلسفيّاً، بل تناقضٌ صريح؛ دائرةٌ مربّعة في ثوب مختبر.
وقد لخّص عالِم الرياضيّات الأوكسفوردي جون لينُكس هذا الأمر تلخيصاً ساحقاً، وهو الذي ناظَر كبار المُلحِدين في عصرنا. فحين زعم الفيزيائيّ المُلحِد أنّه «لأنّ ثمّة قانوناً كالجاذبيّة، يستطيع الكون أن يخلق نفسه من لا شيء، بل سيفعل»، أجابه لينُكس بأنّ هذا ليس تفسيراً البتّة، وقال: «الهراء يبقى هراءً، ولو نطق به علماء ذائعو الصيت.» فإن قلتُ: «س» يخلق «ص»، فهمتَ مرادي: إذا وُجد «س» نتج «ص». أمّا إن قلتُ: «س» يخلق «س» — أي إنّ الكون يخلق الكون — فلم أقل شيئاً، إلّا أنّي مستعدٌّ أن أتخلّى عن العقل ذاته كي لا أتخلّى عن إلحادي.
وهنا الحقيقة التي يأبى المُلحِد أن يعترف بها: إنّه هو أيضاً يحيا بإيمان. فقد وضع ثقته في كونٍ يَزعم أنّه صنع نفسه، ويُمسك نفسه، ثمّ أنتجه هو. كونٌ — في نظامه — فعل كلَّ ما يُقال إنّ الإله يفعله. فالمُلحِد لم يُلغِ الإله، بل أعاد تسميته فحسب. سمّى إلهه «الكون»، أو «الطبيعة»، أو «قوانين الفيزياء»، وسجد له بوصفه صانع كلّ شيء، بما في ذلك نفسه. فليس الفرق بين المُلحِد والمسيحيّ أنّ أحدهما يؤمن والآخر لا يؤمن؛ كلاهما يؤمن. الفرق في الجواب عن سؤالٍ واحد: ما الذي صنع كلّ شيء؟ المسيحيّ يقول: إلهٌ لا متناهٍ، أزليّ، حكيمٌ كلّيّ الحكمة، لم يَصنعه أحدٌ ولا يحتاج إلى صانع، نَطق فكان الكون. والمُلحِد يقول: كونٌ متناهٍ غير عاقل، صنع نفسه من العدم، ثمّ رتّب نفسه حتى صار عقولاً تكتب الكتب لتنكر صانعها.
فأيّ الإيمانَين هو الأعقل؟ إيمانٌ يقوم على العلّة والتصميم، أم إيمانٌ يطلب منك أن تصدّق أشدّ ما يمكن أن يخطر للعقل من اللامعقول: أنّ لا شيء، وهو يفعل لا شيء، أنتج كلّ شيء؟ وما حكم الكتاب في هذا؟ ليس قاسياً، لكنّه دقيق: «قَالَ الْجَاهِلُ فِي قَلْبِهِ: لَيْسَ إِلهٌ» (مزمور ١٤: ١).
ولْنُنصِف المُلحِد: إنّ له قصّةَ خلقٍ كاملة، تبدأ من العدم، وتنتهي بالإنسان. غير أنّه يأبى أن يسمّيها قصّة خلق، ويأبى أن يسمّي بطلها إلهاً. يقول: في البدء لم يكن شيء؛ ثمّ صار اللاشيء كلَّ شيء؛ ثمّ رتّب الكون نفسه؛ ثمّ نشأت الحياة من المادّة الميتة؛ ثمّ صار الطين عيناً تبصر وأُذناً تسمع وعقلاً يفكّر ويحبّ ويكتب الشِّعر. هذه قصّةٌ تفوق في عجائبها كلّ ما في الكتب المقدّسة من معجزات؛ لكنّ المُلحِد يطلب منك أن تقبلها لا لأنّ إلهاً قديراً صنعها، بل لأنّ الصدفة العمياء — وهي أعجز من أن تصنع ساعةً — صنعت الصانع وما صنع. فمَن منهما أحقّ بوصف «الإيمان الأعمى»: مَن يرى التصميم فيستنتج مصمّماً، أم مَن يرى الإبداع كلّه فيستنتج أنّه بلا مبدِع؟
«ومَن خلق الله؟»: السؤال الذي يَرتدّ على صاحبه فيهلِكه
عند هذه النقطة يُخرِج المُلحِد ما يحسبه ورقته الرابحة. يقول: «إن كان كلّ شيءٍ يحتاج إلى صانع، فمَن خلق الله؟ أنت لم تحلّ المشكلة، بل دفعتها خطوةً واحدةً إلى الوراء.» وقد بنى رِتشارد دوكِنز كثيراً من حُجّته على هذا السؤال، وكأنّه يُسدِل به الستار على النقاش. لكنّ هذا السؤال لا يجرح المسيحيّ، بل يهلِك المُلحِد، وقد بيّن لينُكس السبب بياناً واضحاً.
إنّ المسيحيّ لم يقل قطّ إنّ كلّ شيءٍ يحتاج إلى صانع. بل قال إنّ كلّ شيءٍ «بدأ يوجد» يحتاج إلى صانع — أي إنّ كلّ ما جاء إلى الوجود لا بدّ له من علّة. وهذا هو قانون العلّة والمعلول الذي يقوم عليه كلّ علم. أمّا الإله، فبحسب تعريفه، لم يبدأ يوجد. هو الأزليّ، العلّة الأولى التي لا علّة لها، الكائن الذي يقول عن نفسه — كما قال لموسى من العلّيقة المشتعلة: «أَهْيَهِ الَّذِي أَهْيَهِ» (خروج ٣: ١٤). فأن تسأل: «مَن صنع الإلهَ الذي لم يُصنَع؟» يشبه أن تسأل: «ما اسم زوجة الأعزب؟» — ليس سؤالاً ذكيّاً، بل سؤالاً مضطرباً يحمل في صياغته فساده.
والأعجب أنّ النصل يرتدّ على ساحبه. فحين يسأل دوكِنز: «ومَن خلق الله؟»، يكشف أنّه يتصوّر إلهاً مخلوقاً. لكنّ المُلحِد له هو أيضاً صانع: فهو يؤمن أنّ الكون صنعه. فيأتي ردّ لينُكس بكامل قوّته: إن كنتَ تُصرّ على أنّ كلّ شيءٍ لا بدّ له من خالق، فمن حقّنا تماماً أن نسألك: ومَن خلق خالقَك؟ مَن صنع الكونَ الذي تزعم أنّه صنعك؟ هنا يُفحَم المُلحِد، لأنّ كونه لا صانع وراءه؛ بل هو ببساطة — وبأعجوبة — صنع نفسه. فموقف المسيحيّ معقول: إلهٌ أزليٌّ لا علّة له هو علّة كلّ ما بدأ. وموقف المُلحِد متناقض: كونٌ غير أزليّ، له بداية، ومع ذلك سبّب نفسه. فالرجل الذي سأل: «ومَن خلق الله؟» ليفلت من النتيجة، لم يصنع شيئاً سوى أن أثبت أنّ خالقه هو — الكون الذي خلق نفسه — هو المُحال بعينه. وقد عرف الكتاب الجواب قبل أن تقوم تلك المناظرات بدهور: «فِي الْبَدْءِ خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ» (تكوين ١: ١). لا الكون يخلق الكون، بل الإله — الأزليّ، الكافي بذاته، السابق لكلّ شيء — هو الذي خلق السماوات والأرض.
وقد يقول المُلحِد: «ولكنّ افتراض إلهٍ أزليٍّ لا بداية له أمرٌ يصعب على عقلي أن يتصوّره.» وهذا حقّ؛ غير أنّ البديل أصعب لا أسهل. فإمّا أن يكون ثمّة شيءٌ أزليٌّ لم يبدأ — وإمّا أن يكون كلُّ شيءٍ قد نشأ من العدم المحض بلا علّة. ولا مفرّ من أحد الأمرين. فإن استثقلتَ أزليّة الإله، فكيف تستسيغ أزليّة كونٍ علِمنا يقيناً أنّ له بداية؟ وكيف يكون نشوء الكون كلّه من لا شيءٍ أهونَ على عقلك من وجود إلهٍ سرمديّ؟ إنّ العقل، إذ يتتبّع سلسلة العلل إلى الوراء، لا بدّ أن ينتهي إلى علّةٍ أولى لا علّة لها، وإلّا تسلسلت العلل إلى ما لا نهاية فلم يوجد شيءٌ أصلاً. وتلك العلّة الأولى التي لا علّة لها هي ما يدعوه الكتاب الإله. فالإيمان به ليس قفزةً ضدّ العقل، بل هو ما يقتضيه العقل حين يَصدُق مع نفسه إلى المنتهى.
كذبة «اللاشيء»: الفراغ الكَموميّ الذي هو في الحقيقة «شيء»
لمّا أعجزتهم استحالةُ استخراج كونٍ من عدمٍ حقيقيّ، لجأ أذكى المُلحِدين إلى حيلةٍ لفظيّةٍ من اللطف بحيث انخدع بها الملايين. أعلنوا أنّ الكون جاء من «لا شيء»؛ فإذا ضغطتَ عليهم: ماذا تعنون بـ«لا شيء»؟ تبيّن أنّهم لا يعنون العدم البتّة، بل يعنون «فراغاً كَموميّاً»: بحراً مائجاً من الطاقة، تحكمه قوانين الفيزياء الكَموميّة، ويتذبذب وَفق قواعد رياضيّةٍ ثابتة. وهكذا تحوّل الزعم الكبير — «الكون جاء من لا شيء» — في صمتٍ إلى زعمٍ آخر: «الكون جاء من شيءٍ عالي البنية، غنيٍّ بالطاقة، محكومٍ بقانون، اختاروا أن يسمّوه لا شيء.»
وقد فضح لينُكس هذه الحيلة بصراحة الرجل البسيط، فقال: «أمّا أنا فاللاشيء عندي يعني انتفاء الشيء. فهل يعني العلماء المعنى نفسه؟ كلّا، لا يعنونه؛ بل هم مضطرّون أن يعيدوا تعريف اللاشيء فيجعلوه فراغاً كَموميّاً أو ما شابه ذلك.» وهذه هي الكذبة الكامنة في قلب الفخر، ويجب أن تُسمّى باسمها. فالفراغ الكَموميّ ليس عدماً، بل هو شيء — وأيّ شيءٍ بديع! إنّه يأتي مزوّداً سلفاً بالطاقة، وبالبنية، وبقوانين تجري بدقّةٍ رياضيّة.
والسؤال الأمين الذي يهرب منه المُلحِد هو: ومن أين جاء الفراغ الكَموميّ؟ ومن أين جاءت طاقته؟ ومن أين جاءت القوانين التي تحكمه — تلك القوانين الدقيقة حتى إنّنا نكتبها بلغة الرياضيّات، وهي لغة العقل؟ إنّك لا تحصل على قوانين بلا واضعِ قوانين، ولا تحصل على نظامٍ مضبوطٍ بلا منظِّم. فالإشارة إلى الفراغ الكَموميّ والقول: «من هنا جاء كلّ شيء، ولا حاجة إلى إله» هي إشارةٌ إلى شيءٍ مذهل التعقيد — طاقةٍ، وبنيةٍ، وقانونٍ رياضيّ — ثمّ التظاهرُ بأنّك فسّرت وجوده لمجرّد أنّك أعطيته اسماً متواضعاً. غير أنّ تسمية اللغز ليست حلّاً له. فالشيء المبنيّ لا يزال يصرخ طالباً مصدره. والمصدر هو الإله، الذي يقول عنه الكتاب إنّه «حَامِلٌ كُلَّ الأَشْيَاءِ بِكَلِمَةِ قُدْرَتِهِ» (عبرانيين ١: ٣)، فهو ممسكٌ بأعمق أُسس الفيزياء في الوجود. وكتب الرسول بولس: «فَإِنَّهُ فِيهِ خُلِقَ الْكُلُّ: مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا عَلَى الأَرْضِ، مَا يُرَى وَمَا لاَ يُرَى... وَفِيهِ يَقُومُ الْكُلُّ» (كولوسي ١: ١٦-١٧). فالفراغ الكَموميّ، بدل أن يُزيح الإله من الصورة، هو شيءٌ آخر صنعه، ولا يتماسك إلّا لأنّه يُمسكه.
السماوات تُحدِّث: ضخامة ما صنعه
فلنفعل الآن ما يفتخر المُلحِد بفعله ونادراً ما يفعله: لننظر إلى الدليل نظرةً أمينة، مبتدئين بالسماوات. ولتكن الأرقام صحيحة، فإنّ إله الحقّ لا يُكرَّم بالمبالغة، وحُجّته لا تحتاج إلى تضخيم؛ فالحقائق المجرّدة، إذا قيلت برصانة، تكفي وتزيد.
ابدأ من قريب، من المجرّة التي يسبح فيها عالمنا: درب التبّانة. يقدّر الفلكيّون أنّها تضمّ ما بين مئة مليار وأربعمئة مليار نجم؛ وشمسنا نفسها واحدةٌ من هذه المليارات، نجمٌ متوسّطٌ متواضع. ولكي تُدرك المقياس: لو حاولت أن تعدّ نجوم مجرّتنا وحدها، بمعدّل نجمٍ في كلّ ثانية، بلا توقّفٍ للأكل أو النوم، لاستغرق ذلك منك أضعاف عمر التاريخ البشريّ المكتوب كلّه. وشمسنا هذه — بكواكبها وأرضها الزرقاء الهشّة التي وُلد عليها كلّ إنسانٍ عاش ومات — نجمٌ عاديّ واحد بين تلك المئات من المليارات. ثمّ، في هذه المجرّة وحدها، يقدّر الفلكيّون اليوم وجود نحو مئة مليون ثقبٍ أسود: بقايا نجومٍ عملاقةٍ انهارت، مواضعَ انطوى فيها نسيج الفضاء انطواءً شديداً حتى لم يَعُد النور نفسه يفلت منها. مئة مليون ثقبٍ أسود، في مجرّتنا وحدها.
ثمّ ارفع نظرك أعلى. فدرب التبّانة ليست الكون؛ هي مجرّةٌ واحدةٌ بين حشدٍ يستعصي على الخيال. وقد قدّر الفلكيّون، بدراسة صورٍ عميقةٍ للسماء وتعميمها على الكون المنظور، أنّ عدد المجرّات قد يبلغ تريليونَي مجرّة — أي ألفَي مليار مجرّة، كلُّ واحدةٍ منها جزيرةٌ هائلةٌ من النجوم. وحتى أكثر التقديرات تحفّظاً ما زالت تتحدّث عن مئات المليارات من المجرّات. وهذه المجرّات ليست على حجمٍ واحد. فدرب التبّانة، على ضخامتها، تتضاءل أمام العمالقة. خذ المجرّة الإهليلجيّة العملاقة المعروفة بـ«آي سي ١١٠١»: يقدّرون نجومها بنحو مئة تريليون نجم — أي نحو ألف ضعفٍ من نجوم مجرّتنا، مجموعةً في نظامٍ واحدٍ يبعد عنّا أكثر من مليار سنةٍ ضوئيّة. مجرّةٌ واحدةٌ تحمل مئة تريليون شمس.
فليحاول العقل أن يجمع هذه الأرقام معاً — ولن يستطيع: مئات المليارات من النجوم في مجرّتنا، ونحو مئة مليون ثقبٍ أسود فيها، وما قد يبلغ تريليونَي مجرّةٍ في الكون، بعضها يحمل مئة تريليون نجم.
وزِدْ على ذلك بُعد المسافات حتى يَدوخ اللُّبّ. فالضوء يقطع في الثانية الواحدة نحو ثلاثمئة ألف كيلومتر — أي إنّه يدور حول الأرض سبع مرّاتٍ في رمشة عين. ومع هذه السرعة المذهلة، يحتاج ضوء الشمس إلى نحو ثماني دقائق ليبلغنا، وضوءُ أقرب نجمٍ بعدها إلى أربع سنوات، وضوءُ تلك المجرّة العملاقة إلى أكثر من مليار سنة. فحين تنظر إليها الليلة، إنّما ترى نوراً انطلق إليك قبل أن يُخلَق الإنسان بدهور. كلّ هذا الاتّساع الذي يبتلع الخيال، وكوكبنا فيه أصغر من ذرّة غبارٍ في محيط؛ ومع ذلك، على هذه الذرّة بالذات، وضع الإله عيوناً تنظر إلى الكون كلّه فتقرأه. لم يصنع هذا الاتّساع كلّه ليُتيهنا فيه، بل ليُريَنا عظمته، ثمّ ينحني إلينا نحن الصغار فيُنادينا بأسمائنا.
ثمّ ينظر المُلحِد إلى هذا كلّه — إلى كونٍ من السَّعة بحيث إنّ كوكبنا فيه أصغر من حبّة رملٍ على شاطئٍ لا تبلغه العين — فيستنتج أنّ لا أحد صنعه، وأنّه صنع نفسه، وأنّه لا يعني شيئاً ولا يمضي إلى شيء. أمّا جواب الكتاب فليس حُجّةً جدليّة، بل ترنيمة دهشةٍ بالذي فعل هذا كلّه بلا عناء: «ارْفَعُوا إِلَى الْعَلاَءِ عُيُونَكُمْ وَانْظُرُوا: مَنْ خَلَقَ هذِهِ؟ مَنْ يُخْرِجُ بِعَدَدٍ جُنْدَهَا، يَدْعُو كُلَّهَا بِأَسْمَاءٍ. لِكَثْرَةِ الْقُوَّةِ وَكَوْنِهِ شَدِيدَ الْقُدْرَةِ لاَ يُفْقَدُ أَحَدٌ» (إشعياء ٤٠: ٢٦). وهو الذي «يُحْصِي عَدَدَ الْكَوَاكِبِ، يَدْعُو كُلَّهَا بِأَسْمَاءٍ» (مزمور ١٤٧: ٤). المُلحِد لا يقدر أن يَعُدّها، بل يقدّرها تقديراً؛ أمّا الإله فيسمّيها واحدةً واحدة. تلك هي الهوّة بين المخلوق والخالق.
حين أحرَجَ المنظارُ النظريّة: ما كشفه «جيمس ويب»
ظلّت القصّة العلميّة السائدة لبداية الكون، طوال معظم القرن الماضي، هي «الانفجار العظيم»: أي أنّ للكون بدايةً عند نقطةٍ محدودةٍ في الماضي، وأنّه ما زال يتمدّد منذئذ. والمسيحيّ لم يَخَفْ يوماً من كونٍ له بداية، بل على العكس تماماً؛ فالكتاب المقدّس، قبل أيّ منظارٍ بدهور، أعلن أنّ الكون ليس أزليّاً بل له بداية: «فِي الْبَدْءِ خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ» (تكوين ١: ١). بل إنّ المُلحِدين هم الذين تشبّثوا دهراً بأزليّة الكون، لأنّ كوناً أزليّاً لا يحتاج إلى خالق؛ وكان دليل البداية هو ما رحّب به المؤمن وقاومه المُلحِد.
غير أنّ القصد هنا قصدٌ آخر، وهو درسٌ في التواضع لمن يعاملون آخرَ نظريّةٍ وكأنّها حقٌّ نهائيٌّ راسخٌ يجب أن ينحني له الكتاب. فحين شرع منظار «جيمس ويب» الفضائيّ — أقوى عينٍ صوّبها البشر يوماً نحو أعماق السماء — يُرسل صوره، رأى ما لم تتنبّأ به النظريّة. إذ نظر إلى ما يُفترَض أنّه فجر الكون، فوجد مجرّاتٍ أكبر وأسطعَ وأنضجَ وأكملَ تكويناً من أن تتّسع لها الجدولة الزمنيّة التي يفرضها النموذج القياسيّ. مجرّاتٌ كان ينبغي — بحسب النظريّة — أنّ الوقت لم يتّسع بعدُ لتكوّنها، فإذا بها هناك، ناضجةً مكتملة، في الكون الباكر.
وقد أعلن الباحثون أنّ هذه المجرّات الباكرة الضخمة تشكّل — بعبارة العلماء أنفسهم — «تحدّياً كبيراً» للنموذج القياسيّ للكَوْنيّات؛ مجرّاتٍ من الضخامة والبكورة بحيث وصف فريقٌ هذا الاكتشاف بأنّه يهدّد بأن «يقلب» فهمنا لكيفيّة تكوّن الكون. وليس القصد أنّ الكتاب يقوم أو يسقط مع أيّ منظار؛ كلّا. بل القصد هذا: إنّ النظريّة عينها التي يشهرها المُلحِد بوصفها علماً راسخاً لا يُسأَل، قد اهتزّت من أساسها بأداةٍ واحدةٍ نظرت نظرةً أمينةً بضع سنوات. فمن يقول لك إنّ «العلم دفن الله» إنّما يستند إلى نظريّاتٍ يشتغل العلم نفسه بمراجعتها. فما أحمقَ مَن يراهن بأبديّته على تأكيدات عصرٍ واثقٍ، عاجزٍ عن أن يُبقي روايته متماسكةً عقداً واحداً! «لأَنَّ حِكْمَةَ هذَا الْعَالَمِ هِيَ جَهَالَةٌ عِنْدَ اللهِ» (كورنثوس الأولى ٣: ١٩). إنّ كلمة الإله لا تحتاج إلى أن يُنقذها آخرُ اكتشاف، ولا هي مهدّدةٌ به؛ بل هي ثابتة: «اَلسَّمَاءُ وَالأَرْضُ تَزُولاَنِ، وَلكِنَّ كَلاَمِي لاَ يَزُولُ» (متى ٢٤: ٣٥).
البيت المُحكَم: كونٌ مبنيٌّ على مقاس الحياة
انزل الآن من مقياس المجرّات إلى دقّة القوانين التي تحكمها؛ فههنا يزداد الدليل حدّة. فقد اكتشف العلماء طوال القرن الماضي ما أقلق كثيرين منهم قلقاً عميقاً: أنّ الكون يبدو مضبوطاً بدقّةٍ مدهشةٍ من أجل وجود الحياة. فالثوابت الأساسيّة في الفيزياء — قوّة الجاذبيّة، والقوّة التي تربط الذرّة، وكتلة أصغر الجُسيمات، وسرعة تمدّد الكون — متوازنةٌ على حدّ شعرةٍ من الدقّة، بحيث لو اختلّ أحدها أدنى اختلال، لما تكوّنت النجوم، ولا تماسكت الذرّات، ولاستحالت الحياة بكلّ أشكالها استحالةً قاطعة.
وليست هذه دعاوى وعّاظ، بل قياسات فيزيائيّين، كثيرٌ منهم غير مؤمنين، يعترفون بحيرتهم ممّا وجدوا. والأرقام هنا من التطرّف بحيث تعجز عنها الأمثلة المألوفة؛ فالتوازن أدقّ من أن تنتقي ذرّةً واحدةً مُعلَّمةً من بين كلّ ذرّات الكون. وبيتٌ بُني بهذه الدقّة يدلّ على بانٍ، وهدفٌ أُصيب بهذا الإحكام يدلّ على رامٍ. وقد دُفع الفيزيائيّ الحائز جائزة نوبل، أرنو بنزياس — وهو الذي ساهم في تأكيد أنّ للكون بداية — إلى الاعتراف بأنّ علم الفلك يقودنا إلى «كونٍ خُلق من لا شيء، كونٍ ذي توازنٍ بالغ الدقّة، يوفّر الشروط الصحيحة تماماً اللازمة للحياة، كونٍ تكمن وراءه خطّة — قد يقول قائلٌ: خطّةٌ فوق طبيعيّة.»
وعلى المُلحِد أن يصدّق أنّ هذا التوازن المرهف صدفةٌ سعيدةٌ، مصادفةٌ بين مصادفات، بطاقةُ يانصيبٍ رابحةٌ سُحبت عمياءَ من برميلٍ يضمّ كلّ بطاقةٍ خاسرةٍ على الإطلاق.
ولْنُقرِّب الأمر بمثل. تخيّل لوحةَ تحكُّمٍ هائلةً، عليها ألوف المقابض، كلّ مقبضٍ يضبط ثابتاً من ثوابت الكون. ولو أدار أحدٌ مقبضاً واحداً منها أدنى إدارةٍ — أضعفَ الجاذبيّة قليلاً، أو قوّاها قليلاً، أو غيّر قوّة الرابطة الذرّيّة بمقدار جزءٍ من ملايين الأجزاء — لانهار كلّ شيء: لما اشتعلت شمسٌ، ولا تماسكت ذرّةٌ، ولا وُجد ماءٌ، ولا قام جسدٌ حيّ. هذه المقابض كلّها مضبوطةٌ معاً، في وقتٍ واحد، على القيمة الصحيحة الوحيدة التي تسمح بالحياة. فأيّ عقلٍ سليمٍ يرى لوحةً كهذه مضبوطةً بهذه الدقّة، ثمّ يقول: «لا ضابط لها، بل ضبطت نفسها بنفسها صدفةً»؟ إنّ المُلحِد، حين يقف أمام أعظم دليلٍ على التصميم في الوجود، يلتمس أيّ تفسيرٍ سوى التفسير البديهيّ — لا لأنّ التصميم غير ظاهر، بل لأنّ التصميم يعني مصمّماً، والمصمّم يعني ربّاً، والربّ يعني الحساب.
أمّا المسيحيّ فيرى ما يدلّ عليه البرهان بوضوح: التصميم. والتصميم يستلزم مصمّماً. وقد ختم لينُكس هذا كلّه بنقطةٍ تتوّجه، إذ قال: العجب الأعمق ليس أنّ الكون مضبوطٌ بدقّة فحسب، بل أنّه «مفهوم» أصلاً — أنّ عقلاً بشريّاً يقدر أن يقرأ الرياضيّات المكتوبة في نسيج الواقع. فكونٌ عاقلٌ يستجيب لعقلٍ عاقل، هو بالضبط ما ننتظره إن كان كلاهما صادراً عن الإله العاقل نفسه، الذي «صَنَعَ الْكُلَّ حَسَنًا فِي وَقْتِهِ»، والذي «جَعَلَ الأَبَدِيَّةَ فِي قَلْبِهِمْ» (جامعة ٣: ١١). وهو آخر ما ننتظره من صدفةٍ عمياءَ لا عقل لها.
الذرّة في الداخل: الكون الذي خبّأه الإله في الصغير
والآن وجّه نظرك إلى الجهة المقابلة: لا إلى المجرّات في الخارج، بل إلى الداخل، إلى ما دون ما تراه العين، إلى الصغير الذي يستعصي على التصوّر. فإنّ الإله الذي بنى العظيم هو الذي بنى الضئيل، والصغائر تعِظ بصوتٍ عالٍ كالكبائر. خذ جسماً عاديّاً — يدك مثلاً — وقسّمه: الأنسجة إلى خلايا، والخلايا إلى جزيئات، والجزيئات إلى ذرّات. وهناك، عند الذرّة، لا تجد نقطةً بلا ملامح، بل عالماً مبنيّاً: نواةٌ كثيفةٌ من بروتوناتٍ ونيوترونات، تدور حولها إلكتروناتٌ في أنماطٍ منظّمة، والكلّ ممسوكٌ بقوًى من دقّةٍ مذهلة. وإن أمعنتَ النظر في البروتونات والنيوترونات وجدتَها مبنيّةً من جُسيماتٍ أصغر، منظّمةً محكومةً بالقانون حتى الأعماق. كونُ المُلحِد يُفترَض أنّه ابن فوضى عمياء، ومع ذلك فهو في كلّ طبقةٍ بنيةٌ ونظامٌ وقانونٌ وعدد — وهي بصمات العقل التي لا تُخطئ.
وتأمّل عجباً أعمق: هذا النظام عينه يسري في الخليقة كلّها، من الأكبر إلى الأصغر، وكلّها تخضع للرياضيّات نفسها. فالذرّة في يدك تطيع القوانين التي يطيعها أبعد نجم. نظامٌ عاقلٌ واحد، ومجموعة قوانينَ متّسقةٌ واحدة، تثبت من حافّة الكون إلى قلب الذرّة. وهذا ليس ما تنتجه صدفةٌ بلا عقل؛ فالصدف العمياء تنتج ضجيجاً، لا سيمفونيّة. هذا ما ينتجه إلهٌ واحدٌ بالغ العقلانيّة، الذي يقول عنه الكتاب إنّه «كَالَ الْمِيَاهَ بِكَفِّهِ، وَقَاسَ السَّمَاوَاتِ بِالشِّبْرِ، وَكَالَ بِالْكَيْلِ تُرَابَ الأَرْضِ، وَوَزَنَ الْجِبَالَ بِقَبَّانٍ وَالآكَامَ بِمِيزَانٍ» (إشعياء ٤٠: ١٢). فنظام الذرّة هو كَيله، وقانون الكون هو وزنه. والمُلحِد يدرس هذه القوانين، ويكتبها معادلاتٍ أنيقة، ويبني علمه كلّه على انتظامها الذي لا يخيب — ثمّ ينكر واضع القانون الذي أمانتُه هي السبب في أنّ القوانين لا تخيب أبداً. إنّه ينشر الغصن الذي يجلس عليه. وإلّا فلماذا يكون كونٌ بلا عقلٍ محكوماً بالقانون أصلاً؟ ولماذا يكون عاقلاً رياضيّاً مفهوماً؟ لا لشيءٍ إلّا لأنّ «الرَّبَّ بِالْحِكْمَةِ أَسَّسَ الأَرْضَ. أَثْبَتَ السَّمَاوَاتِ بِالْفَهْمِ» (أمثال ٣: ١٩).
وفي الذرّة عجبٌ آخر يستحقّ التأمّل: إنّها في معظمها فراغ. فلو كبّرنا نواة الذرّة حتى تصير بحجم حبّة بازلّاء، لدارت إلكتروناتها على بُعد مئات الأمتار منها. أي إنّ المادّة الصلبة التي تظنّها صلبةً — هذه الطاولة، وهذا الحجر، وجسدك نفسه — هي في حقيقتها فراغٌ شاسع، تتماسك أجزاؤه المتباعدة بقوًى غير منظورة. فما الذي يمنع هذا الفراغ أن ينفرط؟ وما الذي يُبقي الإلكترون في مداره فلا يسقط في النواة ولا يهرب إلى الفضاء؟ قوانينُ دقيقةٌ، ثابتةٌ، أمينةٌ، تعمل في كلّ ذرّةٍ من ذرّات جسدك في هذه اللحظة، بلا توقّفٍ ولا خلل. ولو تخلّت هذه القوى عن أمانتها لحظةً واحدة، لتلاشى الكون كلّه في طرفة عين. فمَن يضمن هذه الأمانة؟ الكتاب يجيب: هو الذي «فِيهِ يَقُومُ الْكُلُّ» (كولوسي ١: ١٧). أنت لا تتماسك بقوّتك، بل بأمانته هو، في كلّ نَفَسٍ تتنفّسه.
الخليّة الحيّة: آلةٌ لا تقوى صدفةٌ على بنائها
على أنّ السماوات والذرّة، على عظمتهما، ليستا أعلى الشهود صوتاً على المُلحِد. أعلى الشهود صوتاً هي الحياة نفسها، وأعلاها جميعاً: الخليّة الحيّة الواحدة. فحين تنتقل قصّة المُلحِد من صنع كونٍ إلى صنع كائنٍ حيّ، لا تصغر الصعوبة، بل تنفجر فوق كلّ قياس. فالنجم كرةٌ من غازٍ مشتعلٍ تمسكها الجاذبيّة؛ أمّا الخليّة الحيّة فشيءٌ من رتبةٍ أخرى بالكلّيّة: مدينةٌ، ومصنعٌ، ومكتبةٌ، وأسطولُ آلاتٍ، تعمل كلّها معاً بتنسيقٍ لا تبلغه أرقى هندسةٍ بشريّة.
داخل هذه الخليّة الواحدة — وهي أصغر من أن تُرى — معلومات. لا نمطٌ غامض، بل معلوماتٌ حقيقيّةٌ مُرمَّزة، مكتوبةٌ في جُزيء الحمض النوويّ بأبجديّةٍ كيميائيّةٍ من أربعة أحرف، تتهجّى تعليماتٍ من الطول والدقّة بحيث لو كُتبت في كتبٍ عاديّةٍ لملأت مكتبة. والمعلومات لا تكتب نفسها. ففي خبرة البشر كلّها، بلا استثناءٍ واحد، لا تأتي المعلومات المُرمَّزة إلّا من عقل. الرسالة تستلزم مُرسِلاً، والشيفرة تستلزم مُشفِّراً، والتعليمات تستلزم مؤلِّفاً. ويطلب المُلحِد منّا أن نصدّق أنّ أرقى نظامٍ لتخزين المعلومات ومعالجتها عرفه الإنسان قد كتب نفسه صدفةً، في بِركةٍ دافئة، بلا مؤلِّفٍ على الإطلاق. وهو لن يقبل هذا الاستدلال في أيّ موضعٍ آخر قطّ: فلو وجد جملةً واحدةً منقوشةً على صخرة، لاستنتج فوراً أنّ عقلاً مرّ من هناك؛ فإذا عُرضت عليه مكتبةٌ كاملةٌ من التعليمات الدقيقة، محشوّةٌ في حيّزٍ أصغر من أن يُرى، أصرّ على أنّ لا عقل وراءها.
ودَع المعلومات وحدها تشهد. فإنّ الحرف في الكلمة لا معنى له ما لم يرتّبه عقلٌ في كلمةٍ، والكلمة لا معنى لها ما لم ترتّبها يدٌ في جملةٍ تحمل قصداً. وأنت إذا رأيت على الرمل كلمة «أحبّك» مكتوبةً، لم تقل قطّ: «رتّبتها الأمواج صدفةً»، بل علمت في الحال أنّ قلباً وراءها أراد أن يقول شيئاً. فكيف بالحمض النوويّ، وفيه من المعلومات المنظّمة ما لو نُسخ في كتبٍ لملأ رفوفاً تمتدّ أمتاراً، وكلّها مكتوبةٌ بدقّةٍ بحيث إنّ خطأً واحداً في الترتيب قد يصنع مرضاً أو موتاً؟ إنّ كلّ ما عرفه الإنسان من أنظمة الترميز — من أبجديّته إلى حواسيبه — جاء من عقلٍ صانع، بلا استثناءٍ واحد. فلماذا يكون أرقى نظام ترميزٍ في الوجود — وهو الذي تقوم عليه الحياة كلّها — هو الاستثناء الوحيد الذي كتب نفسه بلا كاتب؟ هذا ليس استدلالاً علميّاً، بل هروبٌ من نتيجةٍ لا مهرب منها: حيث معلوماتٌ، فثَمّ عقل؛ وحيث شيفرةٌ، فثَمّ مُشفِّر؛ وحيث رسالةٌ، فثَمّ مُرسِل. والرسالة المكتوبة في كلّ خليّةٍ من خلاياك تحمل توقيع كاتبها: الإله.
والمعلومات ليست إلّا البداية. فالخليّة مملوءةٌ بآلاتٍ جُزيئيّةٍ تحبس الأنفاس تعقيداً: محرّكاتٌ تدور، وبوّاباتٌ تنفتح وتنغلق على الإشارات الصحيحة، وخطوط تجميعٍ تقرأ التعليمات الجينيّة فتبني البروتينات على مواصفاتٍ مضبوطة، وأنظمةُ تدقيقٍ تكتشف الأخطاء فتصلحها، وأنظمةُ نقلٍ تحمل الحمولة إلى وجهاتٍ دقيقةٍ عبر طرقٍ داخليّة. بل في بعض الخلايا محرّكٌ دوّارٌ يدور كمحرّك سفينة، يدفع الكائن إلى الأمام، مبنيٌّ من أجزاءٍ كثيرةٍ مركّبةٍ بإحكام، كلُّ جزءٍ منها لازمٌ لكي يدور المحرّك أصلاً. انزع جزءاً واحداً، فلا يعمل المحرّك بسوء، بل لا يعمل إطلاقاً. هذه هندسةٌ من نوعٍ يُخجِل أمهر مهندسينا. والكتاب الذي لم يعرف شيئاً من هذا المجهر، أعلن حقّه مع ذلك على لسان المرنّم، إذ تعجّب من جسده هو: «أَحْمَدُكَ مِنْ أَجْلِ أَنِّي قَدِ امْتَزْتُ عَجَبًا. عَجِيبَةٌ هِيَ أَعْمَالُكَ، وَنَفْسِي تَعْرِفُ ذلِكَ يَقِينًا» (مزمور ١٣٩: ١٤). «امتزتُ عجباً» — لا «امتزتُ صدفةً». الأعمال عجيبةٌ لأنّ وراءها صانعاً.
وارفع عينيك عن الخليّة الواحدة إلى العين التي تقرأ بها هذه السطور. عدسةٌ تُركّز الضوء، وحدقةٌ تتّسع وتضيق وحدها بحسب النور، وشبكيّةٌ فيها ملايين المستقبِلات تحوّل الضوء إلى إشاراتٍ، وعصبٌ ينقل تلك الإشارات إلى دماغٍ يترجمها في لحظةٍ إلى صورةٍ ملوّنةٍ ثابتةٍ ذات عمق. كلّ جزءٍ من هذه الأجزاء عديم الفائدة وحده؛ فلا تُبصِر عدسةٌ بلا شبكيّة، ولا شبكيّةٌ بلا عصب، ولا عصبٌ بلا دماغٍ يفهم. فكيف تتدرّج الصدفة العمياء، خطوةً خطوة، إلى عضوٍ لا ينفع إلّا مكتملاً؟ إنّ المُلحِد يطلب منّا أن نصدّق أنّ آلة التصوير الأعجب في الوجود قد ركّبت نفسها بنفسها، بلا مصمّمٍ ولا غاية. ولو وجد ساعةً ملقاةً في الصحراء لما قال قطّ إنّها تجمّعت وحدها من رمل الصحراء؛ فكيف بالعين التي تفوق كلّ ساعةٍ صنعها البشر؟ «اَلأُذُنُ الْغَارِسَةُ، أَلاَ تَسْمَعُ؟ الْعَيْنُ الصَّانِعَةُ، أَلاَ تُبْصِرُ؟» (مزمور ٩٤: ٩).
لُغز الخليّة الثانية: واحدةٌ، ثمّ تريليونات، لكن لا أربعٌ أبداً
وهنا أعجوبةٌ لاحظها بعينٍ صافيةٍ مَن طرحها أوّلاً على الناس، وتستحقّ أن تُدوَّن بعناية، فإنّها تضع المُلحِد أمام سؤالٍ لا يقدر أن يصرفه بسهولة. كلّ إنسان — بل كلّ كائنٍ يتكاثر — يبدأ حياته خليّةً واحدة. ومن تلك الخليّة الواحدة، بعمليّةٍ بالغة الدقّة، تأتي التريليونات من الخلايا التي تؤلّف الجسد الناضج: خلايا العصب وخلايا العظم، وخلايا الدم وخلايا الدماغ، كلّها تحمل النسخة الكاملة نفسها من التعليمات، ومع ذلك تنمو كلُّ واحدةٍ إلى نوعها المعيّن في موضعها المعيّن، فتبني العين واليد والقلب والعقل. خليّةٌ واحدةٌ تصير تريليونات، كلّها تعمل في تناغمٍ وتنسيق، كلّها على خطّةٍ مكتوبةٍ في الأصل. وهذا وحده كفيلٌ بأن يحبس أنفاس أيّ رجلٍ أمين.
لكنّ مَوضِع الحدّة هو هذا: نحن نعرف الخليّة الواحدة — البويضة المخصَّبة التي ينمو منها الكائن كلّه. ونعرف الكائن المكتمل، المؤلَّف من تريليونات الخلايا. لكن أين، في العالم الحيّ كلّه، الكائن المؤلَّف من أربع خلايا؟ أو من ثمانٍ؟ أو من ستّ عشرة، يحيا حياته مستعمرةً صغيرةً مرتّبةً من حفنة خلايا؟ إنّ قصّة المُلحِد تستلزم صعوداً طويلاً بطيئاً، درجةً درجة، من البسيط إلى المعقّد، من خليّةٍ واحدةٍ تتراكم شيئاً فشيئاً، كلُّ مرحلةٍ منها كائنٌ قابلٌ للحياة يبقى ويتكاثر بنفسه. غير أنّ ذلك السلّم اللطيف ليس ما نجده. نجد الخليّة الواحدة، ونجد الكائن البالغ التعقيد ذا التريليونات من الخلايا بأعضائه وأنظمته المنسّقة — لكنّنا لا نجد ذلك السلّم الحيّ من كائناتٍ رباعيّة الخلايا وثُمانيّة الخلايا تشقّ طريقها المستقلّ في الحياة، تلك الدرجات الوسيطة المفترَضة التي يُزعَم أنّ الصدفة العمياء صعدت عليها. إنّ القفزة من خليّةٍ حيّةٍ واحدة إلى كائنٍ منسَّقٍ من تريليونات الخلايا، كلُّ واحدةٍ متخصّصةٌ موضوعةٌ محكومةٌ بخطّةٍ كبرى، ليست منحدراً لطيفاً تتسلّقه الصدفة على مهل. إنّها هوّةٌ لا يعبرها إلّا التصميم. وكلمة الكتاب في تكوين الجسد المذهل دقيقةٌ قديمة: «رَأَتْ عَيْنَاكَ أَعْضَائِي، وَفِي سِفْرِكَ كُلُّهَا كُتِبَتْ. يَوْمَ تَصَوَّرَتْ إِذْ لَمْ يَكُنْ وَاحِدٌ مِنْهَا» (مزمور ١٣٩: ١٦). مكتوبةٌ في سِفره قبل أن تتكوّن — أي خطّةٌ ومؤلِّفٌ وتصميم. فالخليّة الواحدة التي تصير تريليونات في نظامٍ كامل ليست أثَر صدفة؛ إنّها توقيع الإله.
الشاهد الذي في الداخل: الناموس المكتوب في القلب
دعونا، حتى الآن، أنطقنا السماوات والذرّة والخليّة الحيّة. لكن ثمّة شاهدٌ آخر أقرب إلى المُلحِد من أيّ نجمٍ أو خليّة؛ شاهدٌ يقف في داخله هو: إنّه ضميره. فكلّ إنسان — والمُلحِد منهم — يحمل في صدره إحساساً لا يتزعزع بأنّ أموراً صوابٌ حقّاً وأموراً خطأٌ حقّاً؛ بأنّ القسوة على البريء ليست مكروهةً فحسب، بل شرٌّ؛ بأنّ العدل خيرٌ والغدر شرّ؛ بأنّه هو نفسه ينبغي أن يكون أفضل ممّا هو عليه. وهو لم يخترع هذا الإحساس، ولا يقدر أن يتخلّص منه بالجدل مهما حاول. فإذا ظُلِم، لم يكتفِ بأن يكرهه، بل صرخ أنّه ظلمٌ، مستنداً إلى معيارٍ يتوقّع أن يقرّ به الناس جميعاً. ويشرح الكتاب من أين جاء هذا الناموس الداخليّ: حتى الذين لم يتلقَّوا وصيّةً مكتوبةً قطّ، «يُظْهِرُونَ عَمَلَ النَّامُوسِ مَكْتُوبًا فِي قُلُوبِهِمْ، شَاهِدًا أَيْضًا ضَمِيرُهُمْ» (رومية ٢: ١٥).
وهذا الشاهد الداخليّ قاتلٌ لنظام المُلحِد كلّه، وهو يعرف ذلك نصف معرفة. فإن لم يكن إله، فلا واضعَ ناموسٍ فوق البشر؛ وإن لم يكن واضعُ ناموس، فلا صوابَ ولا خطأ حقيقيّ البتّة، بل تفضيلاتٌ وأعرافٌ ودوافعُ يُقال إنّ الطبيعة العمياء غرستها فينا للبقاء. وعلى شروطه هو، فالقسوة التي يبغضها بحقّ ليست شرّاً أكثر ممّا أنّ اللطف الذي يمدحه خير؛ كلاهما مجرّد حدثٍ كيميائيٍّ في كونٍ بلا معنى، وتفقد كلمتا «ينبغي» و«شرّ» كلّ معناهما. ومع ذلك لا يقدر مُلحِدٌ أن يحيا هكذا. فهو يمضي يلتهب غضباً على الظلم، ويُدين، ويمدح الشجاعة والأمانة، ويصرّ على أنّ أموراً يجب ألّا تُفعَل البتّة — وهو في كلّ حكمٍ من هذه يستعير من النظام الأخلاقيّ الذي لا يؤسّسه إلّا الإله. إنّه كرجلٍ ينشر الغصن الذي يجلس عليه، أو يصرخ في مكبّر صوتٍ أنّ الصوت غير موجود. الناموس الأخلاقيّ الذي لا يقدر أن يفلت منه هو بصمة الإله الذي ينكره، مطبوعةً في نفسه هو. وهو يشير، كسائر الشهود، إلى مَن فوقه: لا إلى صانعٍ فحسب، بل إلى واضع ناموسٍ، ومن ثَمّ إلى ديّان. «وَاحِدٌ هُوَ وَاضِعُ النَّامُوسِ، الْقَادِرُ أَنْ يُخَلِّصَ وَيُهْلِكَ» (يعقوب ٤: ١٢).
وانظر كيف يفضح المُلحِد نفسه بنفسه. فهو ينكر وجود خيرٍ وشرٍّ مطلقَين، ثمّ لا يلبث أن يدين الظلم، ويستنكر القتل، ويثور على الكذب والخيانة، ويطالب بالعدل لنفسه إن ظُلم. فإن لم يكن ثمّة إله ولا ناموسٌ فوق البشر، فبأيّ حقٍّ يدين أحداً؟ وعلامَ يحتجّ؟ إنّه يقترض من رصيد الإله ليحارب الإله؛ يستعمل الميزان الأخلاقيّ الذي وضعه الإله في صدره ليزعم أنّ واضع الميزان غير موجود. ولو كان صادقاً مع إلحاده حقّاً، لوجب أن يصمت أمام كلّ ظلمٍ، إذ لا «ظلم» في كونٍ بلا قاضٍ؛ ولكنّه لا يقدر أن يصمت، لأنّ الناموس مكتوبٌ في قلبه كتابةً لا يمحوها جدل. فهذا الضمير الذي يحمله، والذي يأبى أن يسكت، شاهدٌ صامتٌ ناطقٌ في آنٍ معاً: صامتٌ عن البرهان العلميّ، ناطقٌ بأنّ فوقه قاضياً، وأنّ يوماً آتٍ يقف فيه أمامه. إنّ ضميره يعرف ما ينكره لسانه؛ ويوم الدينونة، سيشهد عليه ذلك الضمير عينه الذي حاول أن يُسكِته طوال حياته.
إله المُلحِد له اسم، واسمه: لا شيء
ويجدر بنا أن نقف لننظر بوضوحٍ إلى ما صنعه المُلحِد فعلاً؛ فما إن يُرى الأمر جليّاً حتى يتعذّر أن يُنسى. لقد انطلق ليحرّر نفسه من الإله، فما تحرّر من العبادة، بل لم يفعل سوى أن اختار لها معبوداً أحقر. المسيحيّ يعبد إلهاً لا متناهياً، أزليّاً، حكيماً كلّيّ القدرة، صنع السماوات والقلب. والمُلحِد يعبد، بدلاً منه، كوناً ينسب إليه كلّ صفةٍ إلهيّةٍ إلّا الصفة التي تُهمّ. يقول إنّ الكون أزليّ، أو نشأ من شيءٍ أزليّ؛ ويقول إنّه قائمٌ بذاته لا يحتاج إلى صانع؛ ويقول إنّه قويٌّ بما يكفي ليُنتج المجرّات والعقول وموسيقى موتسارت وحبّ الأمّ لطفلها. وبكلمةٍ: أخذ أعمال الإله كلّها فنسبها إلى الخليقة، وطالَب الكونَ بأن يكون خالق نفسه. لقد صنع إلهاً من مادّةٍ بلا عقل. والمادّة بلا عقلٍ أحقر إلهٍ عُبد قطّ؛ فهي لا تسمعه، ولا تعينه، ولا تغفر له، ولا تخلّصه؛ بل تبتلعه إلى القبر ولا تشعر بشيء.
وقد وصف الكتاب هذا الاستبدال بدقّةٍ نافذةٍ قبل أن يولد المُلحِد الحديث بتسعة عشر قرناً: إنّ الناس «حَمِقُوا فِي أَفْكَارِهِمْ، وَأَظْلَمَ قَلْبُهُمُ الْغَبِيُّ. وَبَيْنَمَا هُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ حُكَمَاءُ صَارُوا جُهَلاَءَ... الَّذِينَ اسْتَبْدَلُوا حَقَّ اللهِ بِالْكَذِبِ، وَاتَّقَوْا وَعَبَدُوا الْمَخْلُوقَ دُونَ الْخَالِقِ، الَّذِي هُوَ مُبَارَكٌ إِلَى الأَبَدِ» (رومية ١: ٢١-٢٢، ٢٥). ها هي عبادة المخلوق بدل الخالق، مكتوبةً منذ القديم. يظنّ المُلحِد أنّه ارتفع فوق الدين، وما فعل إلّا أنّه استبدل الإله الحيّ بصنمٍ ميتٍ اسمه «الكون» أو «الطبيعة»، فسجد له بوصفه مصدر كلّ شيء. وكثيرٌ من العلماء الأمناء، إذ تبعوا الدليل لا الموضة، أبَوا أن يجروا هذه المقايضة. نظروا إلى بداية الكون، وإلى ضبطه الدقيق، وإلى نظامه العاقل الرياضيّ، فاستنتجوا أنّه يحمل — بعبارة أحد الحائزين جائزة نوبل — علامات «خطّةٍ فوق طبيعيّة.» وليست أعمق العقول دائماً أعلى المنكِرين صوتاً؛ بل كثيراً ما يكون أنصاف المتعلّمين أشدّ الناس يقيناً بأن لا إله، بينما الذين أطالوا التحديق في نظام الأشياء يصمتون دهشة. «مَخَافَةُ الرَّبِّ رَأْسُ الْمَعْرِفَةِ، أَمَّا الْجَاهِلُونَ فَيَحْتَقِرُونَ الْحِكْمَةَ وَالأَدَبَ» (أمثال ١: ٧).
لماذا يأبى المُلحِد أن يرى: السبب الحقيقيّ وراء الكفر
قد وضعنا الدليل أمامه: استحالة كونٍ يخلق نفسه، وخدعة الفراغ الكَموميّ الجوفاء، وضخامة السماوات المذهلة، وإحراج آخر الاكتشافات للنظريّات الواثقة، وضبط القوانين على حدّ الشعرة، والنظام داخل الذرّة، والمعلومات والآلات في الخليّة الحيّة، والهوّة التي لا تُعبَر بين الخليّة الواحدة والتريليونات المنسّقة. وأيُّ واحدٍ من هذه كفيلٌ بأن يوقف عقلاً منصفاً؛ فكيف بها مجتمعةً؟ إنّها قصفُ رعد. فلنسأل إذاً سؤالاً أميناً باحثاً: لماذا يأبى المُلحِد، وهو محاطٌ بهذا الشاهد العالي، أن يرى؟
يعطي الكتاب الجواب، وهو جوابٌ لا يُجامِل، لكنّه حقّ، والحقّ وحده يقدر أن يحرّر الإنسان. لم تكن مشكلة المُلحِد قطّ في الدليل. يقول الكتاب إنّ الدليل من الوضوح بحيث لا عذر لأحد: «لأَنَّ أُمُورَهُ غَيْرَ الْمَنْظُورَةِ تُرَى مُنْذُ خَلْقِ الْعَالَمِ مُدْرَكَةً بِالْمَصْنُوعَاتِ، قُدْرَتَهُ السَّرْمَدِيَّةَ وَلاَهُوتَهُ، حَتَّى إِنَّهُمْ بِلاَ عُذْرٍ» (رومية ١: ٢٠). بلا عذر. فالعلّة ليست في العين، بل في الإرادة. ويمضي الكتاب فيشخّص الداء الحقيقيّ: إنّ الناس «يَحْجِزُونَ الْحَقَّ بِالإِثْمِ» (رومية ١: ١٨) — يحجزونه، يكبتونه، يدفعونه إلى الأسفل، لأنّهم لا يريدونه حقّاً. ولماذا لا يريدونه حقّاً؟ أجاب الرب يسوع المسيح نفسه بدقّةٍ كدقّة المِبضع: «أَحَبَّ النَّاسُ الظُّلْمَةَ أَكْثَرَ مِنَ النُّورِ، لأَنَّ أَعْمَالَهُمْ كَانَتْ شِرِّيرَةً. لأَنَّ كُلَّ مَنْ يَعْمَلُ السَّيِّآتِ يُبْغِضُ النُّورَ، وَلاَ يَأْتِي إِلَى النُّورِ لِئَلاَّ تُوَبَّخَ أَعْمَالُهُ» (يوحنا ٣: ١٩-٢٠).
ها هو الأمر مكشوفاً. لا يرفض المُلحِد الإله لأنّ الدليل ضدّه؛ فالدليل معه بأغلبيّةٍ ساحقة، وهو في لحظات صدقه يعرف ذلك. بل يرفضه لأنّه إن كان الإله حقّاً، فهو ليس سيّد نفسه. إن صنعه الإله، فقد ملكه؛ وإن ملكه، فله أن يأمره، وله أن يدينه. وهذا ما يأباه القلب الطبيعيّ. فالإقرار بالخالق إقرارٌ بالديّان، والإقرار بالديّان وقوفٌ مسؤولاً عن كلّ عملٍ وكلمةٍ وفكر. فكفر المُلحِد ليس في نهايته نتيجةً عقليّة، بل تفضيلٌ أخلاقيّ. نظر إلى النور فأشاح بوجهه، لا لأنّه لم يقدر أن يرى، بل لأنّه لم يُرِد أن يُرى. يؤثِر كوناً بلا إله، لأنّ كوناً بلا إله كونٌ بلا دينونة، وكوناً بلا دينونةٍ كونٌ يظنّ فيه أنّه يحيا كيف يشاء ولا يحاسبه أحد. هذه هي الظلمة التي يحبّها. وهي محبّةٌ قاتلة، فإنّ الإله الذي ينكره حقّ، والدينونة التي يتجنّبها واقعةٌ لا محالة.
ولو صدق المُلحِد مع نفسه لحظةً واحدة، لاعترف أنّ كثيراً من إنكاره ليس وليد المختبر بل وليد القلب. فكم من إنسانٍ بدأ يشكّ في الإله لا بعد درسٍ في الفلك، بل بعد خطيّةٍ أحبّها وأبى أن يتركها؛ إذ وجد أنّ وجود الإله يقلقه في لذّته، فاختار أن يتخلّص من الإله ليحتفظ باللذّة. ليس الإلحاد دائماً رحلةً عقليّةً نحو الحقّ، بل كثيراً ما يكون هروباً أخلاقيّاً من النور. ولذلك تجد البرهان يُعرَض على رجلَين، فيخضع له الواحد ويتمرّد عليه الآخر، لا لأنّ البرهان اختلف، بل لأنّ القلبَين اختلفا. «قَالَ الْجَاهِلُ فِي قَلْبِهِ» — لاحظ: «في قلبه»، لا في عقله؛ فمن القلب تخرج هذه الكلمة لا من البرهان. والمُلحِد لا يحتاج إلى مزيدٍ من الأدلّة، بل إلى قلبٍ جديدٍ مستعدٍّ أن يقبل ما رآه أصلاً.
الدينونة التي لا مفرّ منها
ولْيُقَل هذا صراحةً، بمحبّةٍ ولكن بلا تردّد، فإنّ تليينه خيانةٌ للرجل الذي نحاول أن نخلّصه. لن تنجح خطّة المُلحِد. فهو لا يقدر أن يُعدِم الإله بكفره به، كما لا يقدر أحدٌ أن يُلغي الشمس بإغماض عينيه. الإنكار لا يمحو الواقع؛ بل يُعمي المنكِر فحسب. ويومٌ آتٍ — محدّدٌ، يقينيٌّ، لا مهرب منه — تنفتح فيه كلّ عينٍ وتجثو كلّ ركبة. عيّنه الكتاب، فقال إنّ الإله «أَقَامَ يَوْمًا هُوَ فِيهِ مُزْمِعٌ أَنْ يَدِينَ الْمَسْكُونَةَ بِالْعَدْلِ، بِرَجُلٍ قَدْ عَيَّنَهُ» (أعمال الرسل ١٧: ٣١). في ذلك اليوم لن يكون السؤال: هل الإله موجود؟ فذلك يُحسَم إلى الأبد في لحظةٍ واحدةٍ من الوضوح الساحق. بل سيكون السؤال: ماذا فعل كلّ إنسانٍ بالنور الذي أُعطيه؟ والمُلحِد الذي أفنى عمره يكبت الحقّ، يحجزه بالإثم، ينظر إلى السماوات والذرّة والخليّة الحيّة فيقول: «لا إله» — ذلك الرجل سيقف أمام الإله الذي أنكره، وقد ذهب كلّ عذرٍ وسُدّ كلّ فم: «لِكَيْ يَسْتَدَّ كُلُّ فَمٍ، وَيَصِيرَ كُلُّ الْعَالَمِ تَحْتَ قِصَاصٍ مِنَ اللهِ» (رومية ٣: ١٩).
وليس هذا تخويفاً لمجرّد التخويف، بل لأنّه حقّ، ولأنّ مَن حُذِّر من هاويةٍ في الظلام ليس مكروهاً عند مَن يصرخ بالتحذير، بل محبوباً. وأشدّ القسوة في الدنيا أن ترى رجلاً يمشي نحو الحافّة في الليل فتسكت، أو تتمتم بكلماتٍ مُطَمئنةٍ زاعماً أنّ الطرق كلّها سواء. ليست سواء. ثمّة حافّة، وثمّة سقطة، وقد قال الإله الحقّ ذلك: «وَكَمَا وُضِعَ لِلنَّاسِ أَنْ يَمُوتُوا مَرَّةً ثُمَّ بَعْدَ ذلِكَ الدَّيْنُونَةُ» (عبرانيين ٩: ٢٧). مرّةً يموتون، ثمّ الدينونة. لا تناسخ، ولا فرصةَ ثانيةً وراء القبر، ولا انزلاقَ هادئ إلى العدم. الموت، ثمّ الإله الذي أفنى المُلحِد عمره ينكره، وجهاً لوجه.
تخيّل ذلك الموقف. الرجل الذي كتب الكتب ينكر الإله، وألقى المحاضرات يسخر من الإيمان، وأقنع تلاميذه أنّ السماء فارغة — يقف الآن، وقد فارق جسده، أمام العرش الذي أنكره. لا مختبر يلوذ به، ولا حجّة يتترّس بها، ولا جمهور يصفّق له. وحده، أمام الإله الحيّ، تنكشف أمامه كلّ كلمةٍ نطق بها، وكلّ فكرةٍ أخفاها، وكلّ نورٍ أطفأه عمداً. وفي تلك اللحظة لن يحتاج إلى برهانٍ على وجود الإله؛ فالبرهان صار الآن واقعاً يملأ الأفق. وسيتذكّر — بمرارةٍ لا توصف — كم مرّةً نظر إلى السماء فرأى الشاهد وأشاح، وكم مرّةً قُرع قلبه فأبى. إنّ أبشع ما في تلك الدينونة ليس فقط القصاص، بل اليقين أنّه كان يعرف، وأنّه ما كان له عذر. ولكنّ هذا الموقف المرعب — وهنا الرجاء — ليس محتوماً عليك بعدُ. فأنت لا تزال هذا الجانب من القبر، حيث الرحمة مبذولةٌ والباب مفتوح.
وليس هذا تخويفاً لمجرّد التخويف، بل لأنّه حقّ، ولأنّ مَن حُذِّر من هاويةٍ في الظلام ليس مكروهاً عند مَن يصرخ بالتحذير، بل محبوباً. وأشدّ القسوة في الدنيا أن ترى رجلاً يمشي نحو الحافّة في الليل فتسكت، أو تتمتم بكلماتٍ مُطَمئنةٍ زاعماً أنّ الطرق كلّها سواء. ليست سواء. ثمّة حافّة، وثمّة سقطة، وقد قال الإله الحقّ ذلك. ورعب ذلك اللقاء، لمن يموت في كفره، لا تبلغه عبارة. ولكن — وهذا كلّ سبب هذه الصفحات — ذلك اللقاء لا يلزم أن يكون لقاء رعبٍ البتّة. فإنّ الإله نفسه الذي سيدين قد فتح أيضاً باب نجاةٍ، وفتحه بثمنٍ لا متناهٍ دفعه من ذاته.
الإله الذي نزل: محبّةٌ أوسع من السماوات
وهنا ينعطف الأمر كلّه، وينعطف نحو الرحمة. فإنّ الإله الذي بثّ تريليونَي مجرّةٍ في الفضاء، وخبّأ مكتبةً مُرمَّزةً في خليّةٍ أصغر من أن تُرى، ويمسك الذرّة، ويسمّي كلّ نجمٍ باسمه — هذا الإله نفسه ليس قوّةً باردةً بعيدة. إنّه شخصٌ، وهو محبّة، والسماوات التي تنطق بقدرته لم تكن قطّ كلمته الأخيرة. كانت كلمته الأخيرة شخصاً: «اَللهُ، بَعْدَ مَا كَلَّمَ الآبَاءَ بِالأَنْبِيَاءِ قَدِيمًا، بِأَنْوَاعٍ وَطُرُقٍ كَثِيرَةٍ، كَلَّمَنَا فِي هذِهِ الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ فِي ابْنِهِ» (عبرانيين ١: ١-٢). دخل صانعُ المجرّات خليقته. والذي قاس السماوات بشِبر يده، أخذ جسداً من لحم، ووُلد من امرأة، ومشى على تراب هذا الكوكب الصغير، وذهب إلى الصليب.
تأمّل عجب هذا على خلفيّة كلّ ما رأينا. الإله الذي يقدر أن يصنع مئة تريليون نجمٍ في مجرّةٍ واحدة، انحنى حتى لُفّ في قِماط. والإله الذي كتبت حكمته الشيفرة الجينيّة، سمح بأن تُدَقّ المسامير في يديه. ولماذا؟ لأنّ الدينونة عينها التي يخافها المُلحِد هي الدينونة التي حملها الإله، بمحبّةٍ، على نفسه. أخطأ الناس جميعاً، وحجزوا الحقّ جميعاً، واستحقّوا الحكم جميعاً. لكنّ «اللهَ بَيَّنَ مَحَبَّتَهُ لَنَا، لأَنَّهُ وَنَحْنُ بَعْدُ خُطَاةٌ مَاتَ الْمَسِيحُ لأَجْلِنَا» (رومية ٥: ٨). على الصليب حمل الرب يسوع المسيح الدينونة المستحقّة للخطاة — للمتكبّر، وللمتمرّد، وللمُلحِد الذي رفع قبضته نحو السماء. مات، ودُفن، وقام في اليوم الثالث، فقهر الموت نفسه، حتى إنّ الرجل عينه الذي أنكره يستطيع أن يُغفَر له، ويُصالَح، ويُخلَّص. هذه هي البشارة: لا أنّ الصالحين يُكافَأون — إذ ليس صالحٌ بما يكفي — بل أنّ «الْمَسِيحَ مَاتَ مِنْ أَجْلِ خَطَايَانَا حَسَبَ الْكُتُبِ، وَأَنَّهُ دُفِنَ، وَأَنَّهُ قَامَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ حَسَبَ الْكُتُبِ» (كورنثوس الأولى ١٥: ٣-٤). فالسماوات تنطق بمجده، والصليب ينطق بمحبّته. والمحبّة أوسع من السماوات.
تأمّل المشهد لحظةً: اليدان اللتان رسمتا حدود المجرّات، ومسكتا الذرّة أن تتبدّد، تُسمَّران إلى خشبة. والفم الذي نطق فكان النور، يصرخ عطشاً على الصليب. والرأس الذي تخضع له ملائكة السماء، يُكلَّل بالشوك. لماذا احتمل صانعُ الكون هذا كلّه؟ لا لأنّه عاجزٌ عن الخلاص بكلمة، بل لأنّ العدل كان يطالب بثمن الخطيّة، والمحبّة أبت أن تتركك تدفعه. فدفعه هو عنك. هذا هو الفرق بين إله الكتاب وكلّ آلهة البشر: آلهة البشر تطلب من الإنسان أن يصعد إليها بدمه وعرقه؛ أمّا الإله الحقّ فنزل هو إلى الإنسان، وبذل دمه هو. لم يَطلب منك أن تموت لترضيه، بل مات هو ليخلّصك. فأيّ قلبٍ يقف أمام هذه المحبّة فلا يلين؟
اخرج من الظلمة
فهذا هو النداء، يُرفَع لا باحتقارٍ بل بدموع. أيّها الذي دعا نفسه مُلحِداً: ما كان الذي صنعك مبغِضاً لك، بل كان لك طالباً. حتى أنّ وصول هذه الكلمات إلى عينيك ليس صدفةً في كونٍ بلا معنى؛ بل هو لطف إلهٍ «لاَ يَشَاءُ أَنْ يَهْلِكَ أُنَاسٌ، بَلْ أَنْ يُقْبِلَ الْجَمِيعُ إِلَى التَّوْبَةِ» (بطرس الثانية ٣: ٩). نظرت إلى عمل يديه فسمّيته صدفة، وحجزت الحقّ لأنّك لم تُرِد أن تكون مسؤولاً. لكنّ الإله الذي قاومته لا يقف فوقك ديّاناً فقط، بل يبسط إليك يديه مخلِّصاً، وقد فعل ذلك طوال حياتك: «طُولَ النَّهَارِ بَسَطْتُ يَدَيَّ إِلَى شَعْبٍ مُعَانِدٍ وَمُقَاوِمٍ» (رومية ١٠: ٢١).
لم يغِب البرهان قطّ. إنّه في كلّ نجمٍ رأيته، وفي كلّ خليّةٍ من اليد التي تقرأ بها. وما كانت العلّة قطّ أنّ النور خافت، بل أنّك أحببت الظلمة، لأنّها بدت لك آمنة، ولأنّ النور يعني المسؤوليّة. لكنّ الظلمة ليست آمنة؛ بل هي أخطر موضعٍ في الكون، لأنّها تنتهي عند دينونةٍ لا تنجو منها وحدك. فاخرج منها. كُفّ عن كبت ما تعرفه. كُفّ عن التظاهر بأنّ السماوات صامتةٌ وهي تصرخ، وأنّ الخليّة بسيطةٌ وهي مدينة، وأنّ الكون صنع نفسه وذلك أحد ما يستحيل عليه. أقرّ بالإله الذي كان هناك طوال الوقت — تجده لا الطاغية الذي صوّره تمرّدك، بل الآب الذي لأجله صُنعت نفسك، والمخلِّص الذي مات ليأتي بك إلى البيت. «لأَنَّ كُلَّ مَنْ يَدْعُو بِاسْمِ الرَّبِّ يَخْلُصُ» (رومية ١٠: ١٣). كلُّ مَن — حتى المُلحِد. حتى أنت.
ولعلّ في قلبك الآن صوتاً يقول: «ولكنّي أنكرتُه طويلاً، وحاربتُه، وسخرتُ من المؤمنين به؛ فكيف يقبلني الآن؟» فاسمع: إنّ أعظم المُضطهِدين في التاريخ كان رجلاً اسمه شاول، طرسوسيّاً متعلّماً، أمسك المؤمنين وساقهم إلى الموت. ثمّ التقاه الرب يسوع المسيح في الطريق، فلم يطرده، بل خلّصه وجعله الرسول بولس، أعظم خدّامه. فإن قبل الإله ذاك، فهو يقبلك أنت. لم يقل الكتاب: «كلّ من يدعو ويستحقّ»، بل قال: «كُلَّ مَنْ يَدْعُو». فلا ماضيك يمنعك، ولا كفرك القديم يطردك، ما دمتَ تأتي اليوم. إنّ الباب الذي بسط الإله يديه عنده طوال النهار لا يزال مفتوحاً، لكنّه لن يبقى مفتوحاً إلى الأبد؛ فلا تؤجّل إلى غدٍ توبةً يدعوك إليها اليوم. تعالَ كما أنت، بعقلك الذي طالما اعتززت به، وبقلبك الذي طالما قسّيته، وانحنِ أمام الإله الذي صنعك. فإنّك لن تخسر عقلك إذ تنحني، بل تجد لأوّل مرّةٍ لماذا أُعطيتَه: لتعرف صانعك، وتحبّه، وتحيا له إلى الأبد.
صلاةٌ خاصّة
إن كانت هذه الصفحات قد بلغت قلبك، ورأيت أنّ السماوات لم تكن صامتةً قطّ، وأنّك خاطئٌ مسؤولٌ أمام الإله الذي صنعك، فبإمكانك أن تأتي إليه الآن، في هذه اللحظة عينها. لست بحاجةٍ إلى كاهنٍ، ولا إلى وسيطٍ بشريّ، ولا إلى مكانٍ مقدّس، ولا إلى طقسٍ أو عمل. الرب يسوع المسيح دفع الثمن كاملاً على الصليب، ووعد الإله واضح: «لأَنَّ كُلَّ مَنْ يَدْعُو بِاسْمِ الرَّبِّ يَخْلُصُ» (رومية ١٠: ١٣). وما يخلّصك ليس ألفاظ الصلاة، بل الإيمان الذي في قلبك بأنّ الرب يسوع المسيح مات لأجلك وقام من الأموات. غير أنّك إن شئت أن تُعبّر عن هذا الإيمان بكلماتٍ صادقة، فصلِّ من قلبك إلى الإله الحيّ الذي يسمع:
«أيّها الإله العظيم القدّوس المُحِبّ، الإله الحقيقيّ الوحيد: آتي إليك الآن بكلّ تواضع، معترفاً أنّي خاطئ. لقد نظرت طويلاً إلى أعمال يديك فأبيت أن أُقرّ بك، وكسرت وصاياك فكراً وقولاً وفعلاً. أعلم أنّ خطيّتي تستحقّ الدينونة والانفصال عنك، وأنّه لا عمل من عندي يقدر أن يغسلها. لكنّي أؤمن بشهادة كلمتك أنّ ابنك الوحيد، الرب يسوع المسيح، مات على الصليب لأجل خطاياي حاملاً العقوبة التي كنت أستحقّها، وأنّه دُفن، وقام في اليوم الثالث حيّاً منتصراً على الموت. في هذه اللحظة أتحوّل عن كفري وعن خطيّتي، وأقبل الرب يسوع المسيح مخلّصاً شخصيّاً لي. أتّكل عليه وحده، لا على أعمالي ولا على عقلي ولا على إنسان. افتح عينيّ، واغفر لي، وهبني الحياة الأبديّة، واجعلني لك. أصلّي هذا باسم ربّي ومخلّصي يسوع المسيح. آمين.»
بعد أن صلّيت
إن كنت قد صلّيت هذه الصلاة من قلبٍ مؤمنٍ صادق، فقد حدثت في هذه اللحظة أعظم نقلةٍ في حياتك كلّها: انتقلت من الموت إلى الحياة، ومن الظلمة إلى النور، وصار الإله الذي أنكرته يوماً أباً لك. والعقل الذي حاجّ ضدّه صار حرّاً ليعرفه. ووعد الإله يضمن لك ما حدث: «وَأَمَّا كُلُّ الَّذِينَ قَبِلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ سُلْطَانًا أَنْ يَصِيرُوا أَوْلاَدَ اللهِ، أَيِ الْمُؤْمِنُونَ بِاسْمِهِ» (يوحنا ١: ١٢). وإليك خمس خطواتٍ تثبّتك في حياتك الجديدة:
أوّلاً — اقرأ كلمة الإله كلّ يوم. اقرأها في ترجمة فان دايك الموثوقة، وابدأ بإنجيل يوحنّا، ثمّ تابع بقيّة العهد الجديد. لا تقرأ بسرعةٍ، بل بتأمّلٍ وصلاة؛ فإنّ الإله يكلّمك من خلال كلمته.
ثانياً — صلِّ كلّ يوم. كلّم الإله الآن كابنٍ يكلّم أباً محبّاً — لا بألفاظٍ محفوظة، بل بكلامٍ من قلبك. شاركه أفراحك وأحزانك وأسئلتك ومخاوفك.
ثالثاً — اطلب كنيسةً تكرّم كلمة الإله. لا تسر في الطريق وحدك. الإيمان ينمو في شركة المؤمنين، حيث تُكرَز الكلمة بأمانةٍ ويُحفظ الكتاب المقدّس مرجعاً أعلى.
رابعاً — اعتمد كمؤمن. المعمودية ليست شرطاً للخلاص، بل أوّل خطوات الطاعة بعد الإيمان — إعلانٌ علنيٌّ بأنّك متّ مع الرب يسوع المسيح ودُفنت معه وقمت معه إلى حياةٍ جديدة.
خامساً — اشهد للآخرين عن الرب يسوع المسيح. ما اختبرته من خلاصٍ ومحبّة لا يمكن أن يبقى مكتوماً. ابدأ بأهلك وأصدقائك، واروِ لهم ببساطةٍ وصدقٍ كيف فتح إله المجرّات والخليّة الحيّة طريقاً ليُعرَف ويخلّص.
وتذكّر دائماً أنّ خلاصك لا يقوم على شعورك ولا على عملٍ تعمله، بل على وعد الإله الذي لا يتغيّر: «كَتَبْتُ هذَا إِلَيْكُمْ أَنْتُمُ الْمُؤْمِنِينَ بِاسْمِ ابْنِ اللهِ لِكَيْ تَعْلَمُوا أَنَّ لَكُمْ حَيَاةً أَبَدِيَّةً» (يوحنا الأولى ٥: ١٣). لاحظ: «لكي تعلموا» — لا لكي ترجو، ولا لكي تنتظر بقلقٍ يوم الدينونة، بل لكي تعلم بيقينٍ ثابتٍ أنّ لك حياةً أبديّة. واظِب على قراءة كلمة الإله في ترجمة فان دايك، ودَع الإله الذي صنع السماوات وصنعك يكلّمك من خلال كلمته المحفوظة.
كلمةٌ شخصيّةٌ إليك، أيّها القارئ العزيز
شكراً لك على الوقت الذي قضيته في قراءة هذه الرسالة عن شهادة الخليقة، وفراغ الكفر، والخلاص الذي يقدّمه الإله بالرب يسوع المسيح. إن كنت قد قبلت المسيح مخلّصاً شخصيّاً لك من خلال قراءة هذه الصفحات، فقد صرت ابناً للإله إلى الأبد، ولا شيء يقدر أن يفصلك عن محبّته. «اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَنْ يَسْمَعُ كَلاَمِي وَيُؤْمِنُ بِالَّذِي أَرْسَلَنِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَلاَ يَأْتِي إِلَى دَيْنُونَةٍ، بَلْ قَدِ انْتَقَلَ مِنَ الْمَوْتِ إِلَى الْحَيَاةِ» (يوحنا ٥: ٢٤).
ونشجّعك أن تبدأ بقراءة إنجيل يوحنّا بنفسك، وأن تواظب على كلمة الإله في ترجمة فان دايك، لكي يتأصّل إيمانك في كلمة الإله الثابتة إلى الأبد. وأن تشارك هذا الخبر السارّ مع غيرك، مع أهلك وأصدقائك، وكلّ مَن قيل له إنّ العلم دفن الإله، أو نظر إلى النجوم فعُلِّم أن يرى فيها صدفةً لا غير. ليباركك الإله بغنًى وأنت تسير معه وتعرف الذي صنعك.
دعوة لنوال الخلاص الإلهي — اقبل الرب يسوع المسيح كمخلصك الشخصي
عزيزي القارئ — إن لمست هذه الكلمات قلبك وأدركت أنك خاطئ بحاجة إلى مخلّص، فاعلم أن الإله يدعوك إليه في هذه اللحظة بالذات. لست بحاجة إلى كاهن، ولا إلى وسيط بشري، ولا إلى مكان مقدس، ولا إلى طقوس أو أعمال. الرب يسوع المسيح دفع الثمن كاملاً على الصليب، ووعدُ الإله قاطع وواضح:
ما يخلّصك ليس ألفاظ هذه الصلاة — بل الإيمان الذي في قلبك بأن الرب يسوع المسيح مات لأجلك وقام من الأموات. لكن إن أردت أن تعبّر عن إيمانك بكلمات صادقة، اقرأ هذه الصلاة بقلب خاشع وكأنك تخاطب الإله الحيّ:
صلاة الخلاص
«أيّها الإله العظيم القدّوس المُحِبّ، الإله الحقيقيّ الوحيد،
آتي إليك الآن بكل تواضع، معترفاً أنّي خاطئ. لقد كسرت وصاياك مرّاتٍ كثيرة في فكري وفي كلامي وفي أعمالي. وأعرف أنّ خطيّتي تستحقّ الموت الأبديّ والانفصال عنك إلى الأبد. لا أملك أيّ عملٍ صالحٍ أقدّمه يستطيع أن يفدي نفسي، ولا أيّ برٍّ من ذاتي أستر به عُريي أمام قداستك.
لكنّي أؤمن من كلّ قلبي بشهادة كلمتك أنّ ابنك الوحيد، الرب يسوع المسيح، مات على الصليب من أجل خطاياي — حاملاً عنّي العقوبة التي كنت أستحقّها. أؤمن أنّه دُفن، وأنّه قام من الأموات في اليوم الثالث، حيّاً منتصراً على الموت والقبر، وأنّه حيٌّ الآن إلى أبد الآبدين.
في هذه اللحظة المباركة، أنا أقبل الرب يسوع المسيح مخلّصاً شخصياً لي. أتّكل عليه وحده — لا على أعمالي، ولا على ديني، ولا على طقوسٍ ولا على إنسانٍ ولا على ملاكٍ ولا على قدّيس. على الرب يسوع المسيح وحده، وعلى دمه الكريم المسفوك على الصليب، أبني رجاء خلاصي الأبدي.
أشكرك يا أبي لأنّك قبلتني الآن في الرب يسوع المسيح، وغفرت لي كلّ خطاياي، وأعطيتني الحياة الأبدية هبةً مجانيّةً بنعمتك. أشكرك لأنّك أرسلت روحك القدوس ليسكن في قلبي، شاهداً لي بأنّي صرت ابنك. أعطني نعمةً أن أعرفك أكثر يوماً بعد يومٍ، وأن أحيا بقيّة حياتي لمجدك وحدك.
أصلّي هذا كلّه باسم ربّي ومخلّصي يسوع المسيح، بقوّة الروح القدس. آمين.»
بعد أن صلّيت — ما العمل الآن؟
إن صلّيت هذه الصلاة من قلبٍ مؤمنٍ صادق، فقد حدثت في هذه اللحظة أعظم معجزةٍ في تاريخك كلّه: انتقلت من الموت إلى الحياة، ومن الظلمة إلى النور، ومن مملكة الخطية إلى ملكوت ابن الإله الحبيب. صرتُ ابنًا للإله الحيّ، ووعد الإله نفسه يضمن لك ذلك بكلمته الموثوقة:
لاحظ معي قوّة هذا الوعد: «أعطاهم سلطاناً» — أي حقّاً ثابتاً مضموناً، لا أمنيةً ولا احتمالاً. ولاحظ كلمة «المؤمنون باسمه» — ليس «الذين عملوا أعمالاً عظيمة»، ولا «الذين أتمّوا الطقوس»، بل ببساطة «المؤمنون». أنت الآن واحدٌ منهم — بكلّ تأكيدٍ ويقين.
وإليك خمس خطوات بسيطة تثبّتك في حياتك الجديدة مع الرب يسوع المسيح:
أولاً — اقرأ الكتاب المقدس يومياً. ابدأ بإنجيل يوحنا، ثمّ تابع بقيّة العهد الجديد، ثمّ المزامير والأمثال. الإله يتكلّم معك من خلال كلمته كما يتكلّم الأب مع ابنه. لا تقرأ بسرعة — اقرأ بتأمّلٍ وصلاة. «اَلصَّبِيُّ الَّذِي مُنْذُ الطُّفُولِيَّةِ تَعْرِفُ الْكُتُبَ الْمُقَدَّسَةَ، الْقَادِرَةَ أَنْ تُحَكِّمَكَ لِلْخَلاَصِ» (تيموثاوس الثانية ٣: ١٥).
ثانياً — صلِّ يومياً. كلّم الإله كأبٍ محبّ — ليس بألفاظٍ محفوظة، بل بكلامٍ من قلبك. شاركه أفراحك وأحزانك وأسئلتك ومخاوفك. الصلاة هي تنفّس الحياة المسيحية. «صَلُّوا بِلاَ انْقِطَاعٍ» (تسالونيكي الأولى ٥: ١٧).
ثالثاً — انضمّ إلى كنيسةٍ تؤمن بالكتاب المقدّس. لا تسير في الطريق وحدك. الإيمان ينمو في شركة المؤمنين، حيث الكلمة تُكرز بأمانة، والمعمودية والعشاء الربّاني يُمارسان بحسب الكتاب. «غَيْرَ تَارِكِينَ اجْتِمَاعَنَا» (العبرانيين ١٠: ٢٥).
رابعاً — اعتمد بحسب الكتاب المقدّس. المعمودية ليست شرطاً للخلاص، لكنّها الخطوة الأولى للطاعة بعد الإيمان. هي إعلانٌ علنيّ بأنّك متّ مع الرب يسوع المسيح ودُفنت معه وقمت معه إلى حياةٍ جديدة. «مَنْ آمَنَ وَاعْتَمَدَ خَلَصَ» (مرقس ١٦: ١٦) — الإيمان أوّلاً، ثمّ المعمودية كثمرة طبيعيّة للإيمان.
خامساً — اشهد للآخرين عن الرب يسوع المسيح. ما اختبرته من خلاصٍ ومحبّة لا يمكن أن يبقى مكتوماً. ابدأ بأقربائك وأصدقائك. اروِ لهم ببساطة وصدق كيف غيّر الرب يسوع المسيح حياتك. «اَلَّذِي رَأَيْنَاهُ وَسَمِعْنَاهُ نُخْبِرُكُمْ بِهِ» (يوحنا الأولى ١: ٣).
وأخيراً، تذكّر دائماً أنّ خلاصك ليس مبنياً على شعورك ولا على عمل تعمله — بل على وعد الإله الذي لا يتغيّر:
«كَتَبْتُ هذَا إِلَيْكُمْ أَنْتُمُ الْمُؤْمِنِينَ بِاسْمِ ابْنِ اللهِ لِكَيْ تَعْلَمُوا أَنَّ لَكُمْ حَيَاةً أَبَدِيَّةً»
— يوحنا الأولى ٥: ١٣
لاحظ: «لِكَيْ تَعْلَمُوا» — ليس لكي ترجو، ولا لكي تتمنّى، ولا لكي تنتظر بقلقٍ يوم الدينونة. بل لكي تعلم بيقينٍ كاملٍ ثابتٍ لا يتزعزع أنّ لك حياةً أبديّة. هذا هو الفرق بين كلّ دياناتٍ العالم وبين إنجيل الرب يسوع المسيح: الأديان تقول «اعمل وربّما تخلص» — وكلمة الإله وحدها تقول: «آمن واعلم أنّك مخلّص».
«يَكُونُ فَرَحٌ قُدَّامَ مَلاَئِكَةِ اللهِ بِخَاطِئٍ وَاحِدٍ يَتُوبُ» — لوقا ١٥: ١٠