English Version  |  النسخة العربية

إشعياء ٥٣ — الردّ على اعتراضات اليهود: الجواب الكامل على دعوى " يهود من أجل اليهوديّة"

Isaiah 53 — Answering the Jewish Objections: A Full Reply to the Jews for Judaism Case — أساسيات الإيمان المسيحي

د. جوزيف سلوم11٬930 كلمة

إشعياء ٥٣ — جوابٌ على اعتراضات «يهود من أجل اليهوديّة»

صديقي، هذا المقال محاجّةٌ مفصّلة. هو ليس تأمّلًا في الإصحاح — التأمّل في مقالٍ مرافقٍ بعنوان «إشعياء ٥٣: الخادم الجريح والحبّ الذي لا ينتهي» — بل هو دفاعٌ عقليّ، نقطةً نقطة، عن القراءة المسيانيّة لإشعياء ٥٣، في وجه أقوى الاعتراضات التي يطرحها كُتّاب تيّار مناهضة التبشير اليهوديّ.

سنأخذ أربعةً وعشرين اعتراضًا، تستوعب كامل ما تطرحه «يهود من أجل اليهوديّة» على إشعياء ٥٣ في مقالتَيها معًا: «تفنيد مؤامرة الإصحاح المحظور» للحاخام بن تسيون كرافيتس، و«إشعياء ٥٣ — وجهة نظرٍ يهوديّة»؛ ومعها اعتراضاتٌ من كُتّابٍ آخرين في التيّار ذاته — موقع «أيش»، وموقع «اليهوديّة الجاذبة»، والحاخام توڤيا سينغر، وغيرهم. ومنهجنا في كلّ اعتراضٍ ثابت: نذكر الاعتراض كما كتبه أصحابه بالضبط؛ ثم نُجيب عليه إجابةً متعدّدة الطبقات من النصّ العبريّ؛ ثم — وهنا يكمن الفرق — نتوقّع الردّ المضادّ الذي سيردّ به الطرف الآخر على جوابنا، ونُجيب عليه هو أيضًا. لأنّ الدفاع الحقّ لا يكتفي بأن يقول كلمته، بل يَسبق الخصم إلى كلمته.

قبل أن نبدأ — كلمةٌ إلى الأخ الباحث عن الحقّ

صديقي، إن كنتَ قد وصلتَ إلى هذا المقال، فأنتَ على الأرجح إنسانٌ لا يكتفي بالعاطفة وحدها. أنتَ تريد أن تفحص. تريد أن تسمع أقوى ما يُقال ضدّ القراءة المسيانيّة لإشعياء ٥٣، وأقوى ما يُقال دفاعًا عنها، ثم تحكم بنفسك. هذا موقفٌ شريف، ونحن نحترمه عميقًا. سفر الأمثال نفسه يقول: «الأَوَّلُ فِي دَعْوَاهُ مُحِقٌّ، فَيَأْتِي رَفِيقُهُ وَيَفْحَصُهُ» (أمثال ١٨: ١٧). فهذا المقال هو «الرفيق الذي يأتي ويفحص».

هذا المقال مقالٌ مرافقٌ لمقالٍ آخر — تأمّلٍ طويلٍ في إشعياء ٥٣ بعنوان «الخادم الجريح والحبّ الذي لا ينتهي». ذلك المقال للقلب؛ وهذا المقال للعقل. إن لم تكن قد قرأت التأمّل بعد، فقد تودّ أن تقرأه أوّلًا، لأنّ الصليب يُحَسّ قبل أن يُحارَب. لكن إن كان ذهنك مملوءًا بالاعتراضات، فأهلًا بك هنا تمامًا — لأنّ الاعتراضات الصادقة تستحقّ جوابًا صادقًا، مفصّلًا، بلا تهرّب.

سنذكر كلّ اعتراضٍ بأمانةٍ كاملة، كما كتبه أصحابه بالضبط، لا كما نتمنّى أن يكونوا قالوه. ثم نُجيب عليه إجابةً متعدّدة الطبقات. ثم — وهذا هو الأهمّ — نتوقّع الردّ المضادّ، أي الاعتراض الذي سيردّ به الطرف الآخر على جوابنا، ونُجيب عليه هو أيضًا. هكذا يعمل المحامي أمام المحكمة: لا يكفيه أن يُقدّم حجّته، بل عليه أن يَسبق خصمه إلى اعتراضه ويُفنّده قبل أن يُقال. والمحامي الأمين لا يُخفي أقوى ما عند خصمه؛ بل يضعه في أوضح صورةٍ ممكنة، ثم يُجيب عنه. هكذا نصنع هنا: لن نُضعِف اعتراضًا لِيَسهُل ردُّه؛ بل سنُقوّيه إلى أقصى صورةٍ صاغه بها أصحابه، ثم نُجيب.

وفلتكن نبرة هذا المقال نارًا ومحبّةً معًا. نارًا، لأنّ الحقّ يستحقّ أن يُدافَع عنه بكلّ قوّة. ومحبّةً، لأنّ الإنسان الذي نُكلّمه — الأخ اليهوديّ الذي يغار على تراثه — يستحقّ كلّ احترامٍ وكلّ ودّ. نحن لا نُحاجّ عدوًّا؛ نحن نُحاجّ أخًا نُحبّه، ونغار على أن يصل إليه الحقّ كاملًا.

الاعتراض الأوّل — لا توجد قرارات حاخاميّة تمنع قراءة أيّ جزءٍ من التناخ

الاعتراض كما يُطرَح: يقول الحاخام كرافيتس إنّ المبشّرين يدّعون وجود «مؤامرة» لإخفاء إشعياء ٥٣؛ والحقيقة أنه لا يوجد أيّ مرسومٍ حاخاميّ يحظر على أيّ يهوديّ قراءة أيّ جزءٍ من كتابه. التناخ كلّه — وإشعياء ضمنه — متاحٌ لكلّ من يريد. فدعوى «الإصحاح المحظور» باطلة.

الجواب: نحن نتّفق مع هذا الاعتراض اتّفاقًا كاملًا — بل نُصرّ نحن عليه قبل الحاخام. لا يوجد «إصحاحٌ محظور». لا يوجد ختمٌ ولا مرسومٌ ولا تحريم. أيّ يهوديّ يستطيع أن يفتح التناخ في هذه اللحظة ويقرأ إشعياء ٥٣. ومن قال لك إنّ هناك «منعًا» فقد أخطأ، ونحن نُصحّح هذا الخطأ بأنفسنا، صراحةً، في صدر هذا المقال وفي المقال المرافق له. فإن كان كلّ ما يريد الحاخام إثباته هو أنه «لا يوجد منعٌ رسميّ»، فقد أثبته، ونحن نشهد له به.

لكن لاحظ بدقّةٍ ما الذي يفعله هذا الاعتراض: إنه يردّ على تهمةٍ لم نُوجّهها — تهمة «المنع الرسميّ» — ويترك السؤال الحقيقيّ بلا جواب. هذا ما يُسمّيه أهل المنطق «مغالطة رجل القشّ»: أن يبني المرء خصمًا وهميًّا سهل الإسقاط، فيُسقطه، ويظنّ أنه أسقط الخصم الحقيقيّ. نحن لم نقل «مؤامرة»؛ قلنا «إغفال». والفرق بينهما هو الفرق بين تهمةٍ وملاحظة. التهمة تحتاج إلى نيّةٍ خفيّة؛ أمّا الملاحظة فتكفيها واقعةٌ ظاهرة. والواقعة الظاهرة هي: أنّ يهوديًّا مواظبًا على الكنيس طوال حياته، يسمع الهفطارة كلّ سبت، وتمرّ عليه دورة القراءات النبويّة سنةً بعد سنة، لا يسمع إشعياء ٥٣ مقروءًا علنًا ولو مرّةً واحدة — لأنّ الدورة تقفز من إشعياء ٥٢: ١٢ إلى ٥٤: ١، فتتخطّى المقطع الذي بينهما (٥٢: ١٣–٥٣: ١٢). هذه حقيقةٌ لا ينكرها الحاخام نفسه. فالكلمة الصحيحة ليست «محظور»، بل «مُغفَل» أو «مُتخطًّى» من دورة القراءة العلنيّة. ونحن نستعمل الكلمة الصحيحة.

وهنا نتوقّع الردّ المضادّ: سيقول الحاخام: «لكنّ الإغفال من دورة القراءة لا يعني شيئًا؛ فمعظم سفر إشعياء، بل معظم الأنبياء، غير مُدرَجٍ في الهفطارة. الدورة قصيرةٌ بطبيعتها ولا تتّسع لكلّ شيء.» وهذا ردٌّ وجيهٌ في ظاهره، ونحن نأخذه على محمل الجدّ. لكنه لا يصمد أمام سؤالٍ واحد: من بين كلّ المقاطع غير المُدرَجة، لماذا هذا المقطع بالذات هو الأعمق لاهوتيًّا والأكثر تطابقًا مع موتٍ نيابيٍّ وقيامة؟ نحن لا نقول إنّ كلّ مقطعٍ مُغفَلٍ يُخفي سرًّا. نقول إنّ مقطعًا واحدًا بعينه — هو أدقّ وصفٍ لخادمٍ بلا خطيّةٍ يُجلَد ويصمت ويموت ويُدفَن مع غنيٍّ ثم يرى نسلًا — هو الغائب عن المنبر. وحين يكون الغائب هو هذا بالذات، فمن حقّ الباحث الأمين أن يسأل: لماذا؟ نحن لا نتّهم؛ نحن نسأل. والسؤال يبقى قائمًا بعد أن يسقط لفظ «المؤامرة». بل إنّ المقاطع المحيطة بإشعياء ٥٣ مباشرةً — الإصحاح ٥٢ والإصحاح ٥٤ — كلاهما مقروءٌ في الهفطارة. فالدورة تقترب من الإصحاح من الجهتَين، ثم تقفز فوقه وحده. وهذا النمط — لا «المنع»، بل هذا النمط الدقيق — هو ما يطلب تفسيرًا.

الاعتراض الثاني — القراءات النبويّة نشأت في زمن أنطيوخوس لسببٍ بريء

الاعتراض كما يُطرَح: يقول الحاخام إنّ القراءات النبويّة الأسبوعيّة (الهفطارة) وُضِعت في القرن الثاني قبل الميلاد، حين منع الملك اليونانيّ أنطيوخوس اليهودَ من قراءة التوراة؛ فاختار الحكماء مقاطع من الأنبياء تُشارك التوراة موضوعها، لكي لا تُنسى القراءة التوراتيّة الممنوعة. والمقاطع المختارة تتبع دورة التوراة السنويّة ومناسبات السنة وأسابيع التعزية بعد ذكرى خراب الهيكل؛ وإشعياء ٥٣ لم يُختَر لأنه لا يتناول التعزية تحديدًا.

الجواب: هذا تفسيرٌ تاريخيٌّ معقول، ونحن لا نُنازع في أصله. نعم، هكذا نشأت الهفطارة على الأرجح، ونعم، المقاطع اختيرت لتُطابق موضوعات التوراة والمناسبات. نقبل هذا كلّه. لكن لاحِظ بدقّةٍ ما الذي يُثبته هذا التفسير وما الذي لا يُثبته. إنه يُفسّر سبب اختيار المقاطع التي اختيرت. لكنه لا يُفسّر استمرار الإغفال ألفَي عامٍ بعد ذلك.

فلنُسلّم جدلًا بأنّ إشعياء ٥٣ لم يُطابق أيّ قراءةٍ توراتيّةٍ في القرن الثاني قبل الميلاد. حسنًا. لكنّ دورة الهفطارة لم تتجمّد في ذلك القرن؛ لقد نمت، وتعدّلت، وأُضيفت إليها مناسباتٌ على مرّ القرون اللاحقة. والحاخام نفسه يذكر «أسابيع التعزية السبعة» التي تُقرأ فيها مقاطع من إشعياء. فإذا كانت هناك سبعة أسابيع كاملةٍ مخصّصةٍ لقراءة إشعياء تعزيةً — وإشعياء ٥٣ يقع في قلب هذا الجزء من السفر، بين الإصحاح ٥٢ والإصحاح ٥٤ المُدرجَين كلاهما — فالسؤال يصير أحدّ: كيف اختيرت الإصحاحات المحيطة به من الجهتَين، وتُرك هو وحده في الوسط؟

وهنا نتوقّع الردّ المضادّ: سيقول الحاخام إنّ إشعياء ٥٣ «لا يتناول التعزية»، فهو نصّ ألمٍ وسحقٍ لا نصّ عزاء، ولذلك لا يُناسب أسابيع التعزية. وهذا ردٌّ ذكيّ — لكنه في الحقيقة يُسلّمنا نقطةً ثمينة. لماذا لا يُعَدّ إشعياء ٥٣ نصّ تعزية؟ لأنّ موضوعه ليس أمّةً مظلومةً تُعزّى على آلامها، بل خادمٌ فردٌ بلا خطيّةٍ يُسحَق عن خطايا غيره، ثم — في الآيات ١٠ و١١ — «يرى نسلًا تطول أيّامه» و«يُبرّر كثيرين». فإن كان الإصحاح، باعتراف الحاخام نفسه، ليس نصّ تعزيةٍ لأمّةٍ — فهذا بالضبط ما نقوله نحن: إنه ليس عن الأمّة. إنه نصّ كفّارةٍ لخادمٍ متألّمٍ يموت ويقوم. الحجّة التي سِيقت لتُفسّر غيابه تشهد، حين تُكمَل، على أنّ موضوعه من نوعٍ آخر تمامًا. ثم لاحظ مفارقةً أعمق: أسابيع التعزية موضوعها تعزية إسرائيل بعد خراب الهيكل. فلو كان إشعياء ٥٣ يصف إسرائيل المتألّمة المظلومة — كما يقول الاعتراض الجماعيّ — لكان أنسب نصٍّ على الإطلاق لأسابيع التعزية! فكيف يكون النصّ، في الوقت ذاته، «عن إسرائيل المتألّمة» وغير صالحٍ لأسابيع تعزية إسرائيل؟ الموقفان لا يجتمعان. إمّا أنّ الإصحاح عن إسرائيل المتألّمة فيصلح للتعزية، وإمّا أنه ليس عنها. واختيار التقليد ألّا يضعه في التعزية يُرجّح الثاني.

الاعتراض الثالث — لو كانت هناك مؤامرة لما أُدرِج إشعياء ٩: ٦

الاعتراض كما يُطرَح: يقول الحاخام إنه لو تآمر الحاخامات لإخفاء النبوءات التي يدّعي المسيحيون أنها عن المسيح، لما أدرجوا إشعياء ٩: ٦ — «يُولَد لنا ولد» — في هفطارة «يِثرو» كما هو معتاد في كثيرٍ من الجماعات؛ فإدراجهم له يُثبت أنه لا توجد مؤامرةٌ لإخفاء النصوص المسيانيّة. والحاخامات يعلمون أنّ إشعياء ٩: ٦، حين يُقرأ في سياقه، يُفهَم عن الملك حزقيا، لا عن المسيح.

الجواب: هذا اعتراضٌ ذكيّ، ونحن نتقبّله بكلّ سرورٍ — بل نشكر الحاخام عليه، لأنه يُوضّح نقطةً مهمّة. نعم، إدراج إشعياء ٩: ٦ يُثبت أنه لم تكن هناك مؤامرةٌ شاملةٌ منظّمةٌ لإخفاء كلّ نصٍّ ذي نَفَسٍ مسيانيّ. ونحن — ولْيكن هذا واضحًا تمامًا — لا نتبنّى نظريّة المؤامرة الشاملة، ولم نتبنَّها قطّ.

لكن انظر كيف ترتدّ هذه الحجّة ذاتها لتُقوّي موقفنا بدل أن تُضعفه. لماذا أمكن إدراج إشعياء ٩: ٦ بلا حرج؟ الجواب في مقالة الحاخام نفسها: لأنّ إشعياء ٩: ٦، كما يقول، يمكن أن يُقرأ عن الملك حزقيا. أي إنه نصٌّ قابلٌ لإعادة التوجيه إلى شخصيّةٍ يهوديّةٍ تاريخيّة، فلا يُسبّب إحراجًا حين يُقرأ علنًا. وهذا بالضبط هو الفرق الجوهريّ. إشعياء ٥٣ ليس قابلًا لإعادة التوجيه بالسهولة نفسها. خادمٌ بلا خطيّةٍ يُجلَد، ويصمت، ويُقطَع من أرض الأحياء، ويُدفَن مع غنيّ، ثم يرى نسلًا ويُطيل أيّامه، ويُبرّر كثيرين — هذا الوصف لا يلتصق بحزقيا، الذي أخطأ (٢ ملوك ٢٠) ومات ميتةً عاديّةً ولم يُبرّر أحدًا.

وهنا نتوقّع الردّ المضادّ: سيقول الحاخام: «لكنّ هذا يعني فقط أنّ إشعياء ٥٣ أصعب تطبيقًا على فردٍ يهوديٍّ تاريخيّ — لا أنّ فيه إحراجًا. وغيابه عن الهفطارة سببه الموضوع لا الإحراج.» حسنٌ، لكنّ هذا الردّ يُعيدنا إلى النقطة ذاتها من زاويةٍ أخرى. أنتَ تقول إنّ إشعياء ٩: ٦ سهل التطبيق على حزقيا، وإشعياء ٥٣ صعب التطبيق على أيّ ملكٍ يهوديّ. ممتاز — هذا ما نقوله. النصّ الذي «يُفلت» إلى شخصيّةٍ مُريحةٍ أُدرِج، والنصّ الذي «يَعصِي» على كلّ تأويلٍ مُريحٍ بقي في الظلّ. نحن لا نزعم أنّ أحدًا اجتمع وقرّر الإخفاء؛ نزعم فقط أنّ النمط واضح: ما أمكن توجيهه قُرئ، وما عَصِيَ على التوجيه لم يُقرأ. والباحث الأمين يسأل: ولماذا يَعصِي إشعياء ٥٣ على كلّ تأويلٍ إلا واحدًا — خادمٌ فردٌ بلا خطيّةٍ يموت نيابةً ثم يقوم؟

الاعتراض الرابع — درج 4Q176 يدحض المؤامرة الحاخاميّة

الاعتراض كما يُطرَح: يقول الحاخام إنّ من بين مخطوطات البحر الميّت درجًا يُسمّى 4Q176، يُعرف أيضًا بـ«4QTanhumim» أي «مقاطع التعزية»، يجمع نصوصًا من إشعياء قُرئت تعزيةً عن خراب الهيكل. وهذا الدرج لا يتضمّن إشعياء ٥٣. وبما أنّ مخطوطات قُمران تنتمي إلى طائفةٍ يهوديّةٍ غير حاخاميّة، فإنّ غياب إشعياء ٥٣ عن درج التعزية يدحض دعوى أنّ الحاخامات «أخرجوا» الإصحاح؛ فهو لم يكن مُدرَجًا حتى عند طائفةٍ غير حاخاميّة.

الجواب: نعم، نقبل هذا، ونقبله بفرح. درج 4Q176 يدحض فعلًا فكرة المؤامرة الحاخاميّة — ونحن أصلًا لا نتبنّى فكرة المؤامرة. فإن كان الحاخام يستشهد بهذا الدرج ليُسقط نظريّة «إخراج الحاخامات للإصحاح»، فقد أسقطها، ونحن نوافقه.

لكن دعنا نُكمل ما بدأه هذا الدرج، لأنّ الاستشهاد به توقّف عند نصف الاستنتاج. ماذا يقول لنا 4Q176 فعلًا، حين نُكمل قراءته؟ يقول إنّ طائفةً يهوديّةً قديمة — سابقةً على اليهوديّة الحاخاميّة بقرون — جمعت مقاطع التعزية من إشعياء، ولم تُدرج إشعياء ٥٣ بينها. أي إنّ إشعياء ٥٣ لم يكن يُصنَّف «نصّ تعزية» حتى قبل الحاخاميّة. وهذا يُسقط حجّةً، ويُبقي — بل يُضاعف — حجّة.

يُسقط القول إنّ الحاخامات «أخرجوه»؛ فهو لم يكن داخلًا في تصنيف التعزية أصلًا. لكنه يُبقي السؤال الحقيقيّ قائمًا بقوّةٍ أكبر: لماذا لم يُصنَّف إشعياء ٥٣ يومًا — لا قبل الحاخاميّة ولا بعدها، لا عند القُمرانيّين ولا عند الربّانيّين — بين نصوص التعزية للأمّة؟ الجواب الأمين أمام النصّ هو الجواب الذي يتّسق مع كلّ الأدلّة: لأنّ إشعياء ٥٣ ليس نصّ تعزيةٍ لأمّةٍ مظلومة. إنه نصّ كفّارةٍ لخادمٍ متألّمٍ يموت عن خطايا غيره. وحتى الطائفة التي كتبت 4Q176 شعرت، فيما يبدو، أنّ هذا الإصحاح من جنسٍ آخر.

بل إنّ في مخطوطات قُمران ما هو أبلغ من هذا الصمت. ففي مخطوطة إشعياء الكبيرة من قُمران (1QIsaa) — وهي أقدم نسخةٍ كاملةٍ لدينا من سفر إشعياء، تعود إلى نحو ١٢٥ قبل الميلاد — إشعياء ٥٣ موجودٌ كاملًا، حرفًا حرفًا، قبل ميلاد الرب يسوع المسيح بأكثر من قرن. فالطائفة التي لم تُدرج الإصحاح في «مقاطع التعزية» هي نفسها التي حفظت نصّه كاملًا غير منقوص. إنها لم تُغفله جهلًا به؛ أغفلته من تصنيف التعزية وهي تعرفه تمام المعرفة. وهذا يُقوّي ملاحظتنا: لم يكن إشعياء ٥٣ يومًا «نصّ عزاءٍ لأمّة» في وعي اليهود القدماء أنفسهم.

وهنا نتوقّع الردّ المضادّ: سيقول قائل: «لكن غياب إشعياء ٥٣ عن درج تعزيةٍ بعينه قد يكون مجرّد مصادفةٍ في اختيار النسّاخ، أو لأنّ الدرج ناقصٌ ومتآكل.» وهذا اعتراضٌ منهجيٌّ سليم، نأخذه بجدّيّة. ولذلك نحن لا نبني على 4Q176 وحده. بل نُلاحظ أنّ الصورة نفسها تتكرّر في كلّ مكان: لا الهفطارة الحاخاميّة أدرجته في التعزية، ولا قُمران أدرجته في التعزية. حين يغيب نصٌّ واحدٌ عن مصدرٍ واحد، فتلك مصادفة. أمّا حين يغيب النصّ ذاته، باستمرار، عن كلّ تصنيفات «التعزية» في تقليدَين يهوديَّين مستقلَّين تفصل بينهما قرونٌ وخلافاتٌ عقائديّة — فذلك نمطٌ يطلب تفسيرًا. والتفسير الذي يُفسّر النمط كلّه دفعةً واحدةً هو أنّ موضوع إشعياء ٥٣ ليس تعزية أمّة، بل كفّارة فرد. والدرج الذي استُشهِد به ضدّ القراءة المسيانيّة يشهد لها، حين يُكمَل.

الاعتراض الخامس — الكتاب المقدّس يدعو إسرائيل «خادم الرب» مرارًا

الاعتراض كما يُطرَح: هذا أقوى اعتراضٍ في الباب كلّه، ويطرحه الحاخام كرافيتس وموقع «أيش» والحاخام توڤيا سينغر بقوّة. يقولون: مَن يقرأ سفر إشعياء من بدايته يجد أنّ «إسرائيل» تُدعى صراحةً «عبد الرب» — «أَمَّا أَنْتَ يَا إِسْرَائِيلُ عَبْدِي» (إشعياء ٤١: ٨)، و«أَنْتَ عَبْدِي. يَا إِسْرَائِيلُ» (إشعياء ٤٤: ٢١)، و«أَنْتُمْ شُهُودِي... وَعَبْدِيَ الَّذِي اخْتَرْتُهُ» (إشعياء ٤٣: ١٠). ويقول الحاخام سينغر إنّ إشعياء ٥٣ هو الرابع في سلسلة «أناشيد الخادم»، وإنه «متّصلٌ اتّصالًا عضويًّا» بما قبله، وإنّ الخادم في الأناشيد الثلاثة السابقة هو إسرائيل صراحةً ومرارًا. فلماذا يتغيّر المعنى فجأةً في الإصحاح ٥٣؟

الجواب: هذا اعتراضٌ جوهريّ، ويستحقّ جوابًا جوهريًّا متعدّد الطبقات، لا مراوغة.

الطبقة الأولى: نحن نُقرّ تمامًا بأنّ إسرائيل تُدعى «عبد الرب» في إشعياء ٤١ و٤٣ و٤٤ وغيرها. لا نُنكر هذا؛ بل نُؤكّده ونبني عليه. لكنّ الكلمة الواحدة قد تحمل في السفر الواحد دورَين متمايزَين، والسياق هو الحَكَم. والدليل على ذلك من إشعياء نفسه: في إشعياء ٤٢: ١٩ يصف «العبد الذي هو إسرائيل» بأنه «مَنْ هُوَ أَعْمَى إِلاَّ عَبْدِي، أَوْ أَصَمُّ كَرَسُولِيَ الَّذِي أُرْسِلُهُ؟» — عبدٌ أعمى أصمّ، عبدٌ يحتاج هو نفسه إلى الفداء والشفاء. فهل الخادم في إشعياء ٥٣ — الذي «لَمْ يَعْمَلْ ظُلْمًا، وَلَمْ يَكُنْ فِي فَمِهِ غِشٌّ» — هو نفسه ذلك العبد الأعمى الأصمّ؟ مستحيلٌ منطقيًّا. النصّ نفسه، في السفر نفسه، يصف عبدَين متمايزَين: أمّةً مكسورةً عمياء تحتاج إلى الردّ، وفردًا كاملًا بلا عيبٍ يقوم بالردّ. فمجرّد ورود كلمة «عبد» لا يحسم الهويّة؛ السياق يحسمها.

الطبقة الثانية: أناشيد الخادم في إشعياء تُميّز الخادم الفرد عن الأمّة تمييزًا صريحًا. في إشعياء ٤٩: ٥-٦ يقول الخادم عن نفسه إنه مُرسَلٌ «لِيُرَدَّ إِلَيْهِ يَعْقُوبُ» و«لِتُقِيمَ أَسْبَاطَ يَعْقُوبَ، وَتَرُدَّ مَحْفُوظِي إِسْرَائِيلَ». الخادم الذي مهمّته أن «يَرُدّ يعقوب» و«يُقيم أسباط يعقوب» لا يمكن منطقيًّا أن يكون هو يعقوب نفسه. لا يُرسَل أحدٌ ليُخلّص نفسه. هنا، في قلب أناشيد الخادم ذاتها، طرفان: خادمٌ يَرُدّ، وأمّةٌ تُرَدّ.

الطبقة الثالثة: الخادم في إشعياء ٥٣ بلا خطيّة — «لَمْ يَعْمَلْ ظُلْمًا». لكنّ إشعياء يصف الأمّة، في سفره نفسه، بأنها «أُمَّةٌ خَاطِئَةٌ، شَعْبٌ ثَقِيلُ الإِثْمِ» (إشعياء ١: ٤). فالأمّة التي يصفها إشعياء بثِقَل الإثم لا يمكن أن تكون هي الخادم الذي يصفه إشعياء بانعدام الظلم. الوصفان متناقضان، ولا يجتمعان في موصوفٍ واحد.

الطبقة الرابعة — حجّة «أناشيد الخادم الأربعة» تنكسر على إشعياء ٤٢: يقول الحاخام سينغر إنّ إشعياء ٥٣ متّصلٌ عضويًّا بأناشيد الخادم السابقة، وإنّ الخادم فيها كلّها هو إسرائيل. لكن لاحظ بدقّةٍ ما الذي يصنعه حين يَعُدّ تلك الأناشيد: إنه يستشهد بإشعياء ٤١ و٤٤ و٤٩ — ويتجاوز إشعياء ٤٢. ولماذا يتجاوزه؟ لأنّ نشيد الخادم في إشعياء ٤٢ يصف الخادم بأنه «لاَ يَصِيحُ وَلاَ يَرْفَعُ وَلاَ يُسْمِعُ فِي الشَّارِعِ صَوْتَهُ»، خادمًا يُخرِج الحقّ للأمم ويكون «نُورًا لِلأُمَمِ» — ثم في الإصحاح نفسه (٤٢: ١٩) يصف العبد إسرائيل بأنه أعمى أصمّ. ففي إشعياء ٤٢ بالذات يقف الخادمان جنبًا إلى جنب: خادمٌ بارّ نورٌ للأمم، وعبدٌ أعمى هو الأمّة. ولذلك يتجنّب الاعتراض الاستشهاد بإشعياء ٤٢: لأنّ هذا الإصحاح وحده يكفي لهدم دعوى أنّ «خادم الأناشيد» شخصٌ واحد هو إسرائيل. سلسلة الأناشيد نفسها تُميّز خادمًا من خادم.

وهنا نتوقّع الردّ المضادّ: سيقول الحاخام إنّ إشعياء ٤٩: ٣ يحسم الأمر لصالحه، إذ يقول «أَنْتَ عَبْدِي إِسْرَائِيلُ الَّذِي بِهِ أَتَمَجَّدُ» — فالخادم في النشيد نفسه يُسمّى «إسرائيل» صراحةً. وهذا اعتراضٌ قويّ، نواجهه مباشرةً ولا نتهرّب منه. نعم، الآية ٣ تُسمّي الخادم «إسرائيل». لكن اقرأ الآيتَين التاليتَين مباشرةً (٤٩: ٥-٦): هذا «الإسرائيل» نفسه مُرسَلٌ «لِيُرَدَّ إِلَيْهِ يَعْقُوبُ». فلو كان «إسرائيل» في الآية ٣ هو الأمّة، لصار المعنى: «الأمّة مُرسَلةٌ لتَرُدّ الأمّة» — وهذا دَوَرانٌ فارغٌ بلا معنى. الحلّ الوحيد المتّسق مع النصّ هو أنّ الخادم يُسمّى «إسرائيل» لأنه «إسرائيل الحقيقيّة» — الفرد الذي يُجسّد ويُتمّم ما عجزت الأمّة عن إتمامه، ويَرُدّ الأمّة إلى الرب. الاسم نفسه، دوران مختلفان؛ والسياق — وخاصّةً مهمّة «ردّ يعقوب» — يفصل بينهما فصلًا حادًّا لا لبس فيه. فالآية التي ظُنّ أنها تحسم الاعتراض هي نفسها التي تحسمه ضدّه.

الاعتراض السادس — التناخ يتكلّم عن الأمّة بصيغة المفرد، فالخادم المفرد هو الأمّة

الاعتراض كما يُطرَح: يقول الحاخام إنّ من المألوف في التناخ أن يُشار إلى أمّة إسرائيل كأنها فردٌ واحد — كما في «فَاجْتَمَعَ كُلُّ الشَّعْبِ كَرَجُلٍ وَاحِدٍ» (نحميا ٨: ١). بل في إشعياء ٤٣: ١٠ يُذكَر الشعب أوّلًا بالجمع «أنتم شهودي» ثم بالمفرد «عبدي». فصيغة المفرد التي يُوصَف بها الخادم في إشعياء ٥٣ لا تُثبت أنه فردٌ بعينه؛ فقد تكون الأمّة مُشخَّصةً.

الجواب: هذه ملاحظةٌ صحيحةٌ في ذاتها، ونحن نُسلّم بها بلا تردّد: نعم، التناخ يستخدم أحيانًا صيغة المفرد للأمّة. هذه قاعدةٌ لغويّةٌ معروفة. لكنّ المسألة في إشعياء ٥٣ ليست مجرّد ورود صيغة مفردٍ نحويّة — المسألة أنّ النصّ يضع المفرد والجمع في الجملة الواحدة، متقابلَين، متمايزَين، على طرفَي فعلٍ واحد.

تأمّل الفرق. «فاجتمع كلّ الشعب كرجلٍ واحد» تشبيهٌ بسيط: الشعب كلّه فعل شيئًا واحدًا معًا، فشُبِّه برجلٍ واحد. لا يوجد في الجملة طرفان؛ يوجد طرفٌ واحد (الشعب) شُبِّه بمفرد. لكنّ إشعياء ٥٣ لا يقول شيئًا من هذا القبيل. يقول: «ضُرِبَ مِنْ أَجْلِ ذَنْبِ شَعْبِي». هنا «هو» في جهة، و«شعبي» في جهةٍ أخرى، والضرب يقع على الأوّل من أجل ذنب الثاني. ويقول: «أَحْزَانَنَا حَمَلَهَا»، «وَبِحُبُرِهِ شُفِينَا» — فمَن «نحن» الذين حُمِلت أحزانهم وشُفُوا؟ ومَن «هو» الذي حمل وبه شُفُوا؟ الحامل ليس هو المحمول، والشافي ليس هو المشفيّ.

لو كان الخادم هو الأمّة، لصار معنى الآية الثامنة: «الأمّة ضُرِبت من أجل ذنب الأمّة»، ومعنى الآية الرابعة: «الأمّة حملت أحزان الأمّة وبجراح الأمّة شُفِيت الأمّة». وهذا دَوَرانٌ فارغ، يُفرّغ النصّ من معناه. صيغة المفرد للأمّة قد تصحّ حين تقف الأمّة وحدها في الجملة؛ أمّا حين يقف «هو» مقابل «نحن» و«شعبي» في النصّ ذاته، على طرفَي فعل الحمل وفعل الشفاء، فالمفرد هنا شخصٌ مُتميّزٌ عن الجماعة، لا الجماعة نفسها.

وهنا نتوقّع الردّ المضادّ: سيقول المعترض: «بل المتكلّمون بـ"نحن" هم الأمم، وهم يعترفون بأنّ إسرائيل تألّمت من أجلهم؛ فـ"هو" إسرائيل، و"نحن" الأمم، والطرفان موجودان فعلًا لكن بهذا التوزيع.» وهذا أقوى صورةٍ للاعتراض، ونُجيب عنها مباشرةً. لاحظ أنّ القرينة الفاصلة موجودةٌ في النصّ: في الآية الثامنة يقول المتكلّم «ذَنْبِ شَعْبِي». ضمير المتكلّم «شعبي» يُحدّد هويّة المتكلّم. ومَن هو هذا المتكلّم؟ في كلّ سفر إشعياء، عبارة «شعبي» على لسان النبيّ أو على لسان الرب تعني إسرائيل، شعب الرب — لا الأمم. لا يوجد في إشعياء موضعٌ واحد تقول فيه الأممُ «شعبي» وتعني إسرائيل. فالمتكلّم في الإصحاح يهوديّ — إشعياء ومن معه — وهو يقول إنّ الخادم ضُرِب من أجل ذنب «شعبي»، أي ذنب إسرائيل. وهكذا يبقى الطرفان: خادمٌ متميّز، وشعبٌ هو إسرائيل. أمّا قراءة «الأمم تتكلّم»، فتنكسر على كلمةٍ واحدةٍ صريحة: «شعبي».

الاعتراض السابع — السابقة «مِن» تعني أنّ إسرائيل تألّمت «من» ظلم الأمم

الاعتراض كما يُطرَح: هذا أدقّ اعتراضٍ لغويٍّ في الباب، ويطرحه الحاخام كرافيتس بوضوح. يقول: إنّ المسيحيين يُترجمون السابقة العبريّة «ميم» (מ) في إشعياء ٥٣: ٥ بـ«لأجل/عن»، فيصير المعنى أنّ الخادم جُرح «عن» خطايانا نيابةً. والترجمة الصحيحة — كما تقول الترجمة اليهوديّة الحديثة (NJPS) وحتى بعض الترجمات المسيحيّة كـ«أكسفورد المشروحة» — هي «مِن/بسبب»: «مجروحٌ بسبب معاصينا». فالمعنى أنّ إسرائيل جُرحت «من» عنف الأمم، لا أنها كفّرت عن أحد. والمتكلّمون هم الأمم تعترف بأنها هي التي ظلمت اليهود.

الجواب: هذا أقوى اعتراضٍ في المقالة، فلنُعطه أدقّ جواب، طبقةً طبقة.

الطبقة الأولى — اللغة: نحن لا نُنكر أنّ السابقة العبريّة «מ» تحتمل المعنيَين. هذه حقيقةٌ لغويّة، ونحن أمناء فنُقرّ بها. السابقة «מ» مدى دلالتها واسع: قد تعني «مِن» (المباعدة)، وقد تعني «بسبب»، وقد تعني «نتيجةً لـ». فالحسم لا يأتي من السابقة وحدها معزولة — الحسم يأتي من السياق. ومن يبني تفسيرًا كاملًا على معنًى واحدٍ مُختارٍ لحرفٍ مُحتمَلٍ للوجهَين، فقد بنى على أساسٍ هشّ. هذا ينطبق علينا وعليهم معًا — ولذلك ننظر إلى السياق.

الطبقة الثانية — السياق يحسم لصالح النيابة: النصّ لا يقول فقط إنّ الخادم «جُرح»؛ يقول أكثر من ذلك بكثير. يقول «تَأْدِيبُ سَلاَمِنَا عَلَيْهِ» — أي إنّ العقوبة (التأديب) التي تُحقّق سلامنا نحن، وقعت «عليه هو». هذه ليست لغة ضحيّةٍ تتألّم من معتدٍ؛ هذه لغة نقلِ عقوبةٍ من طرفٍ إلى طرف. ويقول «وَالرَّبُّ وَضَعَ عَلَيْهِ إِثْمَ جَمِيعِنَا» — والفعل العبريّ هنا (הִפְגִּיעַ) يعني أنّ الرب «أوقع» الإثم عليه، حمّله إيّاه، جعله يلتقي به. الرب — لا الأمم — هو الفاعل؛ والخادم هو الموضوع عليه؛ والإثم إثمنا نحن. ثلاثة عناصرٍ لا تتركّب إلا في معنى النيابة. فحين يكون السياق مشبَعًا بلغة «التأديب عليه» و«الرب وضع عليه إثم جميعنا»، تُحسَم السابقة «מ» في الآية ٥ لصالح المعنى البديليّ، لا المعنى المجرّد «بسبب».

الطبقة الثالثة — لو سلّمنا «بسبب» جدلًا: هَب أنّ مُصرًّا أصرّ على ترجمة «بسبب» في الآية ٥. هل تنهار القراءة المسيانيّة؟ كلّا. لأنّ الصورة الكبرى لا تتغيّر: يبقى في النصّ «هو» متميّزٌ عن «نحن»؛ ويبقى أنّ «تَأْدِيبَ سَلاَمِنَا» وقع «عليه»؛ ويبقى أنّ الرب «وَضَعَ عَلَيْهِ إِثْمَ جَمِيعِنَا». النيابة في إشعياء ٥٣ ليست معلّقةً على حرفٍ واحدٍ في آيةٍ واحدة — إنها منسوجةٌ في الإصحاح كلّه، من «حمل أحزاننا» في الآية ٤ إلى «يحمل آثامهم» في الآية ١١ إلى «حمل خطيّة كثيرين» في الآية ١٢. مَن يُسقط النيابة، عليه أن يُسقطها من ستّ آياتٍ لا من سابقةٍ واحدة.

وهنا نتوقّع الردّ المضادّ: سيقول الحاخام إنّ المتكلّمين هم الأمم وملوكها، بدليل إشعياء ٥٢: ١٥ «مِنْ أَجْلِهِ يَسُدُّ مُلُوكٌ أَفْوَاهَهُمْ»؛ فالملوك المذهولون هم الذين يعترفون في الإصحاح ٥٣ بأنّ إسرائيل تألّمت من ظلمهم. وهذا الردّ — وهو ركيزةٌ أساسيّةٌ عند الحاخام توڤيا سينغر — له وجاهةٌ ظاهريّة، لكنه ينكسر من ثلاث جهات. الأولى: إشعياء ٥٢: ١٥ يقول إنّ الملوك «يَسُدّون أفواههم» — أي يصمتون ذهولًا. فكيف يكون الإصحاح ٥٣ هو كلامهم، وقد قيل عنهم للتوّ إنهم سَدُّوا أفواههم؟ النصّ يصفهم صامتين، لا ناطقين؛ فأن نجعل الإصحاح كلّه خطابًا لهم هو أن نجعل الصامتين خطباء. الثانية: المتكلّم يقول «شعبي» (٥٣: ٨)، و«شعبي» في كلّ إشعياء تعني إسرائيل، لا الأمم. فلو كان المتكلّم ملوك الأمم، لقالوا «شعوبنا» أو «أممنا»، لا «شعبي». الثالثة: المتكلّم يقول «مَنْ صَدَّقَ خَبَرَنَا» (٥٣: ١) — وهذا «الخبر» في العبريّة هو البلاغ الذي يحمله أنبياء إسرائيل؛ والذي يتحسّر على أنّ خبره لم يُصدَّق هو النبيّ ومن معه من شعبه، لا ملوك الأمم. فلا الملوك ينطقون (لأنهم سدّوا أفواههم)، ولا «شعبي» تعني أمَمهم، ولا «خبرنا» خبرهم. المتكلّم يهوديّ يعترف باسم شعبه: نحن ضللنا كغنم، وهو حمل إثمنا. والنيابة قائمةٌ سواء قرأنا «מ» بهذا المعنى أو ذاك.

الاعتراض الثامن — «لامو» كلمةٌ جمعٌ، فهي «هم» أي إسرائيل لا «هو»

الاعتراض كما يُطرَح: هذا أشهر اعتراضٍ لغويٍّ على القراءة المسيانيّة، ويطرحه الحاخام كرافيتس وموقع «أيش» وموقع «اليهوديّة الجاذبة» والحاخام سينغر بثقةٍ شديدة. يقولون: في إشعياء ٥٣: ٨ «ضُرِبَ مِنْ أَجْلِ ذَنْبِ شَعْبِي»، الكلمة العبريّة الأخيرة هي «لامو» (לָמוֹ). و«لامو» — كما يقولون — كلمةٌ جمعٌ دائمًا، تعني «لهم»، ولا تُشير قطّ إلى فردٍ واحد. فالمعنى الحرفيّ: «الضربة لهم» — أي للأمّة. وبما أنّ الكلمة جمعٌ، فالخادم جمعٌ، أي الأمّة، لا فردًا، فلا يمكن أن يكون المسيح. ويقول الحاخام سينغر إنّ النبيّ يتكلّم عن الخادم «بالمفرد وبالجمع معًا»، وإنّ الكنيسة غيّرت «هم» إلى «هو» لتجعل النصّ مسيانيًّا.

الجواب: نُجيب بأمانةٍ كاملة، ثم بحزم. ونُجيب على ستّ طبقات.

الطبقة الأولى — الإقرار الأمين: صيغة «لامو» في الشعر العبريّ موضع نقاشٍ حقيقيٍّ بين الدارسين. هي تُستعمل في أكثر مواضعها بمعنى الجمع، هذا صحيح. فلن نُنكر أنّ المعنى الجمعيّ وارد. لكنّ القول إنها «جمعٌ دائمًا، لا تُشير قطّ إلى فرد» قولٌ مبالَغٌ فيه، وغير دقيق، كما سنرى.

الطبقة الثانية — «لامو» نفسها تُستعمل للمفرد: الدليل من إشعياء نفسه. في إشعياء ٤٤: ١٥ يصف صانع الوثن: «يصنع وثنًا ويسجد لـ"لامو"» — والوثن المذكور مفردٌ واحد. ولذلك يُترجمها كثيرون «يسجد له» (للوثن المفرد). بل إنّ الحاخام الكبير «راداك» (الرابي داڤيد قمحي) نفسه، في تعليقه على إشعياء ٤٤: ١٥، يُقرّ بأنّ «لامو» هناك تساوي «لو» (له، مفرد). فإذا كانت «لامو» تحتمل المفرد في إشعياء ٤٤ — باعتراف أحد كبار المفسّرين اليهود أنفسهم — فهي تحتمله في إشعياء ٥٣؛ ومجرّد ورودها لا «يحسم الأمر بما لا يدع مجالًا للشكّ» كما يُقال.

الطبقة الثالثة — لاحقة «مو» تأتي مفردةً في العبريّة: اللاحقة العبريّة «مو» (ـמוֹ)، التي منها «لامو»، تأتي في الشعر العبريّ بمعنى المفرد في مواضع عدّة، وقد أحصاها كبار علماء النحو العبريّ. النحويّ غيزينيوس، في نحوه العبريّ المرجعيّ، وكذلك قواعد «يوون-موراوكا»، يُورِدان أمثلةً تكون فيها لاحقة «مو» مفردةً لا جمعًا: «پانيمو» في مزمور ١١: ٧ تعني «وجهَه» (مفرد)، و«كاپّايمو» في أيّوب ٢٧: ٢٣ تعني «كفَّيه» (مفرد)، وكذلك موضع أيّوب ٢٢: ٢. فاللاحقة التي عليها مدار الاعتراض ليست جمعًا حصريًّا؛ هي في الغالب جمعٌ، لكنها تأتي مفردةً، وهذا مُثبَتٌ في أوثق المراجع النحويّة العبريّة — لا في مرجعٍ مسيحيّ.

الطبقة الرابعة — قراءة السبعينيّة ومخطوطة قُمران: المترجمون اليهود الذين نقلوا إشعياء إلى اليونانيّة في الترجمة السبعينيّة، قبل المسيحيّة بقرنَين، قرأوا هذا الموضع لا «لهم» بل «إلى الموت» — كأنهم رأوا «لامافِت» (لِموت). وفي مخطوطة إشعياء الكبيرة من قُمران، الصيغة في هذا الموضع على الأرجح صيغةٌ مبنيّةٌ للمجهول تعني «ضُرِب لأجلهم/عنهم» — أي ضربةٌ نيابيّة. فأقدم الشهود النصّيّين — وكلّهم يهود، سابقون على المسيحيّة — لا يقرأون الموضع بالطريقة التي يبني عليها الاعتراض كلّه. ودعوى أنّ «الكنيسة غيّرت النصّ» تنكسر هنا تمامًا: النصّ العبريّ الذي بين أيدينا هو النصّ الماسوريّ الذي حفظه يهودٌ، والكنيسة لا سلطان لها عليه؛ ومخطوطة قُمران اليهوديّة، السابقة للمسيحيّة، تشهد للقراءة النيابيّة. مَن يتّهم «الكنيسة بتغيير النصّ» عليه أن يُفسّر كيف شهدت مخطوطةٌ يهوديّةٌ كُتبت قبل المسيحيّة بقرنٍ ونصف للقراءة ذاتها.

الطبقة الخامسة — الكلمة الواحدة لا تقلب الإصحاح: وهذه طبقةٌ حاسمة. هَب أنّنا سلّمنا، جدلًا، بأنّ «لامو» جمعٌ هنا. هل ينقلب الإصحاح؟ كلّا. أوّلًا، لأنّ الجملة المحيطة تحسم المعنى: «ضُرِب من أجل ذنب شعبي» — وكلمة «شعبي»، مفردةً صريحةً في الإضافة، تضع طرفًا (الشعب المذنب) في مقابل طرفٍ (المضروب). ثانيًا، لأنّ الإصحاح كلّه مكتوبٌ بصيغة المفرد عن الخادم في عشرات المواضع: «نبت كفرخ»، «لا صورة له»، «محتقَر»، «لم يفتح فاه»، «قبره»، «موته»، «يرى نسلًا تطول أيّامه». فهل يُعقَل أن تُلغى عشرات صيغ المفرد الصريحة، بسبب كلمةٍ واحدةٍ مُختلَفٍ في إعرابها أصلًا؟ القاعدة المنهجيّة في كلّ تفسيرٍ رصين: الغامض يُحمَل على الواضح، لا الواضح على الغامض. الكلمة الواحدة المُحتمَلة تُفسَّر في ضوء العشرات الصريحة — لا العكس.

الطبقة السادسة — حتى الترجمة اليهوديّة الرسميّة لا تُنقذ الاعتراض: وهذه طبقةٌ يغفل عنها كثيرون. الترجمة اليهوديّة المعتمَدة لجمعيّة النشر اليهوديّة (JPS) تُترجم إشعياء ٥٣: ٨ نفسها بصيغة المفرد عن الخادم — «لأنه قُطِع من أرض الأحياء». فالاعتراض القائل إنّ «الكنيسة غيّرت هم إلى هو» يصطدم بأنّ الترجمة اليهوديّة الرسميّة نفسها، التي لا سلطان للكنيسة عليها، تقرأ الموضع عن فردٍ مفرد. الخلاف إذًا ليس بين «كنيسةٍ محرّفة» و«يهوديّةٍ أمينة»؛ الخلاف داخل البيت اليهوديّ نفسه، بين ترجمةٍ يهوديّةٍ وأخرى. وهذا يُسقط دعوى التحريف من أساسها.

وهنا نتوقّع الردّ المضادّ: سيقول المعترض إنّ تحوّل النصّ من المفرد إلى الجمع في الآية ٨ بالذات «إشارةٌ مقصودة» من النبيّ إلى أنّ الخادم جماعة، وأنّ عشرات صيغ المفرد مجرّد «تشخيصٍ شعريّ» للأمّة. ونردّ: هذا تفسيرٌ يفترض ما هو مطلوبٌ إثباته. لماذا نفترض أنّ كلمةً واحدةً مُختلَفًا فيها هي «المفتاح المقصود»، ونفترض أنّ عشرات التعبيرات الصريحة مجرّد «تشخيص»؟ المنهج المعكوس هو الصواب: الكثرة الساحقة الصريحة هي القاعدة، والكلمة النادرة المُحتمَلة تُحمَل عليها. ولو أراد النبيّ أن يقول «جماعة»، لكان أبسط الطرق أن يستعمل صيغة الجمع الصريحة في الإصحاح كلّه — لا أن يكتب عشرات صيغ المفرد ثم يُخفي «مفتاحه» في لاحقةٍ شعريّةٍ مُلتبسةٍ يختلف حولها النحويّون. الجزء لا يهدم الكلّ؛ والكلمة المُلتبسة لا تُسقط الإصحاح الصريح.

الاعتراض التاسع — حتى المفسّرون الذين قالوا إنه المسيّا قصدوا تخفيف عقوبةٍ جماعيّة، لا الموت عن الخطيّة

الاعتراض كما يُطرَح: يقول الحاخام كرافيتس: صحيحٌ أنّ بعض المفسّرين اليهود رأوا الخادم مسيّا، لكنّهم رأوه كذلك على «المستوى التأويليّ» فقط، بينما التفسير «المباشر» عند جميع المفسّرين اليهود هو أنّ الخادم إسرائيل. ومن رأى منهم أنه المسيّا قصد أنّ المسيّا، بصفته فردًا من الأمّة، يحمل جزءًا من عقوبة الأمّة ويُخفّفها — كما حمل بنو قهات مسؤوليّة حمل التابوت نيابةً عن الشعب (عدد ٤: ١٩-٢٠)، وكما تُدعى إسرائيل قُبَيل الإصحاح «حاملي آنية الرب» (إشعياء ٥٢: ١١). ويُضيف الحاخام أنّ تخفيف عقوبةٍ جماعيّة شيء، وإزالة الخطيّة شيءٌ آخر؛ ولا يوجد تفسيرٌ يهوديٌّ يقول إنّ المسيّا يموت عن خطايانا أو إنّ علينا أن نؤمن به لننتفع.

الجواب: هنا نقف بمحبّةٍ ووضوح، ونُجيب على خمس طبقات.

الطبقة الأولى — شكرٌ على إقرارٍ ثمين: نشكر الحاخام، لأنه أقرّ بأمرٍ كثيرًا ما يُنكَر: أنّ هناك مفسّرين يهودًا — لا واحدًا ولا اثنين — قرأوا الخادم على أنه المسيّا. هذا الإقرار يهدم دعوى أنّ القراءة المسيانيّة بدعةٌ مسيحيّة. الترجوم اليوناثاني يضع كلمة «المسيّا» في إشعياء ٥٢: ١٣ صراحةً. والتلمود في سنهدرين ٩٨ب يربط المسيّا بـ«رجل الأوجاع» مستندًا إلى إشعياء ٥٣: ٤. والقراءة المسيانيّة كانت في البيت اليهوديّ قبل أن تصير في الجدال المسيحيّ.

الطبقة الثانية — دعوى «التفسير المباشر» تحتاج تدقيقًا: يقول الحاخام إنّ التفسير «المباشر» عند «جميع» المفسّرين هو أنّ الخادم إسرائيل. وهذا غير دقيقٍ تاريخيًّا. حتى عام ١٠٠٠ ميلاديًّا تقريبًا، لا نجد مصدرًا حاخاميًّا واحدًا يطرح القراءة الجماعيّة صراحةً. بل إنّ أوّل مصدرٍ مكتوبٍ يَنسب إلى اليهود القراءة الجماعيّة لإشعياء ٥٣ هو مصدرٌ مسيحيّ — الكاتب أوريجانوس في القرن الثالث، في «الردّ على كلسوس»، إذ يذكر أنّ مُحاوريه اليهود طبّقوا النبوءة «على الشعب كلّه كأنه فردٌ واحد». فأقدم شاهدٍ على وجود القراءة الجماعيّة هو شاهدٌ من خارج اليهوديّة، في سياق الجدال مع المسيحيّة. والقراءة الجماعيّة المنهجيّة لإشعياء ٥٣ ارتبطت باسم راشي (١٠٤٠–١١٠٥)، وهو نفسه — في تعليقه — يشهد بأنّ معلّمين قبله قرأوها عن المسيّا. بل إنّ مفسّرين كبارًا، مثل أبراڤانيل، يذكران القراءة المسيانيّة بوصفها خيارًا تقليديًّا جدّيًّا قائمًا. فالقول إنّ الجماعيّة هي «التفسير المباشر دائمًا» يقلب التسلسل التاريخيّ: المسيانيّة أقدم، والجماعيّة جاءت لاحقًا، في زمن الجدال الحادّ مع المسيحيّة.

الطبقة الثالثة — مثال بني قهات يخدم النيابة لا يهدمها: الحاخام يستشهد ببني قهات (عدد ٤: ١٩-٢٠) الذين حملوا التابوت في خطرٍ نيابةً عن الشعب لئلّا يموت أحدٌ سواهم. لكن تأمّل: هذا المثال نفسه جوهره النيابة — فردٌ (أو فئة) يحمل عبئًا خطِرًا عن غيره لئلّا يهلك الغير. فالحاخام، وهو يُحاجّ ضدّ النيابة، يستشهد بمثالٍ من النيابة! والفارق الوحيد أنّ بني قهات حملوا تابوتًا (شيئًا خارجيًّا)، أمّا خادم إشعياء ٥٣ فحمل الإثم نفسه: «وَالرَّبُّ وَضَعَ عَلَيْهِ إِثْمَ جَمِيعِنَا»، «وَآثَامُهُمْ هُوَ يَحْمِلُهَا». فإذا كان حمل التابوت نيابةً مقبولًا في الفكر اليهوديّ، فحمل الإثم نيابةً — وهو ما يقوله النصّ صراحةً — ليس غريبًا على التناخ. بل إنّ شريعة موسى كلّها مبنيّةٌ على هذا المبدأ: ذبيحةٌ بريئةٌ تموت عن مذنبٍ، ودمٌ يُسفَك تكفيرًا، ويدٌ تُوضَع على رأس الذبيحة لِنقل الذنب.

الطبقة الرابعة — النصّ يرفع المعنى من «تخفيف» إلى «كفّارةٍ كاملة»: وهنا الفصل الحاسم. يقول الحاخام إنّ تخفيف العقوبة الجماعيّة ليس كإزالة الخطيّة. صحيح — لكنّ إشعياء ٥٣ لا يتكلّم عن مجرّد «تخفيف». انظر إلى ألفاظ النصّ نفسه: يقول إنّ الخادم «يُبَرِّرُ كَثِيرِينَ» — والتبرير في الكتاب إعلانٌ قضائيٌّ بالبراءة الكاملة، لا تخفيفًا جزئيًّا. ويقول إنه «جَعَلَ نَفْسَهُ ذَبِيحَةَ إِثْمٍ» — والكلمة العبريّة «آشام» مصطلحٌ تقنيٌّ في شريعة موسى يعني ذبيحةً تُكفّر عن الذنب وتُزيله، لا تُخفّفه. ويقول «حَمَلَ خَطِيَّةَ كَثِيرِينَ». النصّ نفسه — لا المسيحيّ — يرفع المعنى من «تخفيفٍ جزئيّ» إلى «ذبيحة إثمٍ» و«تبريرٍ تامّ». فمن يقصر الإصحاح على «التخفيف» يقرأ في النصّ ما ليس فيه، ويتجاهل أوضح كلماته.

الطبقة الخامسة — «ولا أحد دُعِيَ ليؤمن به»: يقول الحاخام إنه لا يوجد تفسيرٌ يهوديٌّ يدعو إلى الإيمان بالخادم. لكنّ النصّ نفسه يفتتح بسؤالٍ عن الإيمان: «مَنْ صَدَّقَ خَبَرَنَا؟» (٥٣: ١). السؤال عن مَن «صدّق» — أي مَن آمن بالبلاغ. والإصحاح يصف فريقَين: فريقًا «حسبه مضروبًا من الإله» فأخطأ، وفريقًا أدرك أنه «جُرح لأجل معاصينا» فأصاب. الفرق بين الفريقَين هو الإيمان بحقيقة الخادم. فدعوة الإيمان ليست مُقحَمةً على النصّ؛ هي مفتتَحه.

وهنا نتوقّع الردّ المضادّ: سيقول الحاخام إنّ «ذبيحة إثم» (آشام) قد تُستعمل مجازًا، وإنّ «يُبرّر كثيرين» قد تعني مجرّد أنّ مثال الخادم الصالح يُلهم كثيرين إلى الصلاح. ونردّ: هذا تأويلٌ يُضعِف لغة النصّ بلا مسوّغ. كلمة «آشام» في شريعة موسى لها معنًى محدّدٌ صارم: ذبيحةٌ فيها نقلُ ذنبٍ وكفّارة. وحين يختار النبيّ هذه الكلمة بالذات، وهو العارف بالشريعة، فالأصل حملها على معناها الطقسيّ المعروف، لا على مجازٍ مُخفَّف. و«يُبرّر» في العبريّة فعلٌ قضائيّ — مقابله «يُدين» — ولا يعني «يُلهم». والأهمّ: النصّ لا يقول إنّ الخادم «قدوةٌ صالحة»؛ يقول إنه «حمل آثامهم» و«وُضع عليه إثم جميعنا». القدوة الصالحة لا «تُحمَل عليها آثام» الآخرين. اللغة لغة نقلٍ وكفّارة، لا لغة إلهامٍ وقدوة. والتأويل المُخفِّف هو الذي يُغادر النصّ، لا نحن.

الاعتراض العاشر — الخادم جذب الجموع، فلم يكن «محتقَرًا ومخذولًا»

الاعتراض كما يُطرَح: يطرح موقع «أيش» اعتراضًا لافتًا: إشعياء ٥٣: ٣ يصف الخادم بأنه «مُحْتَقَرٌ وَمَخْذُولٌ مِنَ النَّاسِ». لكنّ الأناجيل تصف الرب يسوع المسيح بأنّ «جموعًا كثيرة» تبعته، حتى اضطرّ أن يركب سفينةً لئلّا يزحموه (مرقس ٣: ٧-٩)، وأنه كان «مُمَجَّدًا من الجميع» (لوقا ٤: ١٥). فكيف يكون «محتقَرًا ومخذولًا» وهو محبوبٌ من الجموع؟ هذا تناقضٌ — كما يقول الاعتراض — بين النبوءة وحياة الرب يسوع المسيح.

الجواب: هذا اعتراضٌ يبدو قويًّا للوهلة الأولى، لكنه ينهار حين نقرأ نبوءة إشعياء كاملةً وحياة الرب يسوع المسيح كاملةً.

أوّلًا: إشعياء نفسه لا يصف الخادم بالاحتقار الدائم فحسب؛ إنه يصفه في حالتَين متقابلتَين. في إشعياء ٥٢: ١٣ الخادم «يَتَعَالَى وَيَرْتَقِي وَيَتَسَامَى جِدًّا»، وفي ٥٢: ١٥ «يَنْضِحُ أُمَمًا كَثِيرِينَ» و«ملوكٌ يَسُدّون أفواههم» أمامه. ثم في ٥٣: ٣ هو «محتقَرٌ ومخذول». فالنبوءة نفسها تجمع التعالي والاحتقار في خادمٍ واحد. فإذا كان إشعياء يصف خادمًا له لحظة جذبٍ ومجدٍ ولحظة احتقارٍ ورفض، فإنّ حياة الرب يسوع المسيح — التي فيها جموعٌ تتبعه ثم جمعٌ يصرخ «اصلبه» — تُطابق النبوءة لا تُناقضها.

ثانيًا: «الاحتقار والخذلان» في إشعياء ٥٣ يتركّز في ساعة الآلام، لا في كلّ لحظةٍ من الخدمة. والأناجيل صريحةٌ في هذا: الجموع التي هتفت له يوم دخوله أورشليم هي نفسها — أو من جنسها — التي تخلّت عنه بعد أيّام. تلاميذه أنفسهم هربوا. بطرس أنكره ثلاثًا. ووقف وحيدًا أمام بيلاطس. «أَتَى إِلَى خَاصَّتِهِ، وَخَاصَّتُهُ لَمْ تَقْبَلْهُ» (يوحنا ١: ١١). الجذب المؤقّت لا يُلغي الرفض النهائيّ؛ بل النبوءة تتوقّع كلَيهما.

ثالثًا: لاحظ أنّ هذا الاعتراض، حين يُحاجّ به موقع «أيش»، يفترض ضمنًا أنّ الخادم فردٌ تُقاس عليه حياة الرب يسوع المسيح — وهذا تنازلٌ عن القراءة الجماعيّة. فإن كان الاعتراض يقارن الخادم بشخص الرب يسوع المسيح تفصيلًا تفصيلًا (هل جُذبت إليه الجموع؟)، فهو يُعامل الخادم كفرد، لا كأمّة. والأمّة لا «تُحتقَر ثم تُمجَّد من الجموع» بالمعنى الشخصيّ الذي يفترضه الاعتراض. الاعتراض يُسلّم، من حيث لا يقصد، بأنّ النصّ يصف فردًا.

وهنا نتوقّع الردّ المضادّ: سيقول المعترض إنّ كلمة «مخذول» العبريّة (חֲדַל) تعني «مهجورًا» هجرًا دائمًا، فلا تتّسق مع فترة جذبٍ للجموع أصلًا. ونردّ: الكلمة العبريّة في ٥٣: ٣ تصف مَن يَكُفّ الناسُ عنه ويُعرِضون، ومَن «نستر وجوهنا عنه». وهذا بالضبط ما حدث في ساعة الآلام: الذين هتفوا أعرضوا، والذين تبعوه استتروا، حتى أقرب تلاميذه «تركوه كلّهم وهربوا» (متى ٢٦: ٥٦). النبوءة لا تقول إنّ الخادم لم يُحَبّ يومًا؛ تقول إنه في ساعته الحاسمة صار متروكًا. والإنجيل يصف هذا بدقّةٍ مذهلة: من «أوصنّا» يوم الأحد إلى «اصلبه» يوم الجمعة، في خمسة أيّام. النبوءة والتاريخ يتطابقان.

الاعتراض الحادي عشر — «يرى نسلًا» تعني ذرّيّةً جسديّة، والخادم لم يُنجِب

الاعتراض كما يُطرَح: يقول موقع «يهود من أجل اليهوديّة» إنّ إشعياء ٥٣: ١٠ يقول إنّ الخادم «يَرَى نَسْلاً»، والكلمة العبريّة «زِرَع» (نسل) تعني دائمًا في التناخ الذرّيّة الجسديّة الحرفيّة (كما في تكوين ١٢: ٧؛ ١٥: ١٣). والرب يسوع المسيح مات شابًّا بلا ذرّيّةٍ جسديّة. فكيف «يرى نسلًا»؟ ويُضيفون: كيف «تطول أيّامه» إن كان قد مات شابًّا؟

الجواب: هذا الاعتراض يُعالَج بسهولةٍ من التناخ نفسه.

أوّلًا — «زِرَع» لا تعني الذرّيّة الجسديّة دائمًا: في مزمور ٢٢: ٣٠-٣١ — وهو مزمورٌ مسيانيٌّ بامتياز — تُستعمل كلمة «نسل/ذرّيّة» للذين يَخدمون الرب ويُخبَر عنهم للأجيال الآتية: «نَسلٌ يَعبُده. يُخبَر عن الرب لجيلٍ آتٍ». هذا «نسلٌ» روحيّ، لا ذرّيّةٌ جسديّةٌ حرفيّةٌ بالضرورة. فالتناخ نفسه يعرف «النسل» الروحيّ. وحين يقول إشعياء إنّ الخادم «يرى نسلًا» بعد أن سكب نفسه للموت، فالنسل هو كلّ من يُولَد روحيًّا من ثمرة موته — وهم اليوم بالملايين من كلّ أمّة.

ثانيًا — «تطول أيّامه» بعد «قُطِع من أرض الأحياء»: الاعتراض يقع في فخٍّ منطقيّ. النصّ نفسه يقول في الآية ٨ إنّ الخادم «قُطِعَ مِنْ أَرْضِ الأَحْيَاءِ» — أي مات. ثم يقول في الآية ١٠ إنه «يرى نسلًا تطول أيّامه». فكيف يموت ثم تطول أيّامه؟ لا جواب إلا واحد: القيامة. النصّ يصف خادمًا يموت ثم يحيا. فاعتراض «كيف تطول أيّام من مات شابًّا؟» هو نفسه البرهان على القيامة، لا ضدّها. الخادم الذي «قُطِع» ثم «تطول أيّامه» هو خادمٌ قام من الموت.

وهنا نتوقّع الردّ المضادّ: سيقول المعترض إنّ «قُطِع من أرض الأحياء» مجازٌ للنفي والسبي، كما تُوصَف إسرائيل في حزقيال ٣٧ بأنها «عظامٌ يابسة» في «قبور» ثم تُفتَح قبورها. وهذا الردّ له وجهٌ، لكنه ينكسر هنا: في حزقيال ٣٧ السياق يُصرّح بأنها رؤيا رمزيّةٌ للأمّة («هذه العظام هي كلّ بيت إسرائيل» — حزقيال ٣٧: ١١). أمّا إشعياء ٥٣ فلا يقول قطّ إنه يصف أمّة؛ بل يصف فردًا «قبره» (مفرد) و«موته» (في سياق الفرد)، ويُحيطه بعشرات التعبيرات المفردة. لا قرينة في إشعياء ٥٣ تجعل الموت مجازًا؛ بل القرائن كلّها — القبر، الدفن مع غنيّ، عدم الظلم، عدم الغشّ في الفم — تجعله موتًا حقيقيًّا لفردٍ حقيقيّ. وحين يحتاج المعترض أن يستعير من سفرٍ آخر (حزقيال) قرينةً غير موجودةٍ في إشعياء ٥٣ نفسه ليجعل الموت مجازًا، فهو يعترف ضمنًا بأنّ إشعياء ٥٣ في ذاته لا يحمل تلك القرينة.

الاعتراض الثاني عشر — «في موته» بصيغة الجمع («موتاته») تعني أمّة

الاعتراض كما يُطرَح: يُلاحظ بعض المعترضين أنّ إشعياء ٥٣: ٩، في العبريّة، يقول حرفيًّا «في موتاته» (بِموتاو — بصيغة الجمع)، لا «في موته». ويقولون: صيغة الجمع «موتات» تدلّ على كثرةٍ من الموتى — أي أمّةٌ ماتت كثيرًا عبر التاريخ، لا فردٌ مات مرّةً واحدة.

الجواب: هذا اعتراضٌ لغويٌّ دقيق، ونحن نأخذه بجدّيّة، ونُجيب عنه من قواعد العبريّة نفسها.

أوّلًا — الجمع المُكثِّف في العبريّة: العبريّة تستعمل صيغة الجمع لا للعدد فقط، بل للتكثيف والتفخيم. هذه ظاهرةٌ معروفةٌ لكلّ دارسٍ للعبريّة. كلمة «إلوهيم» (الله) جمعٌ في صيغتها، وتدلّ على واحد. وكلمة «رَحَميم» (مراحم/رحمة) جمعٌ، وتدلّ على رحمةٍ واحدةٍ مكثّفة. وكلمة «حَيِّيم» (حياة) جمعٌ في صيغتها. وصيغة الجمع في «موتاته» جمعٌ مُكثِّفٌ يدلّ على موتٍ عنيفٍ شديد — لا على تعدّد الأشخاص.

ثانيًا — الدليل الحاسم من حزقيال ٢٨: هذا هو الردّ القاطع. في حزقيال ٢٨: ١٠ يقول الرب لملك صور: «مَوتات (جمع) الغُلف تموت (مفرد)». الكلمة «موتات» جمعٌ، والمخاطَب فردٌ واحدٌ (ملك صور)، والفعل «تموت» مفرد. فالعبريّة نفسها تستعمل «موتات» الجمع لوصف موت فردٍ واحد. هذا يُثبت بما لا يقبل الجدل أنّ صيغة الجمع «موتاته» في إشعياء ٥٣: ٩ لا تستلزم تعدّد الأشخاص؛ هي تصف موتًا عنيفًا لفردٍ واحد، تمامًا كما في حزقيال ٢٨. ولاحظ المفارقة: المعترض يقرأ صيغة الجمع «موتاته» دليلًا على الأمّة، بينما حزقيال — وهو نبيٌّ عبريّ — يستعمل الصيغة ذاتها لفردٍ واحد. فالعبريّة تُفسّر العبريّة.

ثالثًا: لاحظ أنّ الاعتراض الثامن (لامو) والاعتراض الثاني عشر (موتاته) يقومان معًا على المنهج نفسه: انتزاع كلمةٍ واحدةٍ ذات صيغة جمعٍ شعريّةٍ أو مُكثِّفة، وبناء التفسير الجماعيّ كلّه عليها، رغم عشرات التعبيرات المفردة الصريحة في الإصحاح. والمنهج السليم واحد: الكلمة المُحتمَلة تُفسَّر في ضوء الكثرة الصريحة، لا العكس. كلمتان مُختلَفٌ فيهما لا تُسقطان عشرات الشواهد الصريحة.

وهنا نتوقّع الردّ المضادّ: سيقول المعترض إنّ النصّ يقول أيضًا في الآية ٨ «ضُرِب» بصيغةٍ قد تُقرأ جمعًا، فتجتمع قرائن الجمع. ونردّ: حتى لو تعدّدت المواضع المُحتمَلة للجمع، فإنّ كلًّا منها مُحتمَلٌ للوجهَين، وكلٌّ منها يُفسَّر بالقاعدة ذاتها — الغامض على الواضح. والإصحاح يحسم نفسه بنفسه: يقول «قبره» (قبرٌ واحد)، ويقول «لم يكن في فمه غشّ» (فمٌ واحد)، ويقول «جعل نفسه ذبيحة إثم» (نفسٌ واحدة). أمّة بكاملها ليس لها «قبرٌ» واحد ولا «فمٌ» واحد. تراكُم المفرد الصريح — قبرٌ، فمٌ، نفسٌ، منظرٌ، صورةٌ — يحسم أنّ الموصوف فردٌ، وأنّ صيغ الجمع القليلة فيه جموعٌ تكثيفيّةٌ على عادة العبريّة.

الاعتراض الثالث عشر — حزقيال ١٨: ٢٠ يقول إنّ الابن لا يحمل إثم الأب، فالكفّارة النيابيّة ممنوعةٌ في التوراة

الاعتراض كما يُطرَح: هذا من أقوى الاعتراضات التي يطرحها كُتّاب مناهضة التبشير، ويُلوّح به الحاخام توڤيا سينغر خاصّةً. يقولون: التوراة نفسها تُحرّم أن يموت بريءٌ عن مذنب. النبيّ حزقيال يُعلن صراحةً: «اَلنَّفْسُ الَّتِي تُخْطِئُ هِيَ تَمُوتُ. اَلابْنُ لاَ يَحْمِلُ مِنْ إِثْمِ الأَبِ، وَالأَبُ لاَ يَحْمِلُ مِنْ إِثْمِ الابْنِ» (حزقيال ١٨: ٢٠). ويستشهدون أيضًا بسفر التثنية ٢٤: ١٦. فإذا كان الكتاب يُحرّم أن يحمل أحدٌ إثم أحد، فكيف يُقال إنّ خادمًا بريئًا حمل خطايا الآخرين؟ القراءة المسيانيّة لإشعياء ٥٣ — كما يقول الاعتراض — تُناقض شريعة الإله نفسها، فهي باطلة.

الجواب: هذا اعتراضٌ يبدو قويًّا، ويستحقّ أعمق جواب. وهو في الحقيقة سيفٌ ذو حدَّين، حين يُمسَك به جيّدًا ينقلب على صاحبه. نُجيب على خمس طبقات.

الطبقة الأولى — حزقيال ١٨ يتكلّم عن المسؤوليّة الأخلاقيّة الفرديّة، لا عن الذبيحة الكفّاريّة: اقرأ حزقيال ١٨ كاملًا، ولاحظ سياقه. كان بنو إسرائيل يقولون مثلًا شائعًا: «الآبَاءُ أَكَلُوا الْحِصْرِمَ، وَأَسْنَانُ الأَبْنَاءِ ضَرِسَتْ» (حزقيال ١٨: ٢) — أي إنهم يُعاقَبون قدريًّا على خطايا أجدادهم بلا ذنبٍ منهم، فلا فائدة من التوبة. فجاء حزقيال يردّ على هذا اليأس القدريّ، ويُعلن مبدأً عظيمًا: كلّ نفسٍ مسؤولةٌ أمام الإله عن خياراتها هي؛ التائب لا يهلك بخطيّة أبيه، والشرّير لا ينجو بِبِرّ أبيه. هذا المبدأ يتكلّم عن العدل في الحياة الأخلاقيّة العاديّة — عن أنّ الإنسان لا يُحاكَم قدريًّا بجريرة غيره. إنه لا يتكلّم إطلاقًا عن الذبيحة الكفّاريّة التي يُعيّنها الإله نفسه. حزقيال يقول: لا تُعاقَب قهرًا بذنبٍ لم تختره. وهذا حقّ. لكنّ إشعياء ٥٣ يصف أمرًا مختلفًا تمامًا: خادمًا يضع نفسه طوعًا، باختياره الحرّ، ذبيحةَ إثم. الموضوعان مختلفان: حزقيال عن عدلٍ قضائيٍّ مفروض، وإشعياء عن فداءٍ يُقدَّم طوعًا.

الطبقة الثانية — لو كان الاعتراض صحيحًا لهدم شريعة موسى كلّها: وهنا الطبقة الحاسمة. إن كان حزقيال ١٨: ٢٠ يُحرّم تحريمًا مطلقًا أن يحمل طرفٌ عاقبة طرفٍ آخر — فماذا نفعل بشريعة موسى كلّها؟ نظام الذبائح في سفر اللاويّين، الذي أمر به الإله نفسه على فم موسى، جوهره كلّه أنّ حيوانًا بريئًا يموت عن إنسانٍ مذنب. الخاطئ يضع يده على رأس الذبيحة (لاويّين ١: ٤؛ ١٦: ٢١)، فتُنقَل خطيّته رمزيًّا إليها، ثم تموت هي بدلًا عنه. ويوم الكفّارة كلّه (لاويّين ١٦) مبنيٌّ على تيسَين: واحدٌ يُذبَح، وواحدٌ يُطلَق حاملًا «كلّ آثام بني إسرائيل» إلى البرّيّة. فلو كان مبدأ «لا أحد يحمل إثم أحد» مطلقًا بلا استثناء، لكان الإله قد ناقض نفسه: لأمر بنظام الذبائح بيدٍ، وحرّمه بحزقيال باليد الأخرى. والإله لا يُناقض نفسه. فالحلّ الوحيد المتّسق: حزقيال ١٨ يتكلّم عن المسؤوليّة الأخلاقيّة الشخصيّة في الحياة العاديّة، لا عن نظام الكفّارة الذي عيّنه الإله نفسه. النيابة الكفّاريّة ليست خرقًا للتوراة — إنها قلب التوراة. وإشعياء ٥٣ لا يُناقض الشريعة؛ بل يصف ذروتها وكمالها: الذبيحة النهائيّة التي إليها أشارت كلّ ذبائح اللاويّين.

الطبقة الثالثة — الاعتراض ينقلب على القراءة الجماعيّة نفسها: وهنا ينكشف الحدّ الثاني للسيف. أصحاب هذا الاعتراض يقولون إنّ خادم إشعياء ٥٣ هو إسرائيل — وتحديدًا، كما يقول كثيرٌ منهم، «البقيّة البارّة» من إسرائيل تتألّم عن خطايا الأمم الشرّيرة، أو عن خطايا فُسّاق الأمّة. فلنُمسك الاعتراض ونُطبّقه عليهم: إن كان حزقيال ١٨: ٢٠ يُحرّم أن يحمل بريءٌ إثم مذنب، فهو يُحرّم بالقدر نفسه أن تحمل «بقيّة إسرائيل البارّة» إثم «الأمم الشرّيرة». بل إنّ تفسيرهم أسوأ حالًا أمام حزقيال: فهم لا يجعلون فردًا واحدًا بريئًا يتألّم عن المذنبين، بل جماعةً كاملةً من الأبرياء تتألّم عن جماعةٍ من الأشرار. فإن كان مبدأ حزقيال يُسقط النيابة، فهو يُسقط تفسيرهم هم أوّلًا وأشدّ. الاعتراض الذي رفعوه ليهدموا به القراءة المسيانيّة يهدم قراءتهم الجماعيّة من أساسها. فإمّا أن يتراجعوا عن استعمال حزقيال ١٨ سلاحًا — وحينها يسقط الاعتراض — وإمّا أن يُصرّوا عليه، فيسقط تفسيرهم هم. لا مَفَرّ من هذا المأزق.

الطبقة الرابعة — النيابة البديليّة مغروسةٌ في التناخ خارج إشعياء ٥٣: ليست النيابة فكرةً يتيمةً في إشعياء ٥٣ وحده. موسى نفسه عرض أن يُمحى من سفر الإله فداءً عن شعبه: «وَالآنَ إِنْ غَفَرْتَ خَطِيَّتَهُمْ، وَإِلاَّ فَامْحُنِي مِنْ كِتَابِكَ» (خروج ٣٢: ٣٢). وداود قال حين ضُرب الشعب بالوبأ: «هأَنَذَا أَخْطَأْتُ... وَأَمَّا هؤُلاَءِ الْخِرَافُ فَمَاذَا فَعَلُوا؟ فَلْتَكُنْ يَدُكَ عَلَيَّ» (٢ صموئيل ٢٤: ١٧). وفي سفر يونان، هدأ البحر حين أُلقي يونان وحده فيه نيابةً عن كلّ مَن في السفينة. والكاهن الأعظم كان يحمل أسماء الأسباط على صدره وكتفَيه أمام الإله (خروج ٢٨). فكرة أن يقف واحدٌ في الثغر عن كثيرين ليست غريبةً على التناخ؛ إنها منسوجةٌ فيه. وإشعياء ٥٣ يأخذ هذا الخيط ويرفعه إلى كماله.

الطبقة الخامسة — النيابة الطوعيّة لا تُلغي عدل حزقيال بل تُتمّمه: حزقيال يحمي مبدأً ثمينًا: ألّا يُسحَق إنسانٌ قهرًا بذنبٍ لم يفعله. وإشعياء ٥٣ لا يخرق هذا المبدأ، بل يُكمله، لأنّ الخادم لم يُكرَه. النصّ يقول: «جَعَلَ نَفْسَهُ ذَبِيحَةَ إِثْمٍ» — هو الذي جعل نفسه. ويقول إنه «سَكَبَ لِلْمَوْتِ نَفْسَهُ» — بفعله هو. لم يُؤخَذ منه شيءٌ غصبًا؛ بل أعطى. والعطاء الطوعيّ ليس ظلمًا. حين يُلقي رجلٌ بنفسه أمام سيّارةٍ ليُنقذ طفلًا، لا يقول أحدٌ إنّ «الطفل ظَلَم الرجل»؛ بل نقول إنّ الرجل أحبّ. حزقيال يُحرّم أن تُؤخَذ نفسٌ بريئةٌ قهرًا؛ وإشعياء يصف نفسًا بريئةً تُعطى حبًّا. لا تناقض بين الاثنَين — بل بينهما أجمل انسجام: العدل يقول إنّ الذنب يستحقّ عقابًا، والمحبّة تقول إنّ البريء يستطيع، بملء حرّيّته، أن يحمل ذلك العقاب عن غيره.

وهنا نتوقّع الردّ المضادّ: سيقول المعترض: «لكنّ نظام الذبائح في اللاويّين يخصّ الحيوانات، لا البشر؛ والتوراة تُحرّم ذبائح البشر تحريمًا قاطعًا. فلا يصحّ أن يكون الخادم إنسانًا يُذبَح كفّارة.» وهذا أقوى صورةٍ للردّ، ونُجيب عنه مباشرةً. أوّلًا: صحيحٌ أنّ التوراة تُحرّم تقديم البشر ذبائح على أيدي البشر — أي أن يأخذ إنسانٌ إنسانًا فيذبحه قربانًا. وهذا ليس ما في إشعياء ٥٣ إطلاقًا. في إشعياء ٥٣ ليس هناك كاهنٌ بشريٌّ يُمسك الخادم ويذبحه على مذبح؛ بل الخادم نفسه «يجعل نفسه» ذبيحة إثم، و«الرب» هو الذي «وضع عليه إثم جميعنا». إنه فعلٌ بين الخادم والإله، طوعيٌّ من الخادم، مُدبَّرٌ من الإله — لا طقسٌ وثنيٌّ يُقدّمه بشرٌ. ثانيًا: الذبائح الحيوانيّة في اللاويّين كانت كلّها رمزًا وظلًّا — دم الثيران والتيوس لا يرفع الخطيّة في ذاته، بل يُشير إلى ما هو آتٍ. والنصّ نفسه في إشعياء يكشف أنّ الرمز الحيوانيّ يُستبدَل به أخيرًا أمرٌ أعظم: «خادم» عاقلٌ بارٌّ يُتمّم ما عجز عنه دم الحيوان. فإشعياء ٥٣ لا يدعو إلى ذبيحةٍ بشريّةٍ وثنيّة؛ يصف الإله نفسه وهو يُقدّم الكفّارة الكاملة التي إليها أشار كلّ ظلٍّ قبلها. والفرق بين ذبيحةٍ بشريّةٍ وثنيّةٍ وبين هذا هو الفرق بين جريمةٍ يفعلها إنسانٌ بإنسان، وبين فداءٍ يُدبّره الإله ويُقدّمه الخادم بملء إرادته.

الاعتراض الرابع عشر — استدلالٌ دائريّ: لم يرَ أحدٌ موته «كفّارةً»، فإشعياء ٥٣ ليس برهانًا بل تأكيدٌ مصنوع

الاعتراض كما يُطرَح: يقول موقع «يهود من أجل اليهوديّة» في مقالته «إشعياء ٥٣ — وجهة نظرٍ يهوديّة» إنّ الاستدلال المسيحيّ دائريّ. حتى لو سلّمنا جدلًا بالقراءة المسيحيّة، فأقصى ما يُقال إنّ الإصحاح عن شخصٍ يموت عن خطايا غيره. وقد يكون أناسٌ رأوه يموت — لكن هل رأى أحدٌ موته «كفّارةً عن خطايا الآخرين»؟ كلّا؛ هذا معنًى أضفاه العهد الجديد على موته. فلا يمكنك أن تستنتج أنّ إشعياء تنبّأ بكفّارةٍ إلّا إذا كنتَ تؤمن مسبقًا بتفسير العهد الجديد. إذًا إشعياء ٥٣ ليس «برهانًا»، بل تأكيدٌ مصنوعٌ لمن اختار المسيحيّة سلفًا.

الجواب: هذا اعتراضٌ فلسفيٌّ ذكيّ، ونأخذه على محمل الجدّ، لأنه يلمس طبيعة البرهان النبويّ نفسه.

الطبقة الأولى: الاعتراض يخلط بين «المعاينة الحسّيّة» و«الدلالة النبويّة». صحيحٌ أنّ المعنى الكفّاريّ للموت ليس أمرًا يُرى بالعين كما يُرى الدم؛ لكنّ هذا ينطبق على كلّ نبوءةٍ تُفسَّر بحدثٍ تاريخيّ. لا أحد «يرى» أنّ مولودًا في بيت لحم هو المسيّا بمجرّد النظر؛ تُعرَف الدلالة بمطابقة الحدث للنصّ. والسؤال الصحيح ليس «هل رأى أحدٌ الكفّارة بعينه؟» بل «هل يصف إشعياء ٥٣ موتًا كفّاريًّا، وهل يُطابقه حدثٌ تاريخيّ؟». والجواب على الشطر الأوّل في النصّ ذاته: «جَعَلَ نَفْسَهُ ذَبِيحَةَ إِثْمٍ» — وذبيحة الإثم في الشريعة كفّارة. فالكفّارة ليست معنًى أضفاه العهد الجديد؛ هي في كلمات إشعياء قبل العهد الجديد بقرون.

الطبقة الثانية: الدائريّة المزعومة تنقلب على القراءة الجماعيّة بالقدر نفسه. فالقائل إنّ الخادم هو «إسرائيل المتألّمة عن الأمم» لم «يرَ» بعينه أنّ آلام إسرائيل كانت «عن» الأمم كفّارةً؛ هو أيضًا يُضفي معنًى على التاريخ. فإن كان إضفاء المعنى يُبطل القراءة المسيحيّة، فهو يُبطل القراءة اليهوديّة معها. أمّا إن كان النصّ نفسه هو الذي يُحدّد المعنى — وهو كذلك — فلننظر إلى كلماته: خادمٌ بلا ظلمٍ يُوضَع عليه إثم آخرين فيُبرّرهم. هذا المعنى في النصّ، لا في عينِ الرائي.

وهنا نتوقّع الردّ المضادّ: سيقول المعترض: «لكنّ مطابقة الحدث للنصّ نفسها انتقائيّة؛ المسيحيّ يختار من حياة المسيح ما يُطابق ويتجاهل ما لا يُطابق.» ونردّ: هذا ادّعاءٌ يُختبَر بالتفصيل، لا بالتعميم. وقد فحصنا التفاصيل في هذا المقال وفي المقال المرافق: الصمت أمام القاضي، الجَلد، الدفن مع غنيّ، انعدام الغشّ، القطع من أرض الأحياء ثم رؤية نسلٍ وطول أيّام. حين تتطابق سلسلةٌ طويلةٌ من التفاصيل الدقيقة المستقلّة في شخصٍ واحد، يسقط احتمال «الانتقاء»، لأنّ الانتقاء يُفسّر تفصيلًا أو اثنين، لا سلسلةً متكاملة. البرهان النبويّ لا يقوم على آيةٍ تُفسَّر بحدث، بل على تطابقٍ تراكميٍّ يستحيل اختلاقه.

الاعتراض الخامس عشر — تلاميذ المسيح أنفسهم لم يروا في إشعياء ٥٣ نبوءةً مسيانيّة

الاعتراض كما يُطرَح: تقول المقالة إنّ تلاميذ المسيح، تماشيًا مع التعليم اليهوديّ في زمانهم، لم يفهموا إشعياء ٥٣ نبوءةً عن مسيّا يموت. فحين أعلن بطرس أنّ الرب يسوع المسيح هو المسيّا (متى ١٦: ١٦)، ثم أُخبِر أنّه سيُقتَل (متى ١٦: ٢١)، أجاب بطرس: «حاشاك يا ربّ! لا يكون لك هذا» (متى ١٦: ٢٢). ويُستشهَد أيضًا بمرقس ٩: ٣١-٣٢ ويوحنا ٢٠: ٩. فلو كان إشعياء ٥٣ نبوءةً واضحةً عن موتٍ كفّاريّ، لما اندهش التلاميذ من ذكر الموت.

الجواب: هذا الاعتراض، حين يُدقَّق، يشهد للقراءة المسيحيّة لا ضدّها.

الطبقة الأولى: دهشة التلاميذ من فكرة مسيّا متألّمٍ يموت هي نفسها التي يصفها إشعياء ٥٣ في مفتتحه: «مَنْ صَدَّقَ خَبَرَنَا؟» — أي إنّ النبيّ نفسه يتوقّع أنّ خبره سيُستقبَل بعدم تصديق. فعدم فهم التلاميذ أوّلًا ليس دليلًا على بطلان النبوءة؛ هو تحقيقٌ لها. النبوءة تقول إنّ القليل سيُصدّق، والتاريخ يقول إنّ حتى التلاميذ لم يفهموا أوّلًا. تطابقٌ آخر.

الطبقة الثانية: الاعتراض يستشهد بيوحنا ٢٠: ٩ — «لأنهم لم يكونوا بعدُ يعرفون الكتاب: أنه ينبغي أن يقوم من الأموات». لكن لاحظ ما تقوله هذه الآية بالضبط: إنهم «لم يكونوا بعدُ يعرفون» — أي إنّ هناك ما في الكتاب كان ينبغي أن يعرفوه عن قيامته، ولم يكونوا قد أدركوه بعد. فالآية لا تنفي وجود النبوءة؛ تُثبت أنها كانت موجودةً في الكتاب، وأنّ التلاميذ تأخّروا في إدراكها. وهذا عين ما نقوله: النبوءة في إشعياء، والإدراك جاء بعد القيامة.

الطبقة الثالثة: أمّا قول بطرس «حاشاك» (متى ١٦: ٢٢)، فالنصّ نفسه يروي أنّ المسيح وبّخه على هذا الفهم تحديدًا، قائلًا إنه «لا يهتمّ بما لله بل بما للناس». فالإنجيل لا يُقدّم اعتراض بطرس قراءةً صحيحة؛ يُقدّمه خطأً صحّحه المسيح. فالاستشهاد به ضدّ القراءة المسيانيّة هو استشهادٌ بموقفٍ أدانه النصّ نفسه.

وهنا نتوقّع الردّ المضادّ: سيقول المعترض: «لكنّ المسيح نفسه طلب أن تَعبُر عنه الكأس (مرقس ١٤: ٣٦)؛ فلو كان يعلم أنّ إشعياء ٥٣ يحتّم موته الكفّاريّ، لما طلب رفع الكأس.» ونردّ: طلبه ذاته يُكمل الجملة بما يهدم الاعتراض — «وَلكِنْ لَيْسَ مَا أُرِيدُ أَنَا بَلْ مَا تُرِيدُ أَنْتَ» (متى ٢٦: ٣٩). فهو لم يطلب الإفلات من الموت؛ أخضع إرادته لإرادة الآب وسار إلى الكأس باختياره. وهذا بالضبط ما يصفه إشعياء ٥٣: ١٠: خادمٌ «يجعل نفسه» ذبيحة إثمٍ طوعًا. الرهبة البشريّة من الكأس لا تنفي الطاعة الإراديّة؛ بل النصّان — إشعياء والإنجيل — يصفان الطوعيّة ذاتها.

الاعتراض السادس عشر — السياق: إشعياء ٥٣ يقع وسط «رسائل التعزية» عن استعادة إسرائيل، والإصحاح ٥٤ يُثبت ذلك

الاعتراض كما يُطرَح: تقول المقالة: انظر إلى موضع الإصحاح. إشعياء، بعد أن أنبأ بالسبي والبلاء، يضع الإصحاح ٥٣ في قلب «رسائل التعزية» التي تتكلّم عن استعادة إسرائيل ومجدها. ففي الإصحاح ٥٢ تُوصَف إسرائيل بأنها «مظلومةٌ بلا سبب» و«مأخوذة»، ثم يَعِد الإله بمستقبلٍ مشرق. والإصحاح ٥٤ يُفصّل الفداء المنتظَر لأمّة إسرائيل، ويُختَم: «هذا هو ميراث عبيد الربّ». فبما أنّ ما قبل الإصحاح وما بعده عن أمّة إسرائيل، فالإصحاح ٥٣ عنها أيضًا.

الجواب: ملاحظة السياق صحيحةٌ ومهمّة، لكنّ الاستنتاج لا يلزم منها.

الطبقة الأولى: وجود الإصحاح وسط رسائل التعزية لا يجعل موضوعه هو الأمّة، بل يجعله سبب التعزية. السياق الأكبر هو خلاص إسرائيل ومجدها — وإشعياء ٥٣ يكشف الوسيلة التي بها يتمّ ذلك الخلاص: خادمٌ فردٌ يحمل الإثم ويُبرّر كثيرين. فالأمّة تُعزَّى لأنّ الخادم تألّم. لاحظ المنطق: لو كان الخادم هو الأمّة نفسها، لصارت التعزية «إسرائيل تتعزّى لأنّ إسرائيل تألّمت عن إسرائيل» — دَوَرانٌ فارغ. أمّا إن كان الخادم فردًا، فالتعزية لها مضمون: إسرائيل والأمم يُعزَّون لأنّ خادمًا حمل آثامهم.

الطبقة الثانية: أمّا خاتمة الإصحاح ٥٤ — «هذا هو ميراث عبيد الربّ» — فلاحظ الجمع: «عبيد» (بصيغة الجمع). وهذا فارقٌ حاسم. الإصحاح ٥٤ يتكلّم عن «عبيد الربّ» جمعًا — أي شعب الربّ. أمّا إشعياء ٥٣ فيتكلّم عن «عبدي» مفردًا — خادمٍ واحدٍ متميّز. النصّ نفسه يُميّز: الخادم الفرد في الإصحاح ٥٣، و«العبيد» الكُثُر في الإصحاح ٥٤. والإصحاح ٥٤ لا يقول إنّ ميراث العبيد جاء من تألّمهم هم، بل يصف الفداء الذي ينالونه. فمن أين يأتي ذلك الفداء؟ من الخادم الفرد في الإصحاح الذي قبله. الإصحاحان متكاملان لا متطابقان: الخادم الواحد يتألّم (٥٣)، فينال العبيد الكُثُر الميراث (٥٤).

وهنا نتوقّع الردّ المضادّ: سيقول المعترض: «لكنّ الإصحاح ٥٢ يصف إسرائيل صراحةً بأنها مظلومةٌ ومأخوذة؛ فاستمرار الكلام في ٥٣ عن متألّمٍ هو استمرارٌ في الكلام عن إسرائيل.» ونردّ: بل الإصحاح ٥٢ نفسه يصنع الانتقال. ففي ٥٢: ١٣ يبدأ كلامٌ جديدٌ صريح: «هوذا عبدي» — مفرد — «يَتعالى ويرتقي ويتسامى جدًّا»، ثم «يَنضِح أممًا كثيرين، ملوكٌ يَسُدّون أفواههم». هذا الخادم الذي تذهل منه الأمم وتصمت أمامه ملوكها ليس هو إسرائيل المظلومة المأخوذة في أوّل الإصحاح؛ إنه شخصٌ تُرفَع أمامه الأمم وتُغلَق أمامه أفواه الملوك. الإصحاح ٥٢ نفسه ينتقل من «إسرائيل المظلومة» إلى «الخادم المتعالي»، تمهيدًا للإصحاح ٥٣. فالسياق، حين يُقرأ كاملًا، يُميّز الخادم عن الأمّة بدل أن يدمجهما.

الاعتراض السابع عشر — إن كان المسيح هو الإله، فهل الإله عبدٌ لنفسه؟ وهل لمكافأةٍ أو طول أيّامٍ معنًى عند الإله؟

الاعتراض كما يُطرَح: تطرح المقالة سلسلة أسئلةٍ تقوم كلّها على لاهوت المسيح: إن كان المسيحيون يقولون إنّ المسيح هو الإله، فكيف يكون «عبد الربّ»؟ هل الإله عبدٌ لنفسه؟ وإشعياء ٥٣: ١٠ يقول إنّ الخادم «تطول أيّامه» — فكيف تطول أيّام مَن يُزعَم أنه الإله الأزليّ؟ و٥٣: ١٢ يقول إنّ الإله «يَقسِم له نصيبًا» مكافأةً — وأيّ معنًى لمكافأةٍ تُعطى للإله؟ فمفهوم العبوديّة والمكافأة وطول الأيّام كلّها تنهار إن كان الخادم هو الإله.

الجواب: هذه أسئلةٌ جوهريّة، وجوابها يكمن في حقيقة التجسّد التي يعلنها الكتاب — وهي ليست تناقضًا بل سرّ الفداء.

الطبقة الأولى — كيف يكون الإله عبدًا؟ الكتاب يُعلن أنّ الابن، وهو في صورة الإله، أخذ صورة عبدٍ وصار في شبه الناس. الخادم في إشعياء ٥٣ ليس الإله بما هو غير متجسّد؛ إنه الإله الظاهر في الجسد، متّخذًا طبيعةً بشريّةً حقيقيّةً يخدم بها ويتألّم. فالعبوديّة وُصفت للطبيعة المتّخَذة، لا لإلغاء اللاهوت. وهذا ليس تناقضًا: الواحد ذاته إلهٌ في طبيعته، عبدٌ في الصورة التي اتّخذها لأجل الفداء. النصّ يصف هذا الاتّضاع بدقّة: ذاك الذي «يَتعالى ويرتقي ويتسامى جدًّا» (٥٢: ١٣) هو نفسه الذي «لا صورة له ولا جمال» (٥٣: ٢) — تعالٍ واتّضاعٌ في شخصٍ واحد.

الطبقة الثانية — كيف تطول أيّامه؟ هذا السؤال يفترض أنّ «طول الأيّام» مستحيلٌ على المتجسّد. لكنّ الآية ذاتها تضع طول الأيّام بعد القطع من أرض الأحياء (٥٣: ٨) — أي إنّ المقصود ليس عمرًا طبيعيًّا طويلًا، بل حياةٌ بعد الموت: القيامة. فالخادم المتجسّد مات حقًّا في جسده، ثم قام، فطالت أيّامه إلى الأبد في جسد القيامة. السؤال «كيف تطول أيّام الإله؟» يخلط بين اللاهوت الأزليّ وبين الجسد المتجسّد الذي مات وقام. النصّ يصف الثاني.

الطبقة الثالثة — أيّ معنًى للمكافأة؟ الآية ١٢ لا تتكلّم عن مكافأةٍ يحتاجها الإله في ذاته، بل عن النتيجة المُعلَنة لعمل الخادم: «من أجل أنه سكب للموت نفسه... وهو حمل خطيّة كثيرين». المكافأة هنا هي ثمرة الفداء — الكثيرون المُبرَّرون — لا إضافةٌ إلى كمال اللاهوت. حين يُعطي الآب للابن المتجسّد «نصيبًا مع العظماء»، فهذا إعلانٌ عن نجاح عمله الفدائيّ، لا سدُّ نقصٍ في الإله.

وهنا نتوقّع الردّ المضادّ: سيقول المعترض: «هذا كلّه تحايلٌ لاهوتيّ؛ النصّ ببساطة يصف عبدًا بشريًّا (الأمّة)، ولا حاجة إلى لاهوتٍ معقّد عن طبيعتَين.» ونردّ: ليس النصّ هو الذي يُجبرنا على البساطة التي يقترحها؛ بل النصّ نفسه يجمع ما لا يجتمع في أمّةٍ ولا في إنسانٍ عاديّ — متعالٍ تذهل منه الأمم، ومتّضعٌ بلا جمال، وبلا خطيّة، يموت ويُدفَن ثم تطول أيّامه ويُبرّر كثيرين. هذه الأوصاف مجتمعةً تتطلّب شخصًا يجمع السماويّ والأرضيّ — وهذا بالضبط ما يعلنه الكتاب عن الرب يسوع المسيح. اللاهوت ليس مفروضًا على النصّ؛ النصّ هو الذي يستدعيه. والأبسط ليس دائمًا الأصحّ حين يكون الأبسط عاجزًا عن حمل كلّ كلمات النصّ.

الاعتراض الثامن عشر — «ذراع الربّ» تعني الفداء القوميّ لإسرائيل، لا فردًا

الاعتراض كما يُطرَح: تقول المقالة إنّ إشعياء ٥٣: ١ يسأل: «ولمن اسْتُعلِنت ذراع الربّ؟»، و«ذراع الربّ» في إشعياء وفي كلّ الكتاب تُشير إلى الفداء الجسديّ القوميّ لإسرائيل من ظلم الأمم (إشعياء ٥٢: ٨-١٢؛ ٦٣: ١٢؛ تثنية ٤: ٣٤؛ ٧: ١٩؛ مزمور ٤٤: ٣). فبما أنّ «ذراع الربّ» رمزٌ للخلاص القوميّ، فالإصحاح عن خلاص الأمّة، لا عن فرد.

الجواب: الملاحظة صحيحةٌ في أصلها، لكنها لا تُنتج المطلوب.

الطبقة الأولى: نعم، «ذراع الربّ» تعبيرٌ عن قوّة الإله الخلاصيّة المُعلَنة. لكنّ السؤال في ٥٣: ١ ليس «ما هي ذراع الربّ؟» بل «لمن اسْتُعلِنت؟» — أي مَن آمن وأدرك. والسياق التالي مباشرةً يُجيب: الذراع المُعلَنة هي الخادم نفسه الموصوف في بقيّة الإصحاح. فالذراع — قوّة الإله الخلاصيّة — تتجسّد في هذا الخادم. وليس غريبًا أن تكون «ذراع الربّ» شخصًا: ففي إشعياء نفسه، الخلاص يأتي بـ«ذراعه» التي تعمل، والإصحاح ٥٣ يكشف أنّ هذه الذراع العاملة هي خادمٌ يحمل الإثم.

الطبقة الثانية: حتى لو كانت «ذراع الربّ» تُشير إلى الفداء، فالفداء في إشعياء ٥٣ يتمّ بواسطة الخادم لا بإسرائيل. والذراع المُعلَنة لقلّةٍ آمنت تتناقض مع فكرة أنّ الأمّة كلّها هي الذراع — فكيف تكون الأمّة هي الذراع، وفي الوقت نفسه هي التي تُسأل «لمن اسْتُعلِنت لها الذراع؟». المُعلَن له غير المُعلَن. فالذراع مُعلَنة لمن آمن، وهي الخادم؛ والأمّة هي جمهور السامعين الذين قلّ منهم المصدّقون.

وهنا نتوقّع الردّ المضادّ: سيقول المعترض: «لكنّ كلّ شواهد ذراع الربّ التي ذكرناها قوميّةٌ بلا استثناء؛ فلماذا نشذّ بها هنا إلى فرد؟» ونردّ: لا شذوذ. ذراع الربّ هي دائمًا قوّته الخلاصيّة؛ والجديد في إشعياء ٥٣ ليس تغيير معنى الذراع، بل إعلان كيفيّة عملها: تتجسّد القوّة الخلاصيّة في خادمٍ يحمل الإثم فيُتمّ الخلاص. الذراع تبقى ذراع الربّ — لكنها تُعلَن في شخص. والكتاب لا يمنع أن يُجسّد الإله قوّته في شخص؛ بل هذا ما تفعله بقيّة الإصحاح حين تصف «الذراع» بأوصاف شخصٍ يُجلَد ويصمت ويموت ويقوم.

الاعتراض التاسع عشر — آلام إسرائيل تُشبَّه بالمرض، ومتى ٨: ١٧ يُطبّق ٥٣: ٤ على الشفاء الجسديّ لا الكفّارة

الاعتراض كما يُطرَح: تقول المقالة شيئَين متّصلَين. أوّلًا: «رجل أوجاعٍ ومختبر الحزن» (٥٣: ٣) تنطبق على إسرائيل، لأنّ مصائب إسرائيل تُشبَّه بالمرض مرارًا (إشعياء ١: ٥-٦؛ إرميا ١٠: ١٩؛ ٣٠: ١٢). ثانيًا — وهي الضربة الأقوى: إنجيل متى نفسه، في ٨: ١٧، يقتبس إشعياء ٥٣: ٤ ويُطبّقه على شفاء المسيح للمرضى جسديًّا — «أخذ أسقامنا وحمل أمراضنا». فمتى يفهم الآية عن مرضٍ جسديّ حقيقيّ، لا عن كفّارةٍ روحيّة؛ وهذا يناقض الترجمة المسيحيّة الروحيّة لـ٥٣: ٤.

الجواب: هذا اعتراضٌ دقيق، والشطر الثاني منه ذكيٌّ خاصّةً، فلنُجِب بعناية.

الطبقة الأولى — تشبيه المرض: نعم، التناخ يُشبّه المصائب بالمرض أحيانًا. لكنّ إشعياء ٥٣ لا يقول إنّ الخادم «مريض» في ذاته؛ يقول إنه «حمل» أحزاننا وأوجاعنا — أي أوجاع غيره، لا أوجاعه هو. والحمل النيابيّ لأوجاع الآخرين شيءٌ مختلفٌ عن كون المرء مريضًا بمصائبه الخاصّة. الأمّة المريضة بمصائبها هي حالةٌ ذاتيّة؛ أمّا الخادم فيحمل أوجاع غيره — وهذا توزيعٌ بين حاملٍ ومحمولٍ عنه، لا حالةً واحدة.

الطبقة الثانية — متى ٨: ١٧: الاستشهاد بمتى ٨: ١٧ لا يناقض الكفّارة؛ بل يكشف عمقها. الإنجيل يرى في شفاء المسيح للمرضى علامةً منظورةً على حملٍ أعمق: فمَن جاء ليحمل الخطيّة (الجذر) يحمل أيضًا آثارها (المرض). الشفاء الجسديّ في خدمة المسيح كان بُرهانًا حسّيًّا على سلطانه أن يحمل ما هو أعمق — الخطيّة. فمتى لا يقصر الآية على الجسد بدل الروح؛ يُريها متحقّقةً على المستوى المنظور أوّلًا، تمهيدًا لتحقّقها الكامل على الصليب حيث حُمِلت الخطيّة. النصّان لا يتعارضان: الخادم يحمل الأوجاع والأمراض كعلامة، والإثم ككفّارة — والإصحاح نفسه يصرّح بالثاني: «الربّ وضع عليه إثم جميعنا».

الطبقة الثالثة: لاحظ أنّ الإصحاح لا يتوقّف عند حمل الأوجاع؛ ينتقل صراحةً إلى حمل الإثم: «وَالرَّبُّ وَضَعَ عَلَيْهِ إِثْمَ جَمِيعِنَا»، «وَآثَامُهُمْ هُوَ يَحْمِلُهَا». فمَن يقصر الإصحاح على الشفاء الجسديّ يقرأ نصفه ويترك نصفه. الأوجاع والأمراض مذكورةٌ في الآية ٤؛ لكنّ الإثم والآثام مذكورةٌ في الآيات ٦ و١١ و١٢. الكفّارة ليست تأويلًا مُقحَمًا؛ هي في صريح كلمات النصّ.

وهنا نتوقّع الردّ المضادّ: سيقول المعترض: «لكنّ متى اختار تحديدًا أن يُطبّق ٥٣: ٤ على الشفاء الجسديّ، لا على الصليب؛ فلو كان يفهمها كفّارةً لطبّقها على الموت.» ونردّ: متى كتب إنجيلًا كاملًا، لا آيةً واحدة. وهو نفسه يروي الصليب ويُطبّق عليه لغة الكفّارة (متى ٢٦: ٢٨ — «دمي الذي يُسفَك من أجل كثيرين لمغفرة الخطايا»). فمتى لا يقصر إشعياء ٥٣ على الشفاء؛ هو يرى تحقّق النبوءة على مرحلتَين: علامةٌ منظورةٌ في الشفاء، وتحقيقٌ كاملٌ في الصليب. الاستشهاد بمتى ٨: ١٧ وحده، مع تجاهل متى ٢٦: ٢٨، هو نفسه «انتقاءٌ» — وهو ما اتُّهمت به القراءة المسيحيّة في الاعتراض الرابع عشر. النصّ الكامل لمتى يجمع الشفاء والكفّارة معًا.

الاعتراض العشرون — المسيح «فتح فاه» وأجاب عند محاكمته، فلم يتحقّق «لم يفتح فاه»؛ ومزمور ٤٤ يجعل إسرائيل «غنمًا للذبح»

الاعتراض كما يُطرَح: تقول المقالة شيئَين. أوّلًا: «كشاةٍ تُساق إلى الذبح» تنطبق على إسرائيل، فالإصحاح ٥٢ يصفها مظلومةً مأخوذةً بلا سبب، ومزمور ٤٤ يصف إسرائيل صراحةً بأنها «غنمٌ للذبح» وسط الأمم. ثانيًا: الادّعاء بأنّ المسيح «لم يفتح فاه» باطل، لأنّ الأناجيل تروي أنه تكلّم عند محاكمته — أجاب رئيس الكهنة، وقال لبيلاطس كلامًا (يوحنا ١٨: ٢٣، ٣٦-٣٧)، بل صرخ على الصليب (متى ٢٧: ٤٦). فكيف «لم يفتح فاه» وهو تكلّم؟

الجواب: نُجيب على الشطرَين.

الطبقة الأولى — مزمور ٤٤: نعم، مزمور ٤٤ يصف إسرائيل غنمًا للذبح، ونحن لا نُنكر أنّ الكتاب يستعمل هذه الصورة للأمّة في سياقها. لكنّ ورود الصورة في موضعٍ للأمّة لا يحصرها في الأمّة في كلّ موضع. الفارق أنّ مزمور ٤٤ يصف أمّةً تتألّم وتشكو وتسأل «لماذا تنام يا ربّ؟» — أمّةً ناطقةً محتجّة. أمّا إشعياء ٥٣ فيصف خادمًا صامتًا لا يحتجّ: «لم يفتح فاه». الأمّة في مزمور ٤٤ تصرخ؛ والخادم في إشعياء ٥٣ يصمت. الصورتان متضادّتان في النطق والصمت.

الطبقة الثانية — «لم يفتح فاه»: النبوءة لا تعني صمتًا مطلقًا عن كلّ كلمة، بل صمتًا عن الاحتجاج والدفاع عن النفس والمقاومة. والأناجيل تصف هذا بدقّةٍ مذهلة: حين وُجِّهت إليه التُّهَم الباطلة أمام رئيس الكهنة وأمام بيلاطس، «لم يُجِب بشيءٍ» حتى تعجّب الوالي جدًّا (متى ٢٧: ١٤). الكلام الذي تكلّمه لم يكن دفاعًا عن نفسه ولا التماس نجاة، بل شهادةً للحقّ. «لم يفتح فاه» في إشعياء يصف مَن لا يقاوم ظالميه ولا يلتمس الخلاص لنفسه — وهذا بالضبط ما فعله: لم يستنجد، لم يُبرّئ نفسه بإلحاح، لم يَلعن مُعذّبيه. الصمت المقصود هو صمت عدم المقاومة، وقد تحقّق حرفيًّا.

وهنا نتوقّع الردّ المضادّ: سيقول المعترض: «لكنّ المسيح في يوحنا ١٨: ٢٣ اعترض على من لطمه قائلًا: لماذا تضربني؟ — وهذا دفاعٌ عن النفس، فقد فتح فاه.» ونردّ: قوله «إن كنتُ قد تكلّمتُ رديًّا فاشهد على الرديّ، وإن حسنًا فلماذا تضربني؟» ليس مقاومةً ولا التماس نجاة؛ هو سؤالٌ يكشف ظلم الضربة دون أن يردّها، ودون أن يستدعي قوّةً للدفاع عن نفسه — وهو القائل إنه يستطيع أن يطلب إلى الآب فيُرسل أكثر من اثنَي عشر جيشًا من الملائكة، لكنه لم يفعل (متى ٢٦: ٥٣). الذي يملك أن يدعو جيوش الملائكة ويختار ألّا يفعل هو، بالضبط، الذي «لم يفتح فاه» بمعنى عدم المقاومة. كلمةٌ تكشف الظلم ليست نقضًا للصمت النبويّ؛ المقاومة وطلب النجاة هما ما لم يحدث — وهما المقصودان.

الاعتراض الحادي والعشرون — «من الضغطة والدينونة أُخِذ» تعني سلب حكمٍ وقضاء، والمسيح لم يكن له مُلكٌ في مجيئه الأوّل

الاعتراض كما يُطرَح: تقول المقالة إنّ ترجمة ٥٣: ٨ الصحيحة هي أنّ الخادم «أُخِذ من الحكم والقضاء» — أي سُلِب موقع سلطةٍ وقضاء. والمسيحيون مضطرّون لتحريفها، لأنّ المسيح — بشهادته هو — لم يكن له حقّ مُلكٍ أو قضاءٍ في مجيئه الأوّل (يوحنا ٣: ١٧؛ ٨: ١٥؛ ١٢: ٤٧؛ ١٨: ٣٦). فكيف يُؤخَذ من حكمٍ لم يكن له؟

الجواب: هذا اعتراضٌ لغويٌّ على معنى العبارة، ونُجيب عنه من النصّ.

الطبقة الأولى: العبارة العبريّة في ٥٣: ٨ تحتمل معنى «من الضغطة والقضاء (الجائر) أُخِذ» — أي أُخِذ بظلمٍ عبر محاكمةٍ جائرة، لا «سُلِب منصب قضاءٍ كان له». والترجمة المعتمدة (فان دايك) تقول: «من الضغطة ومن الدينونة أُخِذ» — أي أُخِذ بضغطٍ ودينونةٍ ظالمة. وهذا يصف ضحيّة محاكمةٍ جائرة، لا حاكمًا سُلِب عرشه. فالمعنى الذي يبني عليه الاعتراض ليس المعنى الوحيد ولا الأرجح.

الطبقة الثانية: حتى لو قرأناها «أُخِذ من الحكم والقضاء»، فهي تصف انتزاعه من إمكان محاكمةٍ عادلة — حُرِم العدل، اختُطِف من تحت حماية القضاء العادل وسُلِّم للموت. وهذا بالضبط ما جرى: مُحاكمةٌ ليليّةٌ متعجّلة، شهود زورٍ، حكمٌ ظالم. لا حاجة لافتراض أنه كان حاكمًا فقدَ حكمه؛ يكفي أنه حُرِم العدالة. والآيات التي يستشهد بها الاعتراض (يوحنا ١٨: ٣٦ «مملكتي ليست من هذا العالم») تؤكّد لا تنقض: لم يكن مُلكه أرضيًّا، فلم يُدافِع عنه بالسيف، فأُخِذ بظلمٍ بلا مقاومة — وهو عين ما تصفه الآية.

وهنا نتوقّع الردّ المضادّ: سيقول المعترض: «لكنّ القراءة القوميّة أبسط: الأمّة أُخِذت من أرضها وحكمها إلى السبي.» ونردّ: لكنّ بقيّة الآية ذاتها تكسر القراءة القوميّة — «أنه قُطِع من أرض الأحياء، أنه ضُرِب من أجل ذنب شعبي». مَن «شعبي»؟ المتكلّم يهوديّ، و«شعبي» شعبه إسرائيل؛ فالخادم ضُرِب «من أجل ذنب شعبي»، أي طرفٌ غير الشعب ضُرِب لأجل ذنب الشعب. لو كان الخادم هو الأمّة، لصارت «الأمّة ضُرِبت من أجل ذنب الأمّة». فالآية نفسها التي يُستشهَد بصدرها للقراءة القوميّة، يَكسِر عجزُها تلك القراءة.

الاعتراض الثاني والعشرون — «لم يعمل ظلمًا» لا تنطبق على المسيح الذي طهّر الهيكل بعنفٍ وقال «ما جئت لألقي سلامًا بل سيفًا»

الاعتراض كما يُطرَح: تقول المقالة إنّ ٥٣: ٩ «لم يعمل ظلمًا» لا تنطبق على المسيح. فالأناجيل تروي أنه طهّر الهيكل بقوّةٍ وقلب موائد الصيارفة (متى ٢١: ١٢؛ مرقس ١١: ١٥-١٦؛ لوقا ١٩: ٤٥)، وقال «ما جئت لألقي سلامًا بل سيفًا» (متى ١٠: ٣٤؛ لوقا ١٢: ٥١)، بل قال في مَثَلٍ «أولئك أعدائي... اذبحوهم قدّامي» (لوقا ١٩: ٢٧). فاحكم بنفسك — هل هذا يتّفق مع «لم يعمل ظلمًا»؟

الجواب: هذا اعتراضٌ يَخلِط بين «العنف» و«الظلم»، وبين الكلام الحرفيّ والكلام المجازيّ.

الطبقة الأولى — تطهير الهيكل: «لم يعمل ظلمًا» (العبريّة: «حاماس» — جَور، اعتداءٌ آثم) تعني انعدام الإثم والاعتداء الظالم، لا انعدام أيّ فعلٍ حازم. تطهير الهيكل لم يكن ظلمًا؛ كان دفاعًا عن قداسة بيت الإله ضدّ من حوّلوه إلى سوق. الغيرة على بيت الإله ليست «حاماس»؛ الظلم هو الاعتداء على البريء، وهذا ما لم يفعله قطّ. لم يُؤذِ بريئًا، ولم يسلب حقًّا، ولم يكذب. قلب موائد تجارةٍ دنّست الهيكل فعلٌ بارٌّ، لا جَور.

الطبقة الثانية — «بل سيفًا»: قوله «ما جئت لألقي سلامًا بل سيفًا» مجازٌ صريحٌ يفسّره سياقه: المقصود أنّ الحقّ يُحدِث انقسامًا حتى داخل البيت الواحد بين من يقبله ومن يرفضه — كما تُكمل الآية: «الإنسان ضدّ أبيه». ليس دعوةً إلى عنفٍ جسديّ؛ بدليل أنه وبّخ بطرس حين استلّ سيفًا فعلًا، قائلًا: «ردَّ سيفك إلى مكانه». الذي يأمر تلميذه بإغماد السيف لا يدعو إلى السيف الحرفيّ. والمَثَل في لوقا ١٩: ٢٧ كلامٌ على لسان مَلِكٍ في قصّةٍ مَثَليّة عن الدينونة الآتية، لا أمرٌ يُنفّذه المسيح بنفسه.

الطبقة الثالثة — شهادةٌ يهوديّةٌ وأمميّة: الذين حاكموه شهدوا رغمًا عنهم ببراءته. بيلاطس قال: «إنّي لا أجد فيه عِلّةً» (يوحنا ١٩: ٦). والذي عُلِّق بجانبه قال إنّ المسيح «لم يفعل شيئًا في غير موضعه». ورسول العهد الجديد كتب إنه «الذي لم يفعل خطيّة، ولا وُجِد في فمه مكر» (١ بطرس ٢: ٢٢). فشهادة الخصم والقريب معًا أنّ هذا الإنسان لم يُوجَد فيه ظلم — وهو عين «لم يعمل ظلمًا».

وهنا نتوقّع الردّ المضادّ: سيقول المعترض: «لكنّ قلب الموائد فعلٌ عنيفٌ بأيّ مقياس؛ والقراءة القوميّة تتجنّب هذا الإحراج كلّه.» ونردّ: القراءة القوميّة لا تتجنّب الإحراج؛ تستبدله بإحراجٍ أكبر. فإسرائيل، باعتراف أنبيائها أنفسهم، ليست بلا ظلم: إشعياء يصفها «أمّةٌ خاطئةٌ شعبٌ ثقيل الإثم» (١: ٤). فإن كان «لم يعمل ظلمًا» يستلزم بِرًّا كاملًا، فالأمّة الموصوفة بثِقَل الإثم أعجز عن حملها من إنسانٍ شهد خصومه ببراءته. الوصف «لم يعمل ظلمًا» ينطبق على بارٍّ بلا خطيّة — وهذا ما لا تدّعيه الأمّة لنفسها، ويدّعيه الإنجيل لـالرب يسوع المسيح وتشهد به أفواه خصومه.

الاعتراض الثالث والعشرون — «يُصيِّر كثيرين أبرارًا» لا «يُبرّر كثيرين»: مهمّة إسرائيل نورٌ للأمم بالقدوة والتعليم

الاعتراض كما يُطرَح: تقول المقالة إنّ الترجمة الصحيحة لـ٥٣: ١١ هي أنّ الخادم «يُصيِّر كثيرين أبرارًا» (أي يجعلهم يسلكون بالبرّ)، لا «يُبرّر كثيرين» (إعلانٌ قضائيّ بالبراءة). ومهمّة إسرائيل أن تكون «نورًا للأمم» يقود العالم إلى معرفة الإله الواحد، بالقدوة (تثنية ٤: ٥-٨؛ زكريّا ٨: ٢٣) وبتعليم الأمم شريعة الإله (إشعياء ٢: ٣-٤؛ ميخا ٤: ٢-٣). فالخادم يُصلِح الناس بالتعليم والقدوة، لا بكفّارةٍ نيابيّة.

الجواب: هذا اعتراضٌ لغويٌّ ولاهوتيٌّ معًا، ونُجيب على الوجهَين.

الطبقة الأولى — اللغة: الفعل العبريّ في ٥٣: ١١ (يَصدِيق) فعلٌ قضائيّ في أصله، مقابله «يُدين». وحتى لو تُرجِم «يُصيِّر أبرارًا»، فالآية لا تتوقّف عند ذلك؛ تُكمل: «وآثامهم هو يحملها». فالخادم يُصيِّرهم أبرارًا بِحَمل آثامهم — لا بمجرّد تعليمهم. القدوة والتعليم لا يتضمّنان «حمل آثام» الآخرين؛ المعلّم لا «تُحمَل عليه آثام» تلاميذه. فاقتران «يُصيِّر أبرارًا» بـ«آثامهم هو يحملها» يحسم أنّ التبرير هنا بالكفّارة لا بالتلقين.

الطبقة الثانية — اللاهوت: مهمّة إسرائيل أن تكون نورًا للأمم حقٌّ لا نُنكره. لكنّ الإصحاح لا يصف معلّمًا يُنير بالتعليم؛ يصف خادمًا «جعل نفسه ذبيحة إثم» و«سكب للموت نفسه». المعلّم لا يموت ذبيحةَ إثمٍ ليُعلّم. اللغة لغة ذبيحةٍ وكفّارةٍ وحملِ إثم، لا لغة مدرسةٍ وقدوة. والنورُ للأمم نفسه — في إشعياء ٤٩: ٦ — موكولٌ إلى الخادم الذي يَرُدّ يعقوب، أي إلى فردٍ متميّزٍ عن الأمّة، لا إلى الأمّة ذاتها.

وهنا نتوقّع الردّ المضادّ: سيقول المعترض: «لكنّ "حمل الآثام" قد يعني تحمُّل نتائج خطايا الأمم — أي معاناة إسرائيل من اضطهاد الأمم — لا كفّارةً عنها.» ونردّ: هذا التأويل يصطدم بالآية ١٠ التي تسبق: «إن جعل نفسه ذبيحة إثم». «ذبيحة الإثم» (آشام) مصطلحٌ طقسيٌّ محدّدٌ في شريعة موسى لذبيحةٍ تُكفّر عن الذنب وتُزيله. فحين يُقرَن «يحمل آثامهم» بـ«جعل نفسه ذبيحة إثم»، يصير الحمل حملًا كفّاريًّا لا مجرّد معاناةٍ من ظلم. ومعاناة المظلوم من ظالمه لا تُسمّى «ذبيحة إثم» في لغة الشريعة. النصّ اختار المصطلح الطقسيّ بدقّة، فحسم المعنى.

الاعتراض الرابع والعشرون — إشعياء ٤٢: ٤ يقول إنّ الخادم «لا يَكِلّ ولا ينكسر»، فالخادم المنكسر في ٥٣ ليس هو

الاعتراض كما يُطرَح: تُشير المقالة إلى أنّ الخادم في إشعياء ٤٢: ٤ موصوفٌ بأنه «لا يَكِلّ ولا ينكسر حتى يضع الحقّ في الأرض». فإن كان خادم الأناشيد واحدًا، فكيف يكون هو نفسه «لا ينكسر» في الإصحاح ٤٢، ثم «مسحوقًا ومجروحًا» في الإصحاح ٥٣؟ التناقض يدلّ على أنّ «الخادم» رمزٌ جماعيٌّ مرن، لا فردٌ واحد.

الجواب: هذا اعتراضٌ ذكيّ يلعب على ظاهر التضادّ، لكنه يسقط عند قراءة المعنى الدقيق.

الطبقة الأولى: «لا يَكِلّ ولا ينكسر» في إشعياء ٤٢: ٤ تصف عزيمة الخادم ومُضيّه في مهمّته حتى يُتمّها — لا حصانةً جسديّةً من الألم. السياق يوضّح ذلك: الآية تتكلّم عن أنه «لا يَكِلّ ولا ينكسر حتى يضع الحقّ في الأرض» — أي لا يَيأس ولا يتراجع عن غايته. وهذا لا يتناقض مع تألّمه جسديًّا في ٥٣؛ بل يُكمله: الخادم يُسحَق جسديًّا (٥٣) ومع ذلك لا تَنكسر عزيمته عن إتمام الخلاص (٤٢). الانكسار الجسديّ غير الانكسار الإراديّ. تألّم في جسده، ولم تَكِلّ إرادته.

الطبقة الثانية: بل إنّ الإصحاحَين معًا يرسمان الصورة الكاملة: في ٤٢ خادمٌ هادئٌ «لا يصيح ولا يرفع صوته في الشارع»، صابرٌ لا يَكِلّ؛ وفي ٥٣ الخادم نفسه «لم يفتح فاه»، صامتٌ تحت الألم لا يتراجع. الصمت والصبر في الإصحاحَين متطابقان، لا متناقضان. الخادم الذي «لا يَكِلّ» هو نفسه الذي «لم يفتح فاه» — كلاهما يصف ثباتًا تحت الضغط، لا حصانةً من الضغط.

وهنا نتوقّع الردّ المضادّ: سيقول المعترض: «لكنّ ظاهر اللفظ "لا ينكسر" يناقض "مسحوق"؛ ولا يصحّ التوفيق بتأويل أحدهما مجازًا.» ونردّ: ليس توفيقًا قسريًّا؛ هو قراءة كلّ لفظٍ في سياقه. «لا ينكسر» في ٤٢: ٤ سياقها إتمام المهمّة («حتى يضع الحقّ في الأرض») — فهي عن العزيمة. و«مسحوق» في ٥٣: ٥ سياقها «لأجل آثامنا» — فهي عن الألم النيابيّ. لفظان في سياقَين مختلفَين يصفان جانبَين من خادمٍ واحد: لا تَنكسر عزيمته، ويُسحَق جسده لأجلنا. وهذا هو سرّ الخادم: أقوى ما يكون عزيمةً في أضعف ما يكون جسدًا. التضادّ الظاهريّ بين الإصحاحَين هو نفسه عمق الصورة، لا دليلًا على تعدّد الخدّام.

كلمةٌ أخيرة في هذه المحاجّة — إلى الحاخام وإلى كلّ قارئ يهوديّ

وصلنا إلى نهاية المحاجّة. وقد أخذنا أربعةً وعشرين اعتراضًا، كلًّا كما كتبه أصحابه، وأجبنا عنه على طبقات، ثم سبقنا إلى الردّ المضادّ وأجبنا عنه أيضًا. فلنقف الآن وقفةً أخيرة.

تختم مقالة الحاخام كرافيتس بحكمةٍ من سفر الأمثال: «الأَوَّلُ فِي دَعْوَاهُ مُحِقٌّ، فَيَأْتِي رَفِيقُهُ وَيَفْحَصُهُ» (أمثال ١٨: ١٧). وهي آيةٌ جميلة، ونحن نقبلها بكلّ سرور — بل نتمنّى لها أن تُطبَّق هنا بالضبط. لقد فحصنا الدعوى الأولى والثانية، فوجدنا أنّ نفي «المنع» لا يُجيب عن سؤال «الإغفال». وفحصنا حجّة 4Q176، فوجدناها حين تُكمَل تشهد لنا لا علينا. وفحصنا حجّة «الأمّة هي الخادم»، فوجدنا النصّ نفسه — في إشعياء ٤٢: ١٩ وإشعياء ٤٩: ٥-٦ — يضع خادمًا يَرُدّ مقابل أمّةٍ تُرَدّ. وفحصنا «لامو» و«موتاته»، فوجدنا كلمتَين مُختلَفًا فيهما لا تقويان على عشرات الضمائر المفردة الصريحة. وفحصنا حزقيال ١٨، فوجدناه — حين يُمسَك جيّدًا — ينقلب على القراءة الجماعيّة لا على المسيانيّة. هذا هو الفحص الذي دعا إليه سفر الأمثال — وقد قبلناه بفرحٍ وأجريناه بأمانة.

أيّها الأخ اليهوديّ العزيز: نحن لا نُكلّمك من خارج تراثك، بل من داخل كتابك. إشعياء نبيُّك. والترجوم تراثك. وسنهدرين كتاب حاخاميك. والمزامير صلواتك. ونحن لا نطلب منك أن تخون شعبك — رسل الرب يسوع المسيح الأوائل كلّهم كانوا يهودًا، قرأوا إشعياء من حِجر أمّهاتهم، ولم يشعروا يومًا أنهم تركوا إسرائيل، بل أنهم وجدوا مسيّاها.

نطلب منك شيئًا واحدًا فقط، وهو الشيء الذي يطلبه سفر الأمثال نفسه: افحص. اقرأ إشعياء ٥٣ وحدك، في صمت، بلا أحدٍ يُملي عليك — لا حاخامًا ولا مبشّرًا — واسأل قلبك: مَن هو هذا الواحد الذي حُسِب مضروبًا من الإله، وحمل ذنب «شعبي»، وقُطِع من أرض الأحياء، ودُفن مع غنيّ، وهو لم يعمل ظلمًا، ثم رأى نسلًا وطالت أيّامه ويُبرّر كثيرين؟

نقولها بنارٍ، لأنّ الحقّ يستحقّ النار: التاريخ كلّه لا يعرف غير واحدٍ يُطابق هذا الوصف مطابقةً كاملةً في كلّ تفصيل — الرب يسوع المسيح، يهوديٌّ من بيت لحم، حُسِب مضروبًا، صَمَت أمام معذّبيه، مات مقطوعًا من أرض الأحياء من أجل ذنب شعبه، دُفن في قبر رجلٍ غنيٍّ اسمه يوسف الرامي، لم يُوجَد في فمه غشّ، ثم قام في اليوم الثالث، وله اليوم نسلٌ روحيٌّ لا يُحصى من كلّ أمم الأرض. ونقولها بمحبّةٍ، لأنّك أنت تستحقّ المحبّة: هذا الخادم ليس غريبًا عنك؛ إنه ابن شعبك، ومسيّا أنبيائك، وهو يقف على باب قلبك ويقرع. والمقال المرافق — «الخادم الجريح والحبّ الذي لا ينتهي» — يفتح لك ذلك الباب على مصراعَيه.

هوذا هو — دعوةٌ أخيرة إلى قلبك

صديقي، إن كنتَ قد قرأتَ هذه المحاجّة كاملةً، فأنتَ إنسانٌ يحترم عقله ويحترم الحقّ. وقد رأيتَ أنّ كلّ اعتراضٍ على القراءة المسيانيّة لإشعياء ٥٣ له جواب، وأنّ كلّ ردٍّ مضادٍّ مُتوقَّعٍ له جوابٌ أيضًا. لكنّ هذه المحاجّة، مهما طالت، لم تُكتَب لتربح جدالًا. كُتبت لأنّ وراء الحجج شخصًا — والشخص أهمّ من الحجّة.

الحجج تستطيع أن تُزيل العوائق التي تقف في طريق العقل، لكنها لا تستطيع وحدها أن تفتح الباب. الباب يفتحه القلب. وإشعياء ٥٣، حين يُقرأ في صمتٍ بعد أن تسقط كلّ العوائق، يطرح سؤالًا واحدًا: «وَأَنْتُمْ، مَنْ تَقُولُونَ إِنِّي أَنَا؟» (متى ١٦: ١٥). هذا سؤال الرب يسوع المسيح نفسه، وهو يطرحه عليك الآن.

الخادم الذي دافعنا عن هويّته في أربعةٍ وعشرين اعتراضًا ليس فكرةً تُقرّرها في رأسك؛ إنه شخصٌ حيّ. حُسِب مضروبًا من الإله، وحمل ذنب شعبه، وقُطِع من أرض الأحياء، ثم قام. وهو اليوم لا في قبرٍ ولا في كتابٍ مدرسيّ، بل واقفٌ على باب قلبك:

«هأَنَذَا وَاقِفٌ عَلَى الْبَابِ وَأَقْرَعُ. إِنْ سَمِعَ أَحَدٌ صَوْتِي وَفَتَحَ الْبَابَ، أَدْخُلُ إِلَيْهِ» — رؤيا ٣: ٢٠

وإن تحرّك قلبك الآن، فلا تحتاج إلى صيغةٍ معيّنة لتُكلّم الإله؛ يكفي أن تقول له بصدق إنك آمنتَ أنّ الرب يسوع المسيح هو الخادم الذي رآه إشعياء، وأنّ جراحاته كانت لأجلك، وأنك تقبله مخلّصًا لك وتتّكل عليه وحده. والكتاب يُعلن: «اَلَّذِي يُؤْمِنُ بِهِ لاَ يُدَانُ» (يوحنا ٣: ١٨). والمقال المرافق — «الخادم الجريح والحبّ الذي لا ينتهي» — يُكمل معك هذه الرحلة. هوذا هو، يا صديقي. هوذا الخادم الذي دافعنا عنه. هو لك.

دعوة لنوال الخلاص الإلهي — اقبل الرب يسوع المسيح كمخلصك الشخصي

عزيزي القارئ — إن لمست هذه الكلمات قلبك وأدركت أنك خاطئ بحاجة إلى مخلّص، فاعلم أن الإله يدعوك إليه في هذه اللحظة بالذات. لست بحاجة إلى كاهن، ولا إلى وسيط بشري، ولا إلى مكان مقدس، ولا إلى طقوس أو أعمال. الرب يسوع المسيح دفع الثمن كاملاً على الصليب، ووعدُ الإله قاطع وواضح:

«لأَنَّ «كُلَّ مَنْ يَدْعُو بِاسْمِ الرَّبِّ يَخْلُصُ».» — رومية ١٠: ١٣

ما يخلّصك ليس ألفاظ هذه الصلاة — بل الإيمان الذي في قلبك بأن الرب يسوع المسيح مات لأجلك وقام من الأموات. لكن إن أردت أن تعبّر عن إيمانك بكلمات صادقة، اقرأ هذه الصلاة بقلب خاشع وكأنك تخاطب الإله الحيّ:

صلاة الخلاص

«أيّها الإله العظيم القدّوس المُحِبّ، الإله الحقيقيّ الوحيد،

آتي إليك الآن بكل تواضع، معترفاً أنّي خاطئ. لقد كسرت وصاياك مرّاتٍ كثيرة في فكري وفي كلامي وفي أعمالي. وأعرف أنّ خطيّتي تستحقّ الموت الأبديّ والانفصال عنك إلى الأبد. لا أملك أيّ عملٍ صالحٍ أقدّمه يستطيع أن يفدي نفسي، ولا أيّ برٍّ من ذاتي أستر به عُريي أمام قداستك.

لكنّي أؤمن من كلّ قلبي بشهادة كلمتك أنّ ابنك الوحيد، الرب يسوع المسيح، مات على الصليب من أجل خطاياي — حاملاً عنّي العقوبة التي كنت أستحقّها. أؤمن أنّه دُفن، وأنّه قام من الأموات في اليوم الثالث، حيّاً منتصراً على الموت والقبر، وأنّه حيٌّ الآن إلى أبد الآبدين.

في هذه اللحظة المباركة، أنا أقبل الرب يسوع المسيح مخلّصاً شخصياً لي. أتّكل عليه وحده — لا على أعمالي، ولا على ديني، ولا على طقوسٍ ولا على إنسانٍ ولا على ملاكٍ ولا على قدّيس. على الرب يسوع المسيح وحده، وعلى دمه الكريم المسفوك على الصليب، أبني رجاء خلاصي الأبدي.

أشكرك يا أبي لأنّك قبلتني الآن في الرب يسوع المسيح، وغفرت لي كلّ خطاياي، وأعطيتني الحياة الأبدية هبةً مجانيّةً بنعمتك. أشكرك لأنّك أرسلت روحك القدوس ليسكن في قلبي، شاهداً لي بأنّي صرت ابنك. أعطني نعمةً أن أعرفك أكثر يوماً بعد يومٍ، وأن أحيا بقيّة حياتي لمجدك وحدك.

أصلّي هذا كلّه باسم ربّي ومخلّصي يسوع المسيح، بقوّة الروح القدس. آمين.»

بعد أن صلّيت — ما العمل الآن؟

إن صلّيت هذه الصلاة من قلبٍ مؤمنٍ صادق، فقد حدثت في هذه اللحظة أعظم معجزةٍ في تاريخك كلّه: انتقلت من الموت إلى الحياة، ومن الظلمة إلى النور، ومن مملكة الخطية إلى ملكوت ابن الإله الحبيب. صرتُ ابنًا للإله الحيّ، ووعد الإله نفسه يضمن لك ذلك بكلمته الموثوقة:

«وَأَمَّا كُلُّ الَّذِينَ قَبِلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ سُلْطَانًا أَنْ يَصِيرُوا أَوْلاَدَ اللهِ، أَيِ الْمُؤْمِنُونَ بِاسْمِهِ» — يوحنا ١: ١٢

لاحظ معي قوّة هذا الوعد: «أعطاهم سلطاناً» — أي حقّاً ثابتاً مضموناً، لا أمنيةً ولا احتمالاً. ولاحظ كلمة «المؤمنون باسمه» — ليس «الذين عملوا أعمالاً عظيمة»، ولا «الذين أتمّوا الطقوس»، بل ببساطة «المؤمنون». أنت الآن واحدٌ منهم — بكلّ تأكيدٍ ويقين.

وإليك خمس خطوات بسيطة تثبّتك في حياتك الجديدة مع الرب يسوع المسيح:

أولاً — اقرأ الكتاب المقدس يومياً. ابدأ بإنجيل يوحنا، ثمّ تابع بقيّة العهد الجديد، ثمّ المزامير والأمثال. الإله يتكلّم معك من خلال كلمته كما يتكلّم الأب مع ابنه. لا تقرأ بسرعة — اقرأ بتأمّلٍ وصلاة. «اَلصَّبِيُّ الَّذِي مُنْذُ الطُّفُولِيَّةِ تَعْرِفُ الْكُتُبَ الْمُقَدَّسَةَ، الْقَادِرَةَ أَنْ تُحَكِّمَكَ لِلْخَلاَصِ» (تيموثاوس الثانية ٣: ١٥).

ثانياً — صلِّ يومياً. كلّم الإله كأبٍ محبّ — ليس بألفاظٍ محفوظة، بل بكلامٍ من قلبك. شاركه أفراحك وأحزانك وأسئلتك ومخاوفك. الصلاة هي تنفّس الحياة المسيحية. «صَلُّوا بِلاَ انْقِطَاعٍ» (تسالونيكي الأولى ٥: ١٧).

ثالثاً — انضمّ إلى كنيسةٍ تؤمن بالكتاب المقدّس. لا تسير في الطريق وحدك. الإيمان ينمو في شركة المؤمنين، حيث الكلمة تُكرز بأمانة، والمعمودية والعشاء الربّاني يُمارسان بحسب الكتاب. «غَيْرَ تَارِكِينَ اجْتِمَاعَنَا» (العبرانيين ١٠: ٢٥).

رابعاً — اعتمد بحسب الكتاب المقدّس. المعمودية ليست شرطاً للخلاص، لكنّها الخطوة الأولى للطاعة بعد الإيمان. هي إعلانٌ علنيّ بأنّك متّ مع الرب يسوع المسيح ودُفنت معه وقمت معه إلى حياةٍ جديدة. «مَنْ آمَنَ وَاعْتَمَدَ خَلَصَ» (مرقس ١٦: ١٦) — الإيمان أوّلاً، ثمّ المعمودية كثمرة طبيعيّة للإيمان.

خامساً — اشهد للآخرين عن الرب يسوع المسيح. ما اختبرته من خلاصٍ ومحبّة لا يمكن أن يبقى مكتوماً. ابدأ بأقربائك وأصدقائك. اروِ لهم ببساطة وصدق كيف غيّر الرب يسوع المسيح حياتك. «اَلَّذِي رَأَيْنَاهُ وَسَمِعْنَاهُ نُخْبِرُكُمْ بِهِ» (يوحنا الأولى ١: ٣).

وأخيراً، تذكّر دائماً أنّ خلاصك ليس مبنياً على شعورك ولا على عمل تعمله — بل على وعد الإله الذي لا يتغيّر:

«كَتَبْتُ هذَا إِلَيْكُمْ أَنْتُمُ الْمُؤْمِنِينَ بِاسْمِ ابْنِ اللهِ لِكَيْ تَعْلَمُوا أَنَّ لَكُمْ حَيَاةً أَبَدِيَّةً»
— يوحنا الأولى ٥: ١٣

لاحظ: «لِكَيْ تَعْلَمُوا» — ليس لكي ترجو، ولا لكي تتمنّى، ولا لكي تنتظر بقلقٍ يوم الدينونة. بل لكي تعلم بيقينٍ كاملٍ ثابتٍ لا يتزعزع أنّ لك حياةً أبديّة. هذا هو الفرق بين كلّ دياناتٍ العالم وبين إنجيل الرب يسوع المسيح: الأديان تقول «اعمل وربّما تخلص» — وكلمة الإله وحدها تقول: «آمن واعلم أنّك مخلّص».

✉ شاركنا شهادة خلاصك

«يَكُونُ فَرَحٌ قُدَّامَ مَلاَئِكَةِ اللهِ بِخَاطِئٍ وَاحِدٍ يَتُوبُ» — لوقا ١٥: ١٠

← العودة إلى قائمة المقالات