صلاة الافتتاح
أيها الآب السماوي الكريم، نأتي إليك باسم الرب يسوع المسيح، طالبين أن ينير الروح القدس عقولنا وقلوبنا ونحن نغوص في هذا الموضوع العميق المؤلم. يا رب، الألم حقيقي، والدموع حقيقية، والأسئلة حقيقية. ولكن كلمتك أيضا حقيقية، ووعودك حقيقية، ومحبتك حقيقية. افتح أعيننا لنرى ما لا تستطيع الأجساد المتألمة وحدها أن تراه. وأجب على الأسئلة التي يئن بها كل قلب يحمل عبء الألم. من أجل مجد الرب يسوع المسيح. آمين.
مقدمة: الصرخة التي لا تموت
دعني أسألك سؤالا واحدا يمس أعمق ما في قلبك: هل مررت يوما بألم شديد — ألم جسدي يسرق النوم، أو ألم عاطفي يحطم القلب، أو ألم روحي يجعلك تشعر أن السماء مغلقة — فرفعت عينيك نحو الأعلى وصرخت من أعماقك: لماذا يا إلهي؟ لماذا تأذن بهذا؟ أين أنت وسط ألمي؟
إن كانت إجابتك نعم، فاعلم أنك لست وحدك. واعلم أيضا أن هذا السؤال ليس دليلا على ضعف إيمانك. بل هو أكثر الأدلة أمانة على أنك إنسان حقيقي يحمل قلبا حقيقيا. الأسئلة العميقة ليست عدوة الإيمان — بل هي في كثير من الأحيان بوابته.
الألم ظاهرة عالمية لا تفرق بين غني وفقير، بين عالم وجاهل، بين مؤمن وكافر. الألم يطرق باب كل إنسان في لحظة ما. قد يكون ألما جسديا ينهك الجسم وينزع النوم. قد يكون ألم خسارة إنسان عزيز لا يعوض. قد يكون ألم خيانة صديق وثقت به كثيرا. قد يكون ألم مرض لا يرحم، أو ألم حلم لم يتحقق، أو ألم ظلم لم يعاقب أصحابه في هذه الحياة. قد يكون ألم وحدة وسط حشود، أو ألم اختلاف مع من تحب، أو ألم صمت الإله حين تشعر أن صلواتك تصطدم بسقف.
ومنذ فجر التاريخ البشري، والإنسان يتساءل: إذا كان الإله موجودا، وإذا كان الإله قادرا على كل شيء، وإذا كان الإله محبا — فلماذا يوجد الألم؟ لماذا لا يوقفه؟ لماذا يأذن به؟ هذا السؤال طرحه أيوب من كومة الرماد. طرحه داود من الكهف الهارب. طرحه إرميا من السجن. طرحه الرسول بولس من ظلام الزنزانة. وطرحه ملايين البشر في كل عصر.
هذا هو بالضبط ما سنتناوله في هذا المقال. لكننا لن نجيب بإجابات فلسفية باردة تقنع العقل دون أن تمس القلب. سنجيب بالكلمة التي لا تتغير، كلمة الإله الحية والباقية، التي وجد فيها الجواب قبل أن يولد السؤال. ابق معنا، لأن ما ستقرأه قد يغير الطريقة التي ترى بها كل ألم مررت به أو ستمر به.
القسم الأول: من أين جاء الألم؟ — الجذور التاريخية للمأساة
أولا: الخلق الأصلي — عالم بلا ألم
لكي نفهم الألم فهما صحيحا، يجب أن نعود إلى البداية — إلى اللحظة التي نطق فيها الإله بكلمته وكان الكون. اقرأ هذا الإعلان الجليل في سفر التكوين الأول:
«حسن جدا.» هذه الكلمات الثلاث تحمل في طياتها حقيقة عميقة: الألم لم يكن جزءا من خطة الإله الأصلية للخليقة. الموت لم يكن موجودا. المرض لم يكن موجودا. الجوع والخوف والحزن لم تكن موجودة. كان الإنسان يعيش في وئام كامل مع إلهه الخالق، ومع الطبيعة من حوله، ومع ذاته. كان آدم وحواء يمشيان مع الإله في بستان عدن في وقت هبوب ريح النهار — لا خوف، لا حياء، لا ألم، لا موت.
هذا المهم أن تفهمه أولا قبل أي شيء آخر: الألم ليس من اختراع الإله. الألم غريب عن الخليقة الأصلية. الإله لم يخلق الألم لمتعة نفسه. الإله هو النور وليس فيه ظلمة البتة. إن كنت تحمل في قرارة نفسك فكرة أن الإله يريد أن يعذبك، أو أنه يستمتع برؤيتك تتألم — فهذه فكرة شيطانية باطلة لا أساس لها في كلمة الإله.
الكون الأصلي كان مصمما للبهجة والشركة والحياة. الإنسان كان مخلوقا على صورة الإله ومثاله — وهذا يعني أنه كان يحمل في ذاته شيئا من جلال الخالق. السلطة على الخليقة التي أعطاها الإله لآدم لم تكن سلطة اضطهاد بل سلطة رعاية. كان آدم خليفة الإله في الأرض، يعكس محبة الخالق على كل ما في الخليقة. لم يكن هناك صراع بين إنسان وإنسان، ولا بين إنسان وحيوان، ولا بين إنسان وطبيعة. كان كل شيء في وئام كامل.
ثانيا: السقوط — الكارثة التي غيرت كل شيء
إذن كيف دخل الألم؟ الإجابة واضحة في كلمة الإله: دخل الألم من باب العصيان. دخل من باب الخطية. دخل عندما اختار آدم وحواء إرادتهما البشرية على إرادة الإله الإلهية.
لاحظ بدقة: «الوجع»، «التعب»، «اللعنة» — كلها دخلت على العالم في اللحظة التي انكسرت فيها العلاقة بين الإنسان وإلهه. الخطية فصلت الإنسان عن مصدر كل حياة وبركة وسلام، وفي تلك اللحظة بدأ العالم يتفكك من الداخل. ليس لأن الإله أراد العقاب فحسب، بل لأن فصل الإنسان عن مصدر الحياة يعني بالضرورة أن يبدأ الموت يسري فيه ببطء.
تخيل نبتة اقتلعتها من التربة الغنية. أول ساعة ستبدو بخير. لكن الذبول سيأتي. ثم الاصفرار. ثم الموت. ليس لأن أحدا عاقب النبتة — بل لأنها انقطعت عن مصدر حياتها. هذا بالضبط ما جرى للبشرية يوم السقوط: انقطع الاتصال بمصدر الحياة، فبدأ الموت والألم والمرض يسريان في الوجود البشري.
هنا نقطة جوهرية يجب أن تستقر في قلبك: الألم ليس برهانا على غياب الإله. الألم هو برهان على وجود الخطية في العالم. الإله لم يسبب الألم — الخطية هي التي سببته. والإله هو الذي يحمل الإنسان وسط الألم ويقدم له المخرج منه.
ثالثا: الخليقة التي تئن — الكون المتألم
الأثر المذهل لسقوط الإنسان لم يقتصر على البشر وحدهم. الكتاب المقدس يعلمنا أن الخليقة كلها تأثرت بسقوط آدم. اسمع هذه الكلمات الرائعة التي كتبها الرسول بولس بإلهام إلهي:
«الخليقة تئن وتتمخض معا» — يا له من تعبير عميق ومؤثر. الزلازل، الأعاصير، الأمراض، الكوارث الطبيعية — كلها أنات خليقة مكسورة تنتظر الخلاص. لكن انتبه — الكتاب المقدس لا يقول إن هذا الأنين هو النهاية. يقول إنه أنين المخاض — وجع الولادة قبل الفرح العظيم. الخليقة لا تيأس — الخليقة تنتظر على رجاء.
والرجاء هو مجيء يوم تجدد فيه الإله كل شيء. السماء الجديدة والأرض الجديدة التي يعد بها سفر الرؤيا ليست هروبا من المادة بل تجديدا كاملا لها. الخليقة التي تئن الآن ستعتق وتصير مجيدة. أنينها الحاضر هو ألم الولادة — لا ألم الموت.
القسم الثاني: لماذا يسمح الإله بالألم؟ — الأسباب الإلهية العميقة
هنا يكمن قلب الموضوع. نعم، الخطية أدخلت الألم. لكن الإله القادر على كل شيء يستطيع أن يوقف الألم فورا. إذن لماذا لا يفعل ذلك دائما؟ ما الأسباب التي تجعل الإله في حكمته اللانهائية يأذن أحيانا بألمنا؟ الكتاب المقدس يعطينا إجابات عميقة وموثوقة.
السبب الأول: الألم كجرس إنذار — نعمة الألم الجسدي
دعني أخبرك بشيء مذهول من عالم الطب يفتح العينين على حكمة الإله في الألم. هناك حالة طبية نادرة جدا تسمى «الحساسية الخلقية للألم» (Congenital Insensitivity to Pain)، وهي حالة يولد فيها الإنسان عاجزا تماما عن الإحساس بالألم منذ ولادته. قد يبدو هذا للوهلة الأولى أمرا رائعا — تخيل أن تعيش حياتك كلها دون أن تشعر بألم. لكن الحقيقة المفجعة هي العكس تماما.
هؤلاء الأطفال المصابون بهذه الحالة يعانون معاناة شديدة جدا، ويتعرضون لإصابات خطيرة بالغة لأنهم لا يشعرون حين تؤلمهم النار، أو حين تنكسر عظامهم، أو حين تصيبهم جروح خطيرة. يمكن للطفل أن يمضغ لسانه دون أن يشعر بشيء. يمكنه أن يضع يده على الموقد الساخن دون أن ينسحب. يمكن أن تصاب مفاصله بأضرار بالغة دون أن يشكو. الألم الذي كانوا قد يكرهونه هو في الحقيقة نعمة عظيمة حرموا منها.
الإله في حكمته العجيبة جعل الألم الجسدي نظام إنذار في الجسم. الألم يقول: انتبه! هناك خطر! افعل شيئا الآن. وبنفس الطريقة، يعمل الألم العاطفي والروحي أحيانا كجرس إنذار يقول: شيء ما ليس على ما يرام في حياتك. شيء ما يحتاج إلى علاج.
الألم العاطفي الذي تشعر به حين يتضرر علاقة مهمة هو إنذار يقول: اعمل على إصلاح هذه العلاقة. الألم الروحي الذي تشعر به حين تبتعد عن الإله هو إنذار يقول: ارجع إلى مصدر حياتك. حتى ضمير الإنسان المتعذب بسبب الخطية هو نوع من الألم — وهو ألم رحيم يقول: ما فعلته خطأ، وهناك طريق للتوبة والمصالحة.
داود النبي أيضا ذهب إلى الإله بألمه ولم يهرب منه. هذا الألم قاد داود إلى الإله لا إلى اليأس. وهذا هو الفرق بين الألم المثمر والألم المهلك: الفرق يكمن فيما نفعل به. الألم الذي يقودنا إلى الإله هو نعمة مستترة. الألم الذي يدفعنا بعيدا عنه يتحول إلى لعنة.
السبب الثاني: الألم ينضج الشخصية ويكون الإيمان
هل تعلم أن الذهب الخالص لا ينتج إلا بإدخاله النار؟ المعدن الخام الذي يخرج من الأرض يحتاج إلى حرارة شديدة لإزالة الشوائب. الكيميائيون يسمون هذا «الصهر» و«التصفية». والذهب الذي يخرج من تلك النار هو ذهب نقي خالص لا تستطيع الحرارة البيتية العادية أن تنتجه.
هل تعلم أن أقوى الأشجار هي تلك التي نمت في مواجهة أشد الرياح؟ علماء الأحراج يعرفون أن شجرة نمت في بيئة خالية من الرياح تتفوق على شجرة أخرى تنمو في موقع عرضة لعواصف، من حيث سرعة النمو في البداية — لكن جذور الأولى تكون ضعيفة وجذوع الثانية تكون أكثر صلابة وقدرة على الثبات أمام أعاصير المستقبل.
الرسول بولس يكتب بعظمة بالغة في رسالته إلى أهل رومية:
هل ترى هذه السلسلة المذهولة؟ الضيق ← الصبر ← التزكية ← الرجاء ← محبة الإله. هذا ليس وعدا بأن الألم جيد في ذاته. بل هو وعد بأن الإله يستطيع أن يحول ألمك إلى شيء لا يقدر بثمن في شخصيتك وإيمانك. الخسارة والألم والضيق — حين تمر بها مع الإله — تبني في الإنسان صبرا لا تبنيه الرخاء، وتبني رجاء لا تعطيه الراحة.
«اعتبروه كل فرح» — كيف؟ ليس لأن الألم ممتع، بل لأن ما ينتجه الألم في الإنسان المؤمن يستحق كل شيء. تماما كما تقبل الجراحة الأليمة لأنك تعلم أنها ستنقذ حياتك. تماما كما يتألم الرياضي خلال التدريب الشاق لأنه يعرف أنه يبني قدرات جسدية لا تبنيها الراحة. الألم المقبول بوعي وبتسليم لإله عاقل وحكيم ومحب هو ألم مثمر.
السبب الثالث: الألم كتأديب الإله المحب
هناك نوع مخصوص من الألم يسمح به الإله لأبنائه المؤمنين، وهو ألم التأديب. وهذا النوع مؤسس على حقيقة لاهوتية عميقة: الإله أبونا، وهو يحبنا كما يحب الأب الصالح أبناءه.
ثم يستمر هذا النص الرائع ليعطينا الغرض من التأديب:
لاحظ الكلمات الحكيمة: «لا يرى أنه للفرح بل للحزن» — هذا اعتراف صريح بأن التأديب مؤلم. الإله لا يدعي أن التأديب سهل أو ممتع. لكنه يعطي ثمره بعد ذلك: «ثمر بر للسلام». الأب الصالح لا يدلل أبناءه تدليلا يفسدهم. الأب الصالح يؤدبهم لأنه يحبهم ويريد نضجهم وصلاحهم.
الفرق بين التأديب والعقوبة جوهري: العقوبة تأتي من قاض غاضب لإيذاء المذنب. التأديب يأتي من أب محب لإصلاح الابن. حين يؤدب الإله أبناءه المؤمنين، فهو يفعل ذلك من حب عميق، لا من غضب ساخط. «وأما هذا فلأجل المنفعة، لكي نشترك في قداسته» (عبرانيين ١٢: ١٠). الهدف النهائي هو مشاركتنا في قداسة الإله — وهذا أعظم هدف يمكن أن يسعى إليه الوجود البشري.
إن كنت تمر الآن بما يشعرك بالتأديب — بشيء يزعزع حياتك ويجبرك على التوقف والمراجعة — فلا تقاوم ذلك بعناد. اسأل: ماذا يريد الإله أن يعلمني من خلال هذا؟ ما الذي يريد أن يصلحه في حياتي؟ الطالب الذكي هو من يتعلم من امتحاناته لا من يغضب منها.
السبب الرابع: الألم يحرر الإنسان من التعلق بهذا العالم الفاني
الإله يعرف طبيعتنا البشرية أكثر منا. يعرف كيف يسهل علينا أن نغرق في هذه الحياة الفانية وننسى الأبدية. يعرف كيف تصير قلوبنا متيمة بالثروة والراحة واللذة الزائلة حتى تنسى أنها صنعت للأبدية. الإله يعرف أن قلبنا كالسفينة في الميناء — إن أردت أن تبحر، يجب أن تفك حبال التعلق بالرصيف.
وأحيانا، بحكمته الرحيمة التي تفوق كل فهم، يسمح الإله بألم يزلزل الدنيا التي بنيناها لأنفسنا، فتتطلع قلوبنا من جديد نحو ما لا يتزلزل. «لذلك ونحن قابلون ملكوتا لا يتزعزع ليكن عندنا شكر به نخدم الإله خدمة مرضية بخشوع وتقوى» (عبرانيين ١٢: ٢٨). ما لا يتزعزع هو الملكوت الأبدي. ما يتزعزع هو كل ما نبنيه على التراب.
لقد استخدم الإله آلام الاضطهاد لتفريق الكنيسة الأولى فانتشر الإنجيل في كل الأرض. لقد استخدم السجن ليكتب الرسول بولس أعظم رسائل الكتاب المقدس. لقد استخدم الجب ليعد يوسف لإنقاذ شعوب بأكملها. لقد استخدم أربعين سنة في البرية ليشكل موسى قائدا لشعب ملايين الأنفس. الألم في يد الإله ليس نهاية المطاف — بل هو مشغل يصنع فيه الإله أعظم أعماله.
السبب الخامس: الألم يفتح القلب للإنجيل ويقود الخطاة إلى الإله
هناك حقيقة ثمينة يعرفها كل خادم للإنجيل: الألم يفتح الأبواب التي تغلقها الراحة. الإنسان الذي ينعم بصحته وماله وأسرته وراحته نادرا ما يتساءل عن الأبدية. لكن الإنسان الذي يجلس على سرير الألم، أو الذي يقف على قبر من يحب، أو الذي تتفكك حياته أمام عينيه — هذا الإنسان غالبا ما يسأل الأسئلة الأعمق والأهم: لماذا أنا هنا؟ هل توجد معنى لكل هذا؟ هل الإله حقيقي؟ هل يهتم بي؟
الإله يجيب على هذه الأسئلة في كلمته. وأحيانا يسمح بالألم ليوقظ هذه الأسئلة في قلب كان نائما. الألم هو صاحي القلوب التي أخذها النعاس الروحي. كم من إنسان وجد الإله في غرفة المستشفى بعد أن أضاع عمره في البحث عنه في الأماكن الخطأ. كم من إنسان انكسر أمام قبر من أحب وفي ذلك الانكسار وجد لأول مرة الملجأ الحقيقي.
وجواب الإله لبولس لم يكن إزالة الشوكة، بل كان: «تكفيك نعمتي لأن قوتي في الضعف تكمل» (٢ كورنثوس ١٢: ٩). الشوكة أبقت بولس منكسرا متواضعا أمام الإله، متكلا عليه لا على نفسه. كانت الألم نعمة مستترة حفظت أعظم رسل الكتاب المقدس من الكبرياء الذي كان سيهدم خدمته.
القسم الثالث: أيوب — درس التاريخ الأعمق في مواجهة الألم
لا يمكن أن نتحدث عن الألم دون أن نقف طويلا أمام سفر أيوب — ذلك السفر الذي كتبه الإله خصيصا ليجيب على السؤال الذي يصرخ به كل قلب متألم. أيوب لم يكن إنسانا خاطئا يستحق ما أصابه. بل العكس تماما.
وأكد الإله نفسه هذه الشهادة للشيطان قائلا: «هل جعلت قلبك على عبدي أيوب لأنه ليس مثله في الأرض رجل كامل ومستقيم يتقي الإله ويحيد عن الشر» (أيوب ١: ٨). فضرب هذا الإنسان الكامل المستقيم بكل شيء في يوم واحد تقريبا: مات أبناؤه وبناته، ضاع ثروته، أصيب بمرض شديد في جسده، وتركه كل أصدقائه إلا ثلاثة جاؤوا ليتهموه لا ليعزوه.
الدرس الأول من أيوب: ليس كل ألم عقوبة على خطية
هذا خطأ لاهوتي خطير يقع فيه كثيرون: الافتراض التلقائي بأن كل ألم هو عقوبة من الإله على ذنب بعينه. هذا بالضبط ما اعتقده أصدقاء أيوب الثلاثة — وهذا بالضبط ما أخطأوا فيه حتى أسخطوا الإله عليهم.
حين ترى إنسانا يتألم، لا تقل في نفسك «هذا بسبب خطية فعلها». وحين تتألم أنت، لا تسارع إلى الاتهام الذاتي بأن ألمك عقوبة حتمية على ذنب محدد. أحيانا يعاني الأبرار أكثر من الأشرار. أحيانا يأذن الإله بالألم لغايات ليست مرتبطة بخطايا محددة، بل لأغراض أسمى وأعمق في مشيئته السامية. والرب يسوع نفسه أكد هذا: «من أخطأ هذا أم أبواه حتى ولد أعمى؟ أجاب يسوع لا هذا أخطأ ولا أبواه لكن لتظهر أعمال الإله فيه» (يوحنا ٩: ٢-٣).
الدرس الثاني من أيوب: الشيطان مصدر كثير من الألم — لكن الإله صاحب السيادة المطلقة
مشهد السماء في الإصحاحين الأول والثاني من سفر أيوب يكشف حقيقة لاهوتية ثمينة: الشيطان هو الذي طلب مس أيوب، لكنه لم يستطع أن يفعل شيئا إلا في حدود ما أذن به الإله.
هذا يعني أن الشيطان ليس حرا طليقا يصنع ما يشاء. الإله يمسك بكل شيء في قبضته. كل ألم يمر بك — حتى الألم الذي يبدو أن مصدره الشيطان أو الظلم البشري — لا يصلك إلا بعد أن يمر من أمام عرش الإله ويأذن به. وإذا أذن به الإله، فإنه لن يسمح به دون غرض، ولن يتركك فيه وحدك.
هذا لا يجعل الإله مسؤولا أخلاقيا عن الشر — الشيطان والإنسان يختاران الشر بإرادتهما الحرة وهم مسؤولون عنه. لكن الإله في سيادته يستطيع أن يستخدم حتى اختياراتهم الشريرة لأغراضه الصالحة. يوسف قال لإخوته: «أما أنتم فقصدتم لي شرا لكن الإله قصده للخير» (تكوين ٥٠: ٢٠).
الدرس الثالث من أيوب: الألم يكشف ما في قلب الإنسان
اتهام الشيطان لأيوب كان واضحا: «هل مجانا يتقي أيوب الإله؟» كأن الشيطان يقول: إيمان أيوب ليس إيمانا حقيقيا — إنه مجرد صفقة، علاقة تجارية يعبد فيها الإله لأنه ينال البركات. وسمح الإله بالألم ليثبت أن هناك إيمانا حقيقيا يقف لا لأجل البركات بل لأجل الإله نفسه.
الألم يكشف ما في أعماق القلب. يكشف هل الإيمان حقيقي أم مشروط. وحين يخرج الإنسان من بوتقة الألم وهو لا يزال يثق بـالإله — فتلك هي أجمل شهادة يمكن أن يقدمها إنسان. وهي شهادة لا تصدر عن كلام فقط بل عن حياة مختبرة وموثوقة.
الدرس الرابع من أيوب: الإله لا يجيب دائما على «لماذا» — لكنه يعرف نفسه
من الملاحظات المذهولة في سفر أيوب أن الإله حين ظهر لأيوب في الإصحاحات الأخيرة لم يجبه على سؤال «لماذا؟» لم يقل له: اسمع يا أيوب، إنما سمحت بألمك لأن الشيطان اتهمك. لا. بدلا من ذلك، فتح الإله الآفاق وعرف نفسه لأيوب: «أين كنت حين أسست الأرض؟» (أيوب ٣٨: ٤). سؤال بعد سؤال، وصف بعد وصف لعظمة الخالق وحكمته وقدرته.
وكان هذا كافيا لأيوب. لأن حين نعرف الإله حقا — نثق به حتى حين لا نفهم. قال أيوب بعد أن سمع الإله: «قد سمعت عنك بسماع الأذن أما الآن فعيني قد رأتك» (أيوب ٤٢: ٥). معرفة الإله شخصيا أعمق وأكثر ثباتا من أي إجابة عقلية. الإجابات الفلسفية قد تقنع العقل لفترة، لكن معرفة الشخص الذي يحمل الأجوبة هي ما يمنح السلام الحقيقي وسط الألم.
القسم الرابع: المسيح والألم — الإله الذي نزل إلى الألم
هنا نصل إلى أعمق إجابة عن الألم — وهي إجابة ليست فلسفية وليست فكرية فحسب، بل هي إجابة شخصية وجذرية: الإله لم يأذن بالألم دون أن ينزل إليه بنفسه.
هذا هو السر الذي يفرق الإيمان المسيحي عن كل دين آخر في العالم: إلهنا لم يجلس في السماء بعيدا عن الألم يصدر أوامره. إلهنا أخذ جسدا بشريا وعاش في عالم الألم معنا. الرب يسوع المسيح جرب الجوع — «فلما صام أربعين يوما وأربعين ليلة جاع أخيرا» (متى ٤: ٢). جرب التعب — «وكان يسوع قد تعب من السفر فجلس هكذا على البئر» (يوحنا ٤: ٦). جرب الرفض — «جاء إلى خاصته وخاصته لم تقبله» (يوحنا ١: ١١). جرب وجع الخيانة — «يهوذا أيضا الذي أسلمه» (يوحنا ١٨: ٢).
المسيح شارك في الألم البشري
النبي إشعياء تنبأ بمجيء الرب يسوع المسيح ووصف ألمه بكلمات لا تنسى: «رجل أوجاع ومجرب الحزن» (إشعياء ٥٣: ٣). هذا ليس تعبيرا مجازيا. هذا وصف حرفي لمن أخذ على عاتقه أوجاعنا وأحزاننا.
ولما مات لعازر الصديق الذي أحبه، لم يقف الرب يسوع من الألم بعيدا. قالت الكلمة باختصار مؤثر:
دموع الرب يسوع المسيح على قبر لعازر هي الدليل الأقوى على أن الإله لا ينظر إلى ألمنا بلا مبالاة. إنه يبكي معنا. وهذا الدليل لم يأت من فيلسوف يناقش طبيعة الألم — بل جاء من دموع حقيقية على خد إلهي في جسد بشري، أمام قبر صديق.
وحين كتب الرسول بولس عن رئيس كهنتنا العظيم قال: «لأن رئيس كهنتنا ليس له أن يشفق على ضعفاتنا بل مجرب في كل شيء مثلنا بلا خطية» (عبرانيين ٤: ١٥). «مجرب في كل شيء مثلنا» — هذا يعني أن الرب يسوع يفهم من تجربته الشخصية المباشرة ما تشعر به حين تتألم. ليس فهما نظريا بل فهما تجريبيا حيا.
الصليب — حيث حمل الإله أشد الألم
لكن أعمق شيء لا يقال بسهولة: الإله لم يكتف بمشاركتنا الألم — بل حمل عنا أشد ألم في تاريخ الكون. على صليب الجلجلة، تحمل الرب يسوع المسيح الألم الجسدي والألم النفسي والألم الروحي، والأعظم من كل ذلك — تحمل غضب الآب العادل على خطايانا.
«لم يشفق على ابنه» — هذه الكلمات تكشف عمق ألم الآب نفسه حين أعطى ابنه الوحيد. لم يكن الإله منفصلا بعيدا عن ألم الصليب — كان الألم يمزق قلبه الآبوي وهو يسمح بما سمح به لأجل خلاصنا.
الإله لم يأذن بألمنا ويتفرج من السماء. الإله نزل إلى ألمنا وحمل عنا الألم الأعظم — عقوبة خطايانا. هذا هو الصليب. ليس مجرد شعار ديني بل أعمق حقيقة في تاريخ الكون: الإله يتألم لأجل خليقته.
على الصليب صرخ الرب يسوع المسيح: «إلهي إلهي لماذا تركتني؟» (متى ٢٧: ٤٦). هذه الصرخة هي الدليل على أنه تجرع فعلا ما كنا نستحق أن نتجرعه — الانفصال عن الإله. تحمل عنا ليعطينا ما لم نستحقه — الوصول إلى حضرة الإله. وهذا الانفصال لم يدم. في اليوم الثالث قام من الأموات، وبقيامته أعلن أن الموت والألم ليسا الكلمة الأخيرة.
ألم المسيح هو الدليل على أن الإله يفهم ألمنا
حين تعاني، حين تكون في الظلام ولا تفهم ما يجري، حين تشعر أن الإله بعيد — تذكر هذه الكلمات الخالدة التي كتب الرسول بولس:
الألم لا يفصلنا عن الإله. بل الألم أحيانا هو الطريق الذي يقودنا إليه بشكل أعمق مما كان يمكن أن تقودنا إليه الراحة. كثيرا ما تصير العلاقة مع الإله أعمق في ساعات الشدة عنها في ساعات الرخاء. لأن في الرخاء نميل إلى الاكتفاء بأنفسنا، أما في الألم فنحتاج أن ننكسر أمام الإله ونفتح قلوبنا بشكل حقيقي.
القسم الخامس: المنظور الأبدي — الألم في ضوء المجد الآتي
الألم الحاضر مؤقت والمجد الآتي أبدي
اسمع كلام الرسول بولس — هذا الرجل الذي جلد خمسا وثلاثين مرة، وسجن، ورجم، وكسرت سفينته ثلاث مرات، وعانى الجوع والبرد والتعب — اسمع ما قاله عن الألم:
يا له من منظور يغير كل شيء. «خفة ضيقتنا الوقتية» — هذا هو وصف بولس لألمه الذي لو سمعت تفاصيله لاعتبرته ألما لا يحتمل. لكنه يضعه في ميزان مع «ثقل مجد أبديا» — فيبدو كريشة في موازاة جبل. المؤمن لا يعيش في فقاعة محصورة في هذه الحياة. المؤمن يعيش في ضوء الأبدية.
هذا المنظور الأبدي لا يلغي الألم الحاضر ولا يقول «تجاهل ألمك». يقول: ضع ألمك في السياق الصحيح. ألمك حقيقي ومؤلم — لكنه مؤقت. والمجد الآتي حقيقي أيضا — وهو أبدي. ووزن الأبدي كلما كبر في نظرك، كلما بدا الألم المؤقت أقل ثقلا. ليس لأنه أصبح أقل ألما بل لأن ما ينتظرك أعظم بما لا يقاس.
يوم سيأتي فيه لا ألم ولا حزن
الإله وعدنا في كلمته بيوم مبارك سيجيء حين يكون كل هذا الألم قد انتهى إلى غير رجعة. اسمع هذا الوعد الذهبي من سفر الرؤيا:
«والوجع لا يكون في ما بعد» — كم تحتاج أن تسمع هذه الكلمات في وسط ألمك. الألم الذي تعيشه الآن مؤقت. الألم الذي يمزق قلبك سينتهي. الإله نفسه سيمسح كل دمعة من عينيك بيده. وكلمة «سيمسح» هذه صورة لأب يجلس مع طفله المتألم ويمسح دموعه بيده — ليس بعيدا ليس صامتا ليس بلا مبالاة، بل حاضرا قريبا محبا.
ولاحظ أن الإله يصف هذا اليوم بأن «الأمور الأولى قد مضت» — أي أن الألم والحزن والصراخ والموت التي نعيشها الآن هي «الأمور الأولى» — ليست الأمور الأخيرة. الفصل الأخير في القصة لم يكتب بعد، والقلم في يد الإله.
القسم السادس: كيف نواجه الألم بشكل صحيح؟
أولا: لا تهرب من الألم — اذهب به إلى الإله
داود النبي لم يتظاهر بأن الألم غير موجود. لم يبتسم ابتسامة زائفة ويقل «كل شيء بخير». بل صرخ من أعماقه:
هذا ليس كفرا — هذا إيمان حقيقي يذهب بألمه الأشد إلى الإله. ولاحظ أن هذا المزمور نفسه ينتهي بالثقة والتسبيح (مزامير ٢٢: ٢٢-٣١). الرحلة من صرخة «لماذا تركتني؟» إلى تسبيح «يسبحه كل زروع يعقوب» هي رحلة الإيمان الحقيقي — لا رحلة إنكار الألم بل رحلة المشي من خلاله حتى النهاية.
الكتاب المقدس مليء بمزامير الألم والشكوى. نصف مزامير داود تقريبا هي مزامير ألم وشكوى وتساؤل. الإله لم يحذف هذه المزامير من الكتاب المقدس — بل حفظها لأجيال. لأنه يريدنا أن نعرف أن الألم المصبوب أمامه هو عبادة. أن التساؤل المرفوع إليه هو صلاة. لا تحمل ألمك وحدك حتى يسحقك — اذهب به إلى الذي يقول: «هلم إلي يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أريحكم» (متى ١١: ٢٨).
ثانيا: ثق بأن الإله يعمل حتى حين لا ترى
وعد الإله الذي لا ينكسر:
«كل الأشياء» — ليس «بعض الأشياء»، وليس «الأشياء الجيدة فقط» — بل «كل الأشياء» بما فيها الألم. الإله يعمل في الألم لصالحك حتى حين لا تفهم وحين لا ترى. هذا الوعد ليس ادعاء رخيصا أن كل شيء جيد — بل هو وعد بأن الإله يحول الأشياء حتى غير الجيدة للخير لمن يحبونه.
يوسف لم يفهم لماذا ألقاه إخوته في الجب. لم يفهم لماذا بيع عبدا. لم يفهم لماذا سجن وهو بريء. لكن في نهاية المطاف رأى كيف أن الإله كان يرسم بكل هذه الآلام خطا يقوده إلى مكانه الذي خصصه الإله له — لينقذ شعوبا بأكملها. «كل الأشياء تعمل معا للخير» — حتى الجب، حتى السجن، حتى الاتهام الباطل.
ثالثا: الثبات في الألم هو شهادة حية للعالم
حين يرى العالم مؤمنا يمر بأشد الألم ولا يزال يثق بـالإله ويسبحه ويخدمه — فإن هذه الشهادة أقوى من آلاف الخطب. بولس وسيلا في السجن حين كانت أرجلهما في المقطرة «كانا يصليان ويسبحان الإله» (أعمال ١٦: ٢٥). والنتيجة؟ تحول السجان وأهل بيته إلى الإيمان.
الإيمان الذي يصمد في وسط الألم هو الإيمان الذي يجذب الآخرين. الكلمات يمكن أن تقال في أي وقت. لكن مؤمنا يغني في السجن، ومؤمنا يشكر الإله في غرفة المستشفى، ومؤمنا يقول «الرب أعطى والرب أخذ» أمام قبر محبوبه — هذا هو الإعلان الذي لا تستطيع الإجابات الفلسفية أن تفعل مثله.
رابعا: انظر إلى المسيح لا إلى الألم
النظر إلى الرب يسوع المسيح لا يزيل الألم فورا، لكنه يغير معنى الألم ويعطيك قوة لاحتماله. الرب يسوع المسيح «من أجل السرور الموضوع أمامه احتمل الصليب مستهينا بالخزي» — لأنه كان ينظر إلى ما وراء الصليب. وأنت حين تنظر إلى ما وراء ألمك الحاضر — إلى الرجاء الموضوع أمامك في المسيح — تجد قوة لا تأتي من نفسك.
«احتمل الصليب مستهينا بالخزي» — لم يقل الكاتب «مستمتعا بالصليب» أو «غير شاعر بألم الصليب». بل «محتملا»، أي أنه شعر بثقله ومع ذلك ثبت. وهذا هو ما يطلبه الإله منك — ليس أن تتظاهر بأن الألم غير موجود، بل أن تحتمله بنظرك الثابت على مصدر القوة.
القسم السابع: رسالة لقلب في قلب الألم الآن
أريد أن أتكلم إليك مباشرة الآن. ليس كعالم يكتب دراسة نظرية، بل كإنسان يعرف معنى الألم ويعرف معنى الإيمان وسطه.
إن كنت تقرأ هذه الكلمات وأنت تمر بألم الآن — ألم يشعر أنه لا يطاق — فأريد أن تعرف شيئا واحدا: أنت لست وحدك.
الإله يراك. هذه ليست كلمة زائفة توزع على الجميع. هذا وعد كتابي حرفي: «عيناه على طرق الإنسان وهو يرى كل خطواته» (أيوب ٣٤: ٢١). الإله الذي يرى كل خطواتك يرى أيضا كل دموعك. «دموعي أنت تعدها حافظها في سقائك أليست مكتوبة في كتابك؟» (مزامير ٥٦: ٨). الإله يعد دموعك. يحفظها. يكتبها.
الإله يسمعك. «هذا المسكين صرخ فاستجاب الرب وخلصه من كل ضيقاته» (مزامير ٣٤: ٦). ليس فقط الأقوياء ومن يبدون تماسكا — بل المسكين الذي يصرخ. الإله يسمع الصرخة.
الإله يحبك بحب لا يتغير ولا ينقطع. «بمحبة أبدية أحببتك لذلك أديم لك الرحمة» (إرميا ٣١: ٣). «أبدية» — ليست مشروطة بأداء معين. ليست متوقفة على عدم وجود ألم في حياتك. ألمك ليس دليلا على أن الإله أدار ظهره لك — بل ربما هو اللحظة التي يريد فيها أن يقربك منه بشكل لم يكن ممكنا في الراحة.
أيوب في وسط ألمه قال: «وأنا أعلم أن وليي حي وأنه في الآخرة سيقوم على التراب وبعد أن يفسد هذا جلدي فبدون جسدي سأرى الإله أنا بنفسي سأراه وعيناي ستنظران لا عيون آخر» (أيوب ١٩: ٢٥-٢٧). في وسط أشد الألم وأعمق الحزن — رأى أيوب وليه الحي وأبدى شهادة لم تصدر عنه في الرخاء.
الفرق بين الألم بدون الإله والألم مع الإله
الألم بدون الإله هو ظلام بلا نور، وطريق بلا خريطة، ونهاية بلا أمل. كثيرا ما ينتهي بالمرارة، بالانغلاق، بالشخصية المصدومة التي لا تستطيع أن تحب بعد الآن لأن الألم كسر قدرتها على الثقة. الألم بدون الإله يسحق الإنسان.
الألم مع الإله لا يزال ألما — لكنه ألم مسنود من حضرة إلهية، ومحاط بوعود لا تنكسر، ومتجه نحو أبدية لا يكون فيها وجع. الألم مع الإله يمكن أن يصنع من الإنسان إنسانا أعمق، أكثر تعاطفا مع الآخرين، أكثر قدرة على الإحساس بألم من حوله وتقديم المساعدة.
الفرق الجوهري ليس في غياب الألم — بل في حضور من يحمل الألم معك. «إني معكم طول الأيام حتى انقضاء الدهر» (متى ٢٨: ٢٠) — هذا وعد الرب يسوع المسيح لكل من يثق به. ليس «سأحمي حياتك من كل ألم» بل «سأكون معك في كل ما تمر به». وهذا الحضور هو كل شيء.
ختام: الألم ليس آخر الكلام — القيامة هي آخر الكلام
ونصل في النهاية إلى الحقيقة التي تجيب إجابة نهائية عن الألم: القيامة. قيامة الرب يسوع المسيح من الأموات هي الدليل الأقوى والأعظم على أن الألم ليس آخر الكلام. الصليب كان يبدو نهاية. القبر كان يبدو نهاية. لكن فجر الأحد الأول أعلن للكون كله: الإله يصنع من الألم والموت حياة ومجدا.
هذه الآية القصيرة تحمل أعظم إجابة: الألم الذي تتحمله مع الرب يسوع المسيح سيفضي إلى مجد معه. الطريق إلى المجد كان الصليب — للرب يسوع المسيح ولكل من يسير في طريقه.
الألم إذن ليس نهاية القصة. إنه جزء من الطريق نحو النهاية المجيدة التي أعدها الإله لكل من يؤمن بابنه. «أرى رياح الصباح تهب» — الصبح قادم. ألمك الليلي ليس دائما. النور يأتي.
وهذه القيامة ليست مجرد حدث تاريخي انتهى. هي وعد يختص بك شخصيا. «من آمن بي وإن مات فسيحيا» (يوحنا ١١: ٢٥). «وإن مات» — أي حتى لو واجهت أقصى ما يمكن أن يواجهه الإنسان، وهو الموت — فالوعد قائم بالحياة. لأن الذي قام هو حي إلى الأبد، والحي إلى الأبد لا تعجزه أي قوة أن يحيي من مات على أمله.
القسم الثامن: شهادات من التاريخ — كيف واجه المؤمنون الألم العظيم
الشهداء الأوائل — الألم الذي لم يصمت الفم
ليس أبلغ في الإجابة على سؤال الألم من شهادة أناس واجهوا أشده ولم ينكسروا. في القرن الأول والثاني من تاريخ الكنيسة، اضطهد الرومان المسيحيين بطرق يصعب وصفها. القدر الساخنة، الأسود والضباع، الصلب، الإحراق. ورأى الناظرون شيئا لم يفهموه: المسيحيون كانوا يغنون. وكلما ضرب أحدهم أكثر، كلما ازداد شهادة لمن يراه.
بوليكارب أسقف سميرنا، الذي استشهد عام ١٥٦ م وهو في الثمانين أو ما يزيد، حين طلب منه أن يكفر بالمسيح لينجو قال: «ست وثمانون سنة وأنا في خدمته ولم يؤذني أبدا — فكيف أجدف على الملك الذي خلصني؟» ثم طلب من مضطهديه ألا يربطوه على الخازوق قائلا: «الإله الذي يعطيني قوة الاحتمال سيعطيني أيضا قوة الثبات بلا قيود.» هذا الشيخ المتألم رأى ما لا تراه عيون أعدائه — رأى الرجاء الأبدي خلف ألم الحاضر.
إغناطيوس الأنطاكي الذي أرسل إلى روما ليلقى للأسود في الملعب، كتب في طريقه رسائل تنضح بالسلام. كتب: «الآن أبدأ أن أكون تلميذا. لا شيء من الأشياء المنظورة واللامنظورة يمنعني من الوصول إلى يسوع المسيح. النار والصليب وزمر الوحوش والتمزيق والتشتيت والتفتيت لجسمي — كل عذابات الشيطان لتأتي علي، إن كانت وسيلة فقط للوصول إلى يسوع المسيح.» كلمات رجل رأى في الألم بوابة لا سدا.
ما الذي جعل هؤلاء الناس يواجهون أشد الآلام بهذه الطريقة؟ لم يكن الحماسة الدينية العمياء. كان الإيمان الحقيقي بأن الرب يسوع المسيح قام من الأموات وأن الموت ليس النهاية. كان الإيمان بأن «غير أنه في الأشياء كلها يكثر انتصارنا بالذي أحبنا» (رومية ٨: ٣٧). الألم الذي لا يفهم بدون الإله يصبح محتملا — بل متجاوزا — مع الإله.
داود — المزمار في الكهف
داود الملك لم يكن إنسانا تجنب الألم. كان يهرب من أبيه بالإيمان شاؤول الذي حاول قتله مرات عديدة. وكان يخبئ نفسه في الكهوف والبراري. في تلك الكهوف كتب بعض أعمق المزامير. مزمور ٥٧ كتب في الكهف: «يرحمني الإله يرحمني لأن نفسي تحتمي به وفي ظل جناحيك أحتمي حتى تعدو الشدائد.»
كيف يكتب إنسان في الكهف هاربا من أعدائه كلمة «مجد للإله»؟ كيف يسبح من يرى موته قريبا كل يوم؟ لأنه كان يرى بعيني الإيمان ما لا تراه عيون الجسد. كان يرى أن الإله حاضر في الكهف. كان يعرف أن «حتى الإنسان يريد قتلي، الإله يحفظ حياتي لغرض.» وقد تحقق ذلك — الشاب الهارب في الكهوف صار ملكا عظيما وكاتب مزامير لا تزال تعزي ملايين البشر بعد ثلاثة آلاف سنة.
بولس — فرح في السجن
أكتب «فرح» و«سجن» في جملة واحدة ويبدو التناقض واضحا. لكن رسالة بولس إلى أهل فيلبي — وهي تسمى أحيانا «رسالة الفرح» — كتبت في الأسر. «افرحوا في الرب دائما وأقول أيضا افرحوا» (فيلبي ٤: ٤). كيف؟ «لأني تعلمت أن أكون مكتفيا في كل حال» (فيلبي ٤: ١١). «تعلمت» — ليست سجية فطرية بل مهارة اكتسبها بالتمرس في الألم.
سر بولس كان بسيطا وعميقا في آن: «أستطيع كل شيء في المسيح الذي يقويني» (فيلبي ٤: ١٣). ليس «أستطيع كل شيء بإرادتي» ولا «أستطيع كل شيء لأنني قوي» — بل «في المسيح الذي يقويني». مصدر القوة خارجي. هو يأتي من الربط الحي مع من قام من الأموات. وهذا الربط لا يستطيع أي سجن أن يقطعه.
القسم التاسع: أسئلة حقيقية — وإجابات صادقة
هل يعني الألم أن الإله لا يهتم بي شخصيا؟
لا. الألم ليس دليلا على عدم اهتمام الإله. بل على العكس — كثيرا ما يكون الألم تعبيرا عن اهتمام الإله العميق بك. «إن تأديبتم فهو يعاملكم كأبناء وأي ابن لا يؤدبه أبوه» (عبرانيين ١٢: ٧). الأب الذي يهتم بابنه هو الذي يؤدبه ويصحح مساره. الأب الذي لا يهتم يترك ابنه يفعل ما يشاء دون تدخل.
والمقياس الحقيقي لاهتمام الإله بك ليس غياب الألم من حياتك، بل حضوره معك في الألم. «لأن الرب إلهك هو معك أينما ذهبت» (يشوع ١: ٩). «حتى في وادي ظل الموت» (مزامير ٢٣: ٤) — حتى في أعمق وادي وأظلمه، هو معك.
لماذا يعاني الأبرياء والأطفال؟
هذا من أشد الأسئلة على القلب. طفل يتألم لا يفهم لماذا. إنسان بريء يتعذب بسبب ظلم غيره. هذا السؤال لا تكفيه إجابة فلسفية قصيرة. لكن الكتاب المقدس يعطينا عدة اعتبارات.
أولا: ألم الأبرياء هو من أبشع ثمار الخطية في العالم. الخطية لا تؤثر على الخاطئ وحده — بل تموج بآثارها في كل من حوله. الطفل الذي يتألم بسبب ظلم والديه لا يتألم بسبب خطاياه هو — بل بسبب الخطية التي تسري في جيل بعد جيل. هذا يجعل الخطية أبشع مما نظن، ويجعل خلاصنا منها أكثر إلحاحا مما ندرك.
ثانيا: الإله يرى ألم الأبرياء ولا يمر عليه ببرود. «دموع المظلومين كانت أمامه» (جامعة ٤: ١). يوم سيأتي يصفي فيه الإله كل الحسابات بعدله الكامل. لن يهمل شيء ولن ينسى ألم. «انتقامي وجزائي» (تثنية ٣٢: ٣٥). الإله هو القاضي العادل الذي يحصي كل شيء.
ثالثا: للإجابة الكاملة على ألم الأبرياء نحتاج المنظور الأبدي. ما يبدو مأساة من منظور هذه الحياة القصيرة قد يكون مختلفا تماما من منظور الأبدية. «فإني أحسب أن آلام الزمان الحاضر لا تقاس بالمجد العتيد أن يستعلن فينا» — حتى ألم الأبرياء يدخل في هذا الميزان.
هل يعني ألمي أن إيماني ضعيف؟
لا. هذا خطأ شائع ومؤلم. كثيرا ما يشعر المؤمن المتألم بإدانة مضافة: «لو كان إيماني أقوى لما تألمت هكذا.» لكن الكتاب المقدس لا يدعم هذا الفكر. يوحنا المعمدان — الذي أشهد له الرب يسوع بأنه أعظم المولودين من النساء — جلس في السجن يتساءل وشك. أيوب الكامل المستقيم تألم أشد الألم. بولس صاحب الإعلانات العظيمة حمل شوكة في جسده لم ترفع عنه.
الألم لا يعني ضعف الإيمان. الإيمان الحقيقي لا يقاس بغياب الألم بل بالاستمرار في الثقة بـالإله وسط الألم. «الذي يثبت إلى المنتهى فهذا يخلص» (متى ٢٤: ١٣). الثبات وسط الألم — لا غياب الألم — هو ثمرة الإيمان القوي.
إذا طلبت الشفاء ولم يأت — هل معنى ذلك أن الإله لا يسمع؟
هذا سؤال يطرحه كثيرون بدموع حقيقية. طلب الشفاء مرات لا تحصى. المرض لا يزال موجودا. الإله يسمع — هذا مؤكد في كلمته. لكن إجابة الإله لا تكون دائما «نعم». أحيانا تكون «انتظر». وأحيانا تكون «لا — لكن نعمتي تكفيك».
هذا بالضبط ما حدث مع بولس وشوكته. «من أجل هذا تضرعت للرب ثلاث مرات» (٢ كورنثوس ١٢: ٨). ثلاث مرات — وليس مرة واحدة بلا إيمان. ثلاث مرات بإيمان حقيقي. والجواب لم يكن إزالة الشوكة بل قوة للاحتمال. وهذا الجواب — كما رأينا — كان في حقيقته نعمة أعظم من إزالة الشوكة.
الإله يجيب. لكن إجاباته ليست دائما ما نتوقع. هو يرى أكثر مما نرى ويعرف أكثر مما نعرف. الثقة بحكمته حتى حين نختلف مع جوابه — هذه هي قمة الإيمان.
القسم العاشر: الألم والعبادة — كيف يصير الألم تسبيحا
التسبيح في الظلام
من أجمل ما في الكتاب المقدس أن كثيرا من أعظم أغاني التسبيح نشأت في قلب الألم. المزمور الثالث والعشرون لا يبدأ بمرج ومياه راحة — بل ينتهي بهما بعد أن يمر بـ«وادي ظل الموت». المزمور الحادي والعشرون يبدأ بالصرخة «لماذا تركتني؟» وينتهي بتسبيح. أغاني إشعياء الخمس والثلاثين تصف صحراء تتحول إلى جنة — ليس إنكارا للصحراء بل تحويلا لها.
الرسول بولس يكتب: «أسبح بالروح» — وهذا التسبيح لم ينشأ في غرفة مريحة بل في سياق حديثه عن ضعفاته وشدائده. التسبيح الحقيقي ليس ما يأتي سهلا في أوقات الرخاء — بل ما يختار بإرادة واعية في الشدة. «أبارك الرب في كل وقت تسبيحه دائما في فمي» (مزامير ٣٤: ١) — «في كل وقت» يعني حتى في أوقات الألم.
وهناك سر في هذا التسبيح وسط الألم: هو يغير شيئا في داخلنا. ليس لأن التسبيح ينكر الألم أو يتجاهله، بل لأنه يعيد ترتيب أولوياتنا ويذكرنا بمن نحن فيه. حين نسبح الإله وسط الألم، نعلن أن الإله أعظم من الألم. نعلن أن ثقتنا ليست في غياب الشدائد بل في حضور الرب وسطها.
الصلاة التي لا تجد كلمات
أحيانا يكون الألم أعمق من أن يجد له الإنسان كلمات. تجلس أمام الإله ولا تستطيع أن تقول شيئا. الدموع تسبق الكلمات. الحزن أعمق من أن يعبر عنه. ما الذي يقال في هذه اللحظات؟
الكتاب المقدس يعطينا عزاء عميقا هنا: «وكذلك الروح أيضا يعاضدنا في ضعفاتنا إذ لسنا نعلم ما نصلي به كما ينبغي لكن الروح نفسه يشفع فينا بأنات لا ينطق بها» (رومية ٨: ٢٦). «أنات لا ينطق بها» — الروح القدس يترجم أنات قلبك المتألم إلى صلوات يسمعها الإله.
أنت لست مضطرا لأن تجد الكلمات الصحيحة أو الصياغة المثالية. يكفيك أن تجلس أمام الإله في صمت وبكاء. هو يقرأ القلوب لا الكلمات. والروح القدس الذي يسكن فيك يشفع عنك بما لا يقال.
القسم الحادي عشر: نظرة أخيرة — ماذا يعلمنا الألم عن الإله؟
الألم يعلمنا أن الإله قادر ومحب معا
الفيلسوف القديم كان يقول: إما أن يكون الإله قادرا ولا يمنع الألم فهو غير محب، أو أن يكون محبا ولا يستطيع منعه فهو غير قادر. لكن هذا يفترض أن الحب يعني دائما إبعاد كل ألم فوري — وهذا ليس ما نعيشه حتى في علاقاتنا البشرية.
الطبيب الذي يحب مريضه يأمره أحيانا بعملية مؤلمة. الأب الذي يحب ابنه يسمح له أحيانا بأن يخفق ويتألم لأنه يعرف أن في ذلك نموا لا يأتي بطريقة أخرى. الحب الأعمق ليس الحب الذي يبعد كل ألم فوري — بل الحب الذي يرى الصالح البعيد ويعمل لأجله حتى لو كلف ذلك ألما قريبا.
الإله قادر على إزالة كل ألم. واختياره أحيانا ألا يفعل ليس دليلا على عجزه أو عدم محبته — بل دليل على أنه يرى ما لا نرى، ويعمل لأجل خير أعمق مما نستطيع أن نتصور.
الألم يعلمنا أن الإله جاد في أمر الخطية
لو أزال الإله كل ألم فورا، لأصبح العالم يعيش بدون عواقب لخياراته. الكذب لن يكلف شيئا. الظلم لن يترك أثرا. الخطية ستصبح بلا ثمن. لكن الإله جاد في أمر الخطية — ليس لأنه يريد أن يعذب الناس، بل لأن الخطية هي العدو الحقيقي لكل خير وجمال وحب.
وجود الألم في العالم كنتيجة للخطية يعلن أن للأفعال عواقب، وأن الكون مبني على نظام أخلاقي حقيقي. هذا بحد ذاته دليل على عظمة الإله وعدله، لا على قسوته. الإله الذي يتسامح مع الخطية ولا يسمح لها بأن تخلف عواقب ليس إلها عادلا بل إلها غير مبال بالأخلاق. والعالم في هذه الحالة سيكون أشد قسوة وأشد فوضى مما هو الآن.
الألم يعلمنا أن نشتهي الأبدية
«الأمور الأولى قد مضت» (رؤيا ٢١: ٤). ما نعيشه الآن — الألم والحزن والموت — هي «الأمور الأولى». ليست الأمور الأخيرة. الألم يذكرنا كل يوم بأن هذا العالم ليس الوطن النهائي. «لأنه ليس لنا هنا مدينة دائمة بل نطلب العتيدة» (عبرانيين ١٣: ١٤).
لو لم يكن هناك ألم لربما نسينا أننا مسافرون لا مستوطنون. لربما أصبحنا نبني بيوتا دائمة في مكان هو في الحقيقة فندق. الألم يبقي شوقنا للوطن الحقيقي حيا. يبقي قلوبنا متطلعة إلى «السماء الجديدة والأرض الجديدة» (رؤيا ٢١: ١). يجعلنا لا نستقر بشكل كامل في هذا العالم الموقت.
وهذا الشوق ليس ضعفا — بل هو حكمة. الحكمة التي فهمها بولس حين قال: «لي اشتهاء أن أنطلق وأكون مع المسيح» (فيلبي ١: ٢٣). لا يعني ذلك كراهية الحياة — بل يعني أنه رأى ما هو أعظم منها. وهذا ما يجعل الموت عند المؤمن ليس كارثة بل عبورا.
خلاصة: ما الذي نحمله من هذا المقال؟
ونصل إلى نهاية رحلتنا الطويلة في هذا الموضوع العميق. ليست هذه نهاية كاملة — لأن سؤال الألم لا تغلق على إجابته ملفات في لقاء واحد. لكننا حملنا على الأقل عدة حقائق ثابتة:
الألم لم يأت من الإله — جاء من الخطية. الإله هو النور الذي يقف ضد الألم لا مصدره.
الألم في يد الإله يحول — إلى جرس إنذار، إلى بناء شخصية، إلى تأديب محب، إلى إبعاد عن التعلق بالفاني، إلى فتح أبواب للإنجيل.
الإله دخل الألم بنفسه — في جسد الرب يسوع المسيح، ثم على الصليب حمل أكثره. هو يعرف من التجربة المباشرة ما تشعر به.
الألم مؤقت والمجد أبدي — وإذا وضع كل ألم في الميزان مع المجد العتيد، فإنه يبدو خفيفا وإن كان الآن ثقيلا.
القيامة هي الكلمة الأخيرة — ليس الصليب ولا القبر ولا الألم. الإله يصنع من الموت حياة، ومن الألم مجدا.
هذا هو الوعد. وهو وعد لا ينكسر.
القسم الثاني عشر: الألم والنمو — كيف يصنع الإله من الجراح مواهب
الجرح الذي يصير عطاء
هناك ظاهرة لافتة في حياة كثير من الذين مروا بألم عميق وخرجوا منه مع الإله: كثيرا ما يكون الجرح الذي مروا به هو نفسه المنطقة التي يعطون منها للآخرين أكثر ما يعطون. الذي مر بإدمان وشفي يستطيع أن يمد يده للمدمن بطريقة لا يستطيعها من لم يمر بتلك التجربة. الذي فقد ابنه يستطيع أن يجلس مع الأب الثاكل بمستوى من الفهم لا تعطيه الكلمات النظرية. الذي عانى من الاكتئاب الشديد يحمل في طيه رحمة للنفوس الذابلة لا يملكها من لم يذق ذلك الظلام.
هذه الظاهرة ليست صدفة. إنها ثمرة ما كتبه بولس: «الذي يعزينا في كل ضيقتنا حتى نستطيع أن نعزي الذين هم في كل ضيقة بالتعزية التي نتعزى نحن بها من الإله» (٢ كورنثوس ١: ٤). التعزية التي تأخذها من الإله في ضيقتك تصبح تعزية تعطيها لغيرك في ضيقته. الألم يصير قناة للنعمة.
وهذا يعني شيئا مهما: ألمك ليس مهدرا. حتى لو لم تر فائدته الآن، الإله يخزن التجربة ويخطط ليستخدمها في خدمة شخص آخر في يوم ما. ربما شخص لا تعرفه الآن، في مكان لا تتوقعه، في وقت لم يأت بعد. الآلام التي مررت بها ليست ملكك وحدك — هي بذور ستثمر يوما ما في حياة شخص آخر محتاج.
التعاطف — المهارة التي لا تكتسب إلا بالألم
«لأنه بما قد تألم وهو مجرب يقدر أن يعين المجربين» (عبرانيين ٢: ١٨). هذه الآية تتكلم عن الرب يسوع المسيح — أنه تألم حتى يستطيع أن يعين المتألمين. لكن المبدأ نفسه ينطبق بشكل ما على كل من يمر بالألم ويختبر نعمة الإله فيه.
التعاطف الحقيقي — الذي يحدث فرقا في حياة الشخص المتألم — لا يصدر فقط عن معرفة نظرية بالألم. يصدر عن قلب مشقوق هو الآخر، ومن الشق نفسه وجد نعمة الإله تتدفق. الكلمات التي تصدر من «أنا مررت بشيء مشابه وعرفت أن الإله حاضر حتى هناك» لها وزن لا تملكه أجمل الخطب النظرية.
والرب يسوع المسيح نفسه لم يكتف بأن يعرف ألمنا نظريا — اختار أن يدخل فيه. «إذ قد تألم وهو مجرب» — التجربة الشخصية جعلت منه أعظم معز في تاريخ الكون. وحين تعزي أنت شخصا متألما بكلمة «مررت بشيء مشابه»، أنت تعكس شيئا من طبيعة الرب يسوع المسيح نفسه.
الألم والإبداع — حين تثمر الجراح جمالا
من أعمق المفارقات في التاريخ الإنساني أن كثيرا من أعظم الأعمال الأدبية والموسيقية والفنية نشأت في أحضان الألم. داود كتب مزاميره الأعمق من الكهوف والمنافي. المزمور الحادي والعشرون الذي تنبأ بصليب المسيح كتب على وقع أشد المعاناة. جون بنيان كتب «رحلة الحاج» من السجن. لم يكن ليكتبه من صالون مريح.
كثير من أعظم الفنانين المسيحيين شهدوا أن أعمق الكلمات التي كتبوا أو لحنوا لم تأت في أوقات الراحة بل في أوقات الشدة. «كلما انفتح الجرح أكثر تدفق من الكلمات» — هكذا وصف أحدهم تجربته. لأن الألم يزيل طبقات السطحية ويصل إلى أعماق الروح حيث الحقيقة الأعمق تسكن.
وهذا ليس مدحا للألم في ذاته — بل مدح لـالإله الذي يستطيع أن يأخذ كل شيء، حتى الجراح، ويحوله إلى شيء جميل. «يجعل كل شيء حسنا في وقته» (جامعة ٣: ١١). ليس «يجعل كل شيء سهلا» بل «حسنا في وقته» — بما في ذلك الأشياء المؤلمة التي لا نفهم حسنها الآن.
القسم الثالث عشر: وقفة مع من يرافق متألما
كيف تجلس مع من يتألم
ليس كل من يقرأ هذه الكلمات يمر بألم شخصي الآن — بعضهم يعيش مع أو بجانب شخص يمر بألم عميق. زوج، طفل، والد، صديق مقرب. ما الذي تقوله لهم؟ كيف تساعد؟
أصدقاء أيوب جاؤوا في البداية وفعلوا الشيء الصحيح: «جلسوا معه على الأرض سبعة أيام وسبع ليال ولم يتكلم أحد بكلمة لأنهم رأوا أن الوجع قد اشتد جدا» (أيوب ٢: ١٣). الصمت المصاحب أحيانا أبلغ من الكلام. الجلوس مع شخص في ألمه دون إصرار على تقديم إجابات يمكن أن يكون هبة عظيمة.
الخطأ كان يبدأ حين فتحوا أفواههم لتقديم التفسيرات والاتهامات. «يجب أن تكون أخطأت» — هذه الكلمة تضيف ألما فوق ألم. المتألم لا يحتاج في لحظة ألمه محاضرة — يحتاج حضورا. يحتاج أن يعرف أنه غير وحيد. يحتاج ربما دموعا تبكى معه لا كلمات تشرح له.
«ابكوا مع الباكين» (رومية ١٢: ١٥) — هذه الوصية لا تطلب منك أن تجد الإجابة الصحيحة. تطلب منك أن تكون حاضرا بقلبك مع المتألم. أن تدع ألمه يمسك. أن لا تهرب من ثقل حزنه بالكلام الكثير. أن تجلس وتبكي إن احتجت. هذا التضامن في الألم هو من أجمل تعبيرات محبة المسيح.
ما يجب أن يقال وما يجب أن يصمت
الكلمات التي تعين المتألم غالبا هي كلمات قليلة ومن القلب: «أنا هنا.» «أنا معك.» «أنا آسف جدا.» «أشعر بثقل ما تمر به.» هذه الكلمات لا تقدم تفسيرات — تقدم حضورا.
الكلمات التي يجب الانتباه إليها لأنها قد تؤلم حتى وإن نبعت من نية طيبة: «كل شيء سيكون بخير» — قد يبدو تهوينا لما يمر به. «الإله لا يعطيك أكثر مما تستطيع» — هذا تعبير غير كتابي وقد يشعر المتألم بأنه وحيد مع عبء ثقيل. «يجب أن يكون له حكمة» — صحيح لاهوتيا لكن قد يأتي في وقت غير مناسب. «على الأقل...» — هذه الكلمة قد تبدو كمحاولة للتقليل من ألمه بمقارنته بمن هو أسوأ.
المتألم يحتاج أولا أن يسمع. أن يشعر أن ألمه مقبول وليس مرفوضا. أن من أمامه لا يتسرع لإصلاح الموقف أو تقديم الإجابات. وبعد أن يشعر بذلك — حينئذ يمكن للكلمة الكتابية في وقتها المناسب أن تصل إلى القلب.
وقفة قبل النهاية: أين كنت يا إلهي؟
هذا السؤال الذي يصرخ به القلب المتألم في لحظاته الأشد: «أين الإله حين أتألم؟» الكتاب المقدس لا يهرب من هذا السؤال — بل يضعه في قلب مزامير كاملة وفي فم أيوب وفي صرخة الرب يسوع نفسه على الصليب.
والجواب الذي تعطيه كلمة الإله ليس جوابا فلسفيا بعيدا. الجواب هو شخص. الجواب هو «هوذا أنا معكم طول الأيام». الجواب هو دموع الرب يسوع أمام قبر لعازر. الجواب هو ليل الجلجلة حين حمل عن الخليقة ما لا يحتمل.
أين كان الإله؟ كان هناك. ليس كمتفرج بارد بل كمشارك حقيقي. كان هناك في الجب مع يوسف. في السجن مع بولس وسيلا. في الأتون المستعر مع الفتية الثلاثة. «ها أنا أرى أربعة رجال منفكين يمشون في وسط النار وليس فيهم أذى» (دانيال ٣: ٢٥). الرابع الذي «شكله شبيه بابن الآلهة» — هو الذي يسير معك أنت أيضا في وسط كل نار تمر بها.
«أنت معي» — هذه الكلمات الثلاث هي قلب كل جواب عن الألم. ليست كل الأسئلة تجد إجابات الآن. لكن حضور الإله في الألم هو الحقيقة التي لا تتزعزع. وهذا الحضور ليس وهما أو مجازا — بل وقائع موثقة في كلمته ومختبرة من ملايين المؤمنين في كل عصر.
القسم الرابع عشر: ألم الانتظار — حين يتأخر الجواب
الانتظار نوع خاص من الألم
ألم الانتظار يختلف عن بقية أنواع الألم بطبيعة خاصة: إنه ألم بلا نهاية محددة. لا تعرف متى ينتهي. لا تعرف هل سينتهي أصلا بالطريقة التي تريد. الإنسان يستطيع أن يحتمل ألما شديدا إذا عرف أن له نهاية — لكن الانتظار المفتوح هو من أثقل أنواع الألم.
إبراهيم انتظر ابن الوعد خمسا وعشرين سنة. يوسف انتظر في السجن سنوات لا يعرف متى تنتهي. المرأة المنحنية في الإنجيل ظلت ثماني عشرة سنة في ألمها. بولس طلب ثلاث مرات رفع الشوكة ولم يستجب له كما أراد. ومريم ومرثا انتظرتا الرب يسوع أربعة أيام وهو لم يأت بالسرعة التي توقعتاها.
في هذه القصص كلها ملاحظة واحدة مشتركة: الإله كان يعمل حتى وهو يبدو ساكتا. الأربعة أيام التي تأخر فيها الرب يسوع عن لعازر لم تكن غيابا بل كانت تحضيرا لمعجزة أكبر مما توقعتا. «هذا المرض ليس للموت بل لمجد الإله» (يوحنا ١١: ٤) — قالها الرب يسوع قبل أن يقوم لعازر. في كل انتظار مؤلم، الإله يعمل لمجد أعظم مما نرى الآن.
الصبر الكتابي — ليس الاستسلام بل الثقة الفاعلة
الصبر الكتابي ليس الاستسلام السلبي. ليس «أجلس وأنتظر وأفعل لا شيء». الكلمة اليونانية التي تترجم «صبر» في العهد الجديد هي «هيبومونه» وتعني في الأصل «الثبات تحت الثقل» — الاستمرار في المشي حتى مع الحمل الثقيل. هو صبر فاعل لا خامل.
إبراهيم «بعد ما صبر طويلا نال الموعد» (عبرانيين ٦: ١٥). الصبر لم يعن أنه قعد مكانه — بل أنه استمر في الإيمان والسير مع الإله خلال كل سنوات الانتظار الطويلة. «الذي ثبت في الخير وطلب المجد والكرامة وعدم الفساد يعطيه حياة أبدية» (رومية ٢: ٧). «ثبت» — استمر، لم يتوقف، لم يستسلم.
وفي انتظارك المؤلم، هناك أشياء تستطيع أن تفعلها: تستطيع أن تصلي. تستطيع أن تقرأ كلمة الإله. تستطيع أن تخدم غيرك. تستطيع أن تبحث عمن هو في ألم مشابه وتعزيه بتعزيتك. الانتظار لا يعني الجمود — يعني الاستمرار في السير مع الإله حتى في غياب الإجابة الواضحة.
المرساة في العاصفة
صورة جميلة يستخدمها كاتب الرسالة إلى العبرانيين: «الذي لنا كمرساة للنفس ثابتة وراسخة» (عبرانيين ٦: ١٩). المرساة لا توقف العاصفة — لكنها تمنع السفينة من الانجراف. الإيمان في وسط الألم لا يلغي الألم — لكنه يمنعك من الانجراف بعيدا عن الإله.
وهذه المرساة ليست مشاعرنا — المشاعر تتأرجح. وليست تفسيراتنا للألم — هذه تتغير. المرساة هي وعد الإله الثابت، وشخص الرب يسوع المسيح الذي «هو نفسه أمس واليوم وإلى الأبد» (عبرانيين ١٣: ٨). الثابت الوحيد في بحر الألم المتقلب هو من لا يتغير.
خطوة أخيرة: الشكر وسط الألم
هناك وصية كتابية تبدو في وهلتها الأولى غير ممكنة حين يكون الإنسان في الألم: «في كل شيء اشكروا» (١ تسالونيكي ٥: ١٨). «في كل شيء» — حتى في الألم؟
هذه الوصية لا تطلب منك أن تشكر على الألم نفسه. لا تطلب منك أن تتصنع فرحا لا تشعر به. تطلب منك شيئا أعمق: أن تجد في وسط الألم، حتى في وسطه، أشياء تستحق الشكر. الإله لا يزال موجودا. نفسك الذي تتنفسه هبة. الكتاب المقدس الذي تقرؤه نور. شخص واحد على الأقل في حياتك يهتم بك. وعد الإله بالأبدية لا يزال حيا.
الشكر وسط الألم ليس إنكارا للألم — بل هو قرار إيماني بأن الإله أكبر من الألم. وهذا القرار، كلما اتخذناه، يعيد ترتيب منظورنا ويبقي عيوننا على من يستحق أن تكون عليه. «ناظرين إلى رئيس الإيمان ومكمله يسوع» — ليس ناظرين إلى الألم، بل إلى الذي فوقه وأعظم منه.
دعوة لغير المؤمن
إن كنت تقرأ هذه الكلمات ولم تقبل بعد الرب يسوع المسيح مخلصا شخصيا لك، فدعني أخبرك بأهم شيء: كل ما تكلمنا عنه — وجود الإله وسط الألم، والمجد الآتي بعد الألم — كله يصير شخصيا لك حين تثق بمن مات عن الألم الأعظم لأجلك.
لا تحتاج إلى أن ترتب حياتك أولا. لا تحتاج إلى أن تكون كافيا. تأتي كما أنت — بكل ألمك وكل كسرك وكل خطاياك.
يمكنك أن تصلي الآن من قلبك وتقول: «يا رب يسوع، أنا خاطئ وأنا مكسور. أومن أنك مت عني وقمت من الأموات. أتقبلك الآن مخلصا وربا لي. أعطني حياتك وامش معي في كل ألم آت. آمين.»
إن صليت هذه الصلاة بصدق من قلبك، فقد انتقلت من الموت إلى الحياة، وصار الإله الذي يعمل في الألم للخير أبا لك إلى الأبد.
دعوة للمؤمن
وإن كنت أخا أو أختا في الرب يسوع المسيح تمر بألم الآن، فرسالتي إليك بسيطة ومن القلب: لا تيأس. الإله الذي بدأ فيك عملا صالحا سيكمله. الألم الذي تعيشه ليس دليلا على أن الإله نسيك — بل ربما هو دليل على أن الإله يعمل فيك بعمق لم يكن ممكنا دون هذا الألم.
ثق به. لا تتخل عن الكتاب المقدس والصلاة والشركة ولو كان كل شيء يبدو قاتما. الصبح قادم.
صبحك قادم. أمسك بيد الإله ولا تتركها. الكلمة الأخيرة في حياتك لن تكون للألم — ستكون للمجد.
صلاة الختام
أيها الآب الكريم، نشكرك على كلمتك التي تضيء حتى في أظلم ليالي الألم. نشكرك على أنك لم تتركنا نعاني وحدنا، بل أرسلت ابنك الرب يسوع المسيح لينزل إلى ألمنا ويحمله عنا. نصلي لكل من يقرأ هذه الكلمات وهو يحمل ألما في قلبه — أن تمسح دموعه، وأن تعرفه بنفسك كـالإله الذي يعمل «كل الأشياء معا للخير». من أجل مجد الرب يسوع المسيح. آمين.
القسم الخامس عشر: ثلاثون وعدا من كلمة الإله للقلب المتألم
نختم بجمع ثلاثين وعدا من كلمة الإله خصيصا لكل قلب يحمل ثقل الألم. هذه ليست كلمات بشرية تعزية — هذه وعود من فم الإله الذي لا يكذب ولا يخلف وعده.
هذه الوعود الخمسة والعشرون — وهي جزء صغير من وعود أكثر بكثير — كلها تشير إلى حقيقة واحدة: الإله معك. في الألم، في الانتظار، في الظلام، في الكسر، في الفقد. معك ليس كمراقب بل كمعين. معك ليس كأب بعيد بل كأب قريب يسمع ويرى ويحمل.
والوعد النهائي الذي يجمع كل الوعود في كلمة واحدة:
الخلاص من الألم الأعظم — خطيئة تفصلنا عن الإله — يبدأ بإيمان شخصي بالرب يسوع المسيح. ومن هذا الإيمان تنبع القدرة على مواجهة كل ألم آخر بثقة الابن الذي يعرف أن أباه معه ولا يتركه.
«المجد للإله في ربنا يسوع المسيح، إلى الأبد وأبد الآبدين ودهر الداهرين. آمين.»
خاتمة: ثلاثة أسئلة أخيرة تستحق إجابة
قبل أن نطوي هذا المقال، هناك ثلاثة أسئلة يطرحها القلب المتألم بشكل متكرر — وتستحق إجابة مباشرة.
السؤال الأول: هل يعني الألم أن الإله غاضب مني؟
ليس بالضرورة. الغضب الإلهي والمحبة الإلهية يعبر عنهما بطرق مختلفة في الكتاب المقدس. غضب الإله على الخطية حقيقي — لكن للمؤمن الذي يثق بالرب يسوع المسيح تعليم بالغ الأهمية: «ليس عليكم دينونة الآن» (رومية ٨: ١). غضب الإله على الخطية صب على الرب يسوع المسيح عوضا عنك على الصليب. فما يأتيك من ألم الآن إن كنت مؤمنا ليس غضبا — بل تأديب أب محب، أو اختبار لبناء إيمانك، أو شيء آخر من الأسباب التي استعرضناها. «فليس الآن شيء من الدينونة على الذين هم في المسيح يسوع» (رومية ٨: ١).
السؤال الثاني: هل سيتوقف الألم يوما ما في هذه الحياة؟
بعض الآلام تنتهي في هذه الحياة — وهذا فضل الإله وعطاؤه. وبعض الآلام تصاحب الإنسان حتى النهاية — كشوكة بولس، كبعض الأمراض المزمنة، كبعض الجراح التي لا تنسى. لكن «هذه الحياة» ليست كل الحياة. ما لا ينتهي في هذه الحياة سينتهي في الأبدية. «الأمور الأولى قد مضت» — الألم الذي يبقى معك حتى الموت سينتهي هناك. والمدة بين الآن وهناك — مهما طالت — ستبدو كلمح بصر مقارنة بأبدية الخلاص.
السؤال الثالث: هل يمكنني أن أكون صادقا مع الإله بشأن مشاعري الصعبة تجاه ألمي؟
نعم. هذا هو بالضبط ما أراده الإله حين أعطانا المزامير. أعطانا أيوب وإرميا وداود — وكلهم كانوا صادقين بشكل كامل بل صاخب أحيانا في تعبيرهم عن ألمهم أمام الإله. التصنع الديني الذي يتظاهر بعدم الألم ويقدم وجها مبتسما أمام الإله ليس الإيمان الكتابي. الإيمان الكتابي هو الذي يأتي إلى الإله بكل ما هو موجود — بالغضب والحزن والخوف والتساؤلات — ثبثقة بأن الإله كبير بما يكفي لاحتمال صدقنا. «صبوا أمامه قلوبكم» (مزامير ٦٢: ٨) — صبوا كل شيء. الإله يتعامل مع القلب الصادق أفضل بكثير من القلب المتصنع.
والآن بعد كل هذا المسير الطويل معا — نقف أمام سؤال أخير وأهم: ماذا ستفعل بالألم الذي تحمله؟ هل ستأخذه إلى الإله؟ هل ستفتح قلبك لمن مات لأجلك وقام؟ هل ستثق بالذي يقول «تعالوا إلي جميع المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أريحكم»؟
الباب مفتوح. والدعوة حقيقية. والوعد لا ينكسر.
«المجد للإله في ربنا يسوع المسيح، إلى الأبد وأبد الآبدين ودهر الداهرين. آمين.»دعوة لنوال الخلاص الإلهي — اقبل الرب يسوع المسيح كمخلصك الشخصي
عزيزي القارئ — إن لمست هذه الكلمات قلبك وأدركت أنك خاطئ بحاجة إلى مخلّص، فاعلم أن الإله يدعوك إليه في هذه اللحظة بالذات. لست بحاجة إلى كاهن، ولا إلى وسيط بشري، ولا إلى مكان مقدس، ولا إلى طقوس أو أعمال. الرب يسوع المسيح دفع الثمن كاملاً على الصليب، ووعدُ الإله قاطع وواضح:
ما يخلّصك ليس ألفاظ هذه الصلاة — بل الإيمان الذي في قلبك بأن الرب يسوع المسيح مات لأجلك وقام من الأموات. لكن إن أردت أن تعبّر عن إيمانك بكلمات صادقة، اقرأ هذه الصلاة بقلب خاشع وكأنك تخاطب الإله الحيّ:
صلاة الخلاص
«أيّها الإله العظيم القدّوس المُحِبّ، الإله الحقيقيّ الوحيد،
آتي إليك الآن بكل تواضع، معترفاً أنّي خاطئ. لقد كسرت وصاياك مرّاتٍ كثيرة في فكري وفي كلامي وفي أعمالي. وأعرف أنّ خطيّتي تستحقّ الموت الأبديّ والانفصال عنك إلى الأبد. لا أملك أيّ عملٍ صالحٍ أقدّمه يستطيع أن يفدي نفسي، ولا أيّ برٍّ من ذاتي أستر به عُريي أمام قداستك.
لكنّي أؤمن من كلّ قلبي بشهادة كلمتك أنّ ابنك الوحيد، الرب يسوع المسيح، مات على الصليب من أجل خطاياي — حاملاً عنّي العقوبة التي كنت أستحقّها. أؤمن أنّه دُفن، وأنّه قام من الأموات في اليوم الثالث، حيّاً منتصراً على الموت والقبر، وأنّه حيٌّ الآن إلى أبد الآبدين.
في هذه اللحظة المباركة، أنا أقبل الرب يسوع المسيح مخلّصاً شخصياً لي. أتّكل عليه وحده — لا على أعمالي، ولا على ديني، ولا على طقوسٍ ولا على إنسانٍ ولا على ملاكٍ ولا على قدّيس. على الرب يسوع المسيح وحده، وعلى دمه الكريم المسفوك على الصليب، أبني رجاء خلاصي الأبدي.
أشكرك يا أبي لأنّك قبلتني الآن في الرب يسوع المسيح، وغفرت لي كلّ خطاياي، وأعطيتني الحياة الأبدية هبةً مجانيّةً بنعمتك. أشكرك لأنّك أرسلت روحك القدوس ليسكن في قلبي، شاهداً لي بأنّي صرت ابنك. أعطني نعمةً أن أعرفك أكثر يوماً بعد يومٍ، وأن أحيا بقيّة حياتي لمجدك وحدك.
أصلّي هذا كلّه باسم ربّي ومخلّصي يسوع المسيح، بقوّة الروح القدس. آمين.»
بعد أن صلّيت — ما العمل الآن؟
إن صلّيت هذه الصلاة من قلبٍ مؤمنٍ صادق، فقد حدثت في هذه اللحظة أعظم معجزةٍ في تاريخك كلّه: انتقلت من الموت إلى الحياة، ومن الظلمة إلى النور، ومن مملكة الخطية إلى ملكوت ابن الإله الحبيب. صرتُ ابنًا للإله الحيّ، ووعد الإله نفسه يضمن لك ذلك بكلمته الموثوقة:
لاحظ معي قوّة هذا الوعد: «أعطاهم سلطاناً» — أي حقّاً ثابتاً مضموناً، لا أمنيةً ولا احتمالاً. ولاحظ كلمة «المؤمنون باسمه» — ليس «الذين عملوا أعمالاً عظيمة»، ولا «الذين أتمّوا الطقوس»، بل ببساطة «المؤمنون». أنت الآن واحدٌ منهم — بكلّ تأكيدٍ ويقين.
وإليك خمس خطوات بسيطة تثبّتك في حياتك الجديدة مع الرب يسوع المسيح:
أولاً — اقرأ الكتاب المقدس يومياً. ابدأ بإنجيل يوحنا، ثمّ تابع بقيّة العهد الجديد، ثمّ المزامير والأمثال. الإله يتكلّم معك من خلال كلمته كما يتكلّم الأب مع ابنه. لا تقرأ بسرعة — اقرأ بتأمّلٍ وصلاة. «اَلصَّبِيُّ الَّذِي مُنْذُ الطُّفُولِيَّةِ تَعْرِفُ الْكُتُبَ الْمُقَدَّسَةَ، الْقَادِرَةَ أَنْ تُحَكِّمَكَ لِلْخَلاَصِ» (تيموثاوس الثانية ٣: ١٥).
ثانياً — صلِّ يومياً. كلّم الإله كأبٍ محبّ — ليس بألفاظٍ محفوظة، بل بكلامٍ من قلبك. شاركه أفراحك وأحزانك وأسئلتك ومخاوفك. الصلاة هي تنفّس الحياة المسيحية. «صَلُّوا بِلاَ انْقِطَاعٍ» (تسالونيكي الأولى ٥: ١٧).
ثالثاً — انضمّ إلى كنيسةٍ تؤمن بالكتاب المقدّس. لا تسير في الطريق وحدك. الإيمان ينمو في شركة المؤمنين، حيث الكلمة تُكرز بأمانة، والمعمودية والعشاء الربّاني يُمارسان بحسب الكتاب. «غَيْرَ تَارِكِينَ اجْتِمَاعَنَا» (العبرانيين ١٠: ٢٥).
رابعاً — اعتمد بحسب الكتاب المقدّس. المعمودية ليست شرطاً للخلاص، لكنّها الخطوة الأولى للطاعة بعد الإيمان. هي إعلانٌ علنيّ بأنّك متّ مع الرب يسوع المسيح ودُفنت معه وقمت معه إلى حياةٍ جديدة. «مَنْ آمَنَ وَاعْتَمَدَ خَلَصَ» (مرقس ١٦: ١٦) — الإيمان أوّلاً، ثمّ المعمودية كثمرة طبيعيّة للإيمان.
خامساً — اشهد للآخرين عن الرب يسوع المسيح. ما اختبرته من خلاصٍ ومحبّة لا يمكن أن يبقى مكتوماً. ابدأ بأقربائك وأصدقائك. اروِ لهم ببساطة وصدق كيف غيّر الرب يسوع المسيح حياتك. «اَلَّذِي رَأَيْنَاهُ وَسَمِعْنَاهُ نُخْبِرُكُمْ بِهِ» (يوحنا الأولى ١: ٣).
وأخيراً، تذكّر دائماً أنّ خلاصك ليس مبنياً على شعورك ولا على عمل تعمله — بل على وعد الإله الذي لا يتغيّر:
«كَتَبْتُ هذَا إِلَيْكُمْ أَنْتُمُ الْمُؤْمِنِينَ بِاسْمِ ابْنِ اللهِ لِكَيْ تَعْلَمُوا أَنَّ لَكُمْ حَيَاةً أَبَدِيَّةً»
— يوحنا الأولى ٥: ١٣
لاحظ: «لِكَيْ تَعْلَمُوا» — ليس لكي ترجو، ولا لكي تتمنّى، ولا لكي تنتظر بقلقٍ يوم الدينونة. بل لكي تعلم بيقينٍ كاملٍ ثابتٍ لا يتزعزع أنّ لك حياةً أبديّة. هذا هو الفرق بين كلّ دياناتٍ العالم وبين إنجيل الرب يسوع المسيح: الأديان تقول «اعمل وربّما تخلص» — وكلمة الإله وحدها تقول: «آمن واعلم أنّك مخلّص».
«يَكُونُ فَرَحٌ قُدَّامَ مَلاَئِكَةِ اللهِ بِخَاطِئٍ وَاحِدٍ يَتُوبُ» — لوقا ١٥: ١٠