English Version  |  النسخة العربية

لاهوت التحرير الفلسطيني — تشريح بدعة في ميزان كلمة الإله

Palestinian Liberation Theology — A Biblical Anatomy of a Dangerous Heresy — أساسيات الإيمان المسيحي

د. جوزيف سلوم8٬690 كلمة

مدخل: لماذا يجب أن نتكلّم؟

صديقي القارئ، دعني أبدأ بمصارحةٍ من القلب. ما أكتبه لك في هذه الدراسة ليس هجومًا على شعبٍ، ولا انحيازًا في نزاعٍ سياسيّ، ولا تبريرًا لظلمٍ من أيّ جهة. إنّه شيءٌ أهمّ من ذلك كلّه وأبقى: دفاعٌ عن أمانة الإله ووعوده، وعن سلطان كلمته المقدّسة، وعن نقاوة الإنجيل الذي به وحده تخلص النفوس.

هناك تعليمٌ ينتشر اليوم في كنائس عربيّة كثيرة، يلبس ثوب العدالة والرحمة والانحياز للمظلوم — وهي كلماتٌ جميلةٌ في ظاهرها — لكنّه في جوهره يهدم أربعة أركانٍ لا يقوم الإيمان المسيحيّ بدونها: يهدم سلطان الكتاب المقدّس كاملًا، ويشوّه مفهوم الخطيّة، ويستبدل الخلاص الأبديّ بتحريرٍ أرضيّ، ويُنكر أمانة الإله لوعوده لإسرائيل. هذا التعليم هو ما يُسمّى «لاهوت التحرير الفلسطيني».

ولماذا يجب أن نتكلّم؟ لأنّ الصمت أمام الخطأ ليس حيادًا — بل هو نوعٌ من الخيانة للحقّ. الكتاب المقدّس يأمرنا أن نكون مُجَاهِدِينَ لأَجْلِ الإِيمَانِ الْمُسَلَّمِ مَرَّةً لِلْقِدِّيسِينَ:

«أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، إِذْ كُنْتُ أَصْنَعُ كُلَّ الْجَهْدِ لأَكْتُبَ إِلَيْكُمْ عَنِ الْخَلاَصِ الْمُشْتَرَكِ، اضْطُرِرْتُ أَنْ أَكْتُبَ إِلَيْكُمْ وَاعِظًا أَنْ تَجْتَهِدُوا لأَجْلِ الإِيمَانِ الْمُسَلَّمِ مَرَّةً لِلْقِدِّيسِينَ.» — يهوذا ٣

وحين يُعاد تشكيل الإيمان ليخدم سرديّةً سياسيّةً أو قوميّة، يصير من واجب كلّ مؤمنٍ أمينٍ أن يقف ويقول: هذا ليس ما علّمه الكتاب. اسمح لي أن أضع في يدك في هذه الدراسة سلاحين معًا: المعرفة لتفهم ما هو هذا اللاهوت، والحجّة الكتابيّة لتردّ عليه بمحبّةٍ وقوّة. وستجد في النهاية أنّ الردّ على هذه البدعة ليس مجرّد جدالٍ لاهوتيٍّ بارد، بل هو في صميمه دفاعٌ عن أعظم بشارةٍ عرفها الإنسان. فالحقيقة المرّة التي يجب أن نقولها هي هذه: حين تكون المشكلة حقيقيّةً والدواء سامًّا، يصير من المحبّة لا من القسوة أن نقول: هذا الدواء سيقتلك.

ما هو لاهوت التحرير الفلسطيني؟ — تعريفٌ أمينٌ قبل أيّ نقد

قبل أن نَنقُد، يجب أن نَفهم. ومن غير الأمانة أن نهاجم تعليمًا دون أن نعرضه كما يعرضه أصحابه. فالنقد الأمين يبدأ بفهمٍ أمين، والكتاب يقول: «مَنْ يُجَاوِبُ عَنْ أَمْرٍ قَبْلَ أَنْ يَسْمَعَهُ، فَلَهُ حَمَاقَةٌ وَعَارٌ» (الأمثال ١٨: ١٣).

نشأته التاريخيّة. لاهوت التحرير الفلسطيني ليس قديمًا. ظهر في صورته الواضحة بعد قيام دولة إسرائيل عام ١٩٤٨ (ما يُسمّيه الفلسطينيّون «النكبة»)، وتبلور كحركةٍ شعبيّةٍ منظّمة خلال «الانتفاضة الأولى» في أواخر الثمانينيّات. والأب المؤسِّس له هو القسّ الأنجليكاني نعيم عتيق (المولود عام ١٩٣٧)، الذي بدأ يعقد لقاءاتٍ لتأمّل الكتاب المقدّس بين مسيحيّين فلسطينيّين من طوائف مختلفة، يقرؤون فيها النصّ «بعيونٍ فلسطينيّة» في ضوء واقعهم. ثمّ صاغ رؤيته رسميًّا في كتابه الصادر عام ١٩٨٩ بعنوان «الصراع من أجل العدالة»، الذي صار النصّ المؤسِّس للحركة. وتبعه لاهوتيّون آخرون مثل القسّ اللوثري منذر إسحق، واللاهوتي متري الراهب، وغيرهم. وتأسّست مؤسّسات تحمل الفكرة، أبرزها مركز «السبيل» المسكوني في القدس، ومؤتمر «المسيح عند الحاجز» (Christ at the Checkpoint) الذي تنظّمه كلّيّة بيت لحم للكتاب المقدّس. وفي عام ٢٠٠٩ صدرت وثيقة «كايروس فلسطين»، التي صارت من أشهر أدبيّات هذا اللاهوت.

أصله الفكريّ: فرعٌ من «لاهوت التحرير». النقطة الأولى التي يجب أن تفهمها هي أنّ هذا اللاهوت ليس اختراعًا فلسطينيًّا أصيلًا، بل هو فرعٌ محلّيٌّ من شجرةٍ أكبر اسمها «لاهوت التحرير». وقد وُلد لاهوت التحرير في أمريكا اللاتينيّة في ستينيّات وسبعينيّات القرن الماضي، كاستجابةٍ لمشكلات الفقر والظلم الاجتماعي، متأثّرًا تأثّرًا عميقًا بالتحليل الماركسيّ للمجتمع. وهذه نقطةٌ حاسمة: لاهوت التحرير في جذوره يقرأ الإنجيل من خلال عدسةٍ ماركسيّةٍ تقسم العالم إلى «ظالمين ومظلومين»، وتجعل مهمّة الإيمان الأولى هي تحرير المظلوم اقتصاديًّا وسياسيًّا، لا فداء الخاطئ من خطيّته. واللاهوت الفلسطيني ورث من أبيه هذه الخصائص نفسها: تقديم «الممارسة العمليّة» (orthopraxis) على «العقيدة القويمة» (orthodoxy)؛ والانحياز للمظلوم كمبدأ تفسيريٍّ أوّل؛ والنظر إلى الإيمان لا كحقيقةٍ كونيّةٍ ثابتة، بل ك«لاهوتٍ سياقيّ» يتشكّل حسب ظروف كلّ شعب.

السؤال الذي وُلد منه. من الإنصاف أن نفهم الأزمة التي يقول أصحاب هذا اللاهوت إنّهم يستجيبون لها. فبعد أحداث عام ١٩٤٨، واجه بعض المسيحيّين الفلسطينيّين أزمة هويّةٍ حادّة. صاروا يقرؤون في المزامير عن «صهيون»، وفي يشوع عن غزو الأرض — فشعروا أنّ هذه النصوص تُستخدَم ضدّهم. يقول عتيق بمرارةٍ إنّه صار يشعر بانقباضٍ في صدره حين يمرّ اسم «إسرائيل» على شفتيه في ترتيل المزامير. فالسؤال الذي وُلد منه هذا اللاهوت — بحسب منظّريه — هو سؤالٌ شخصيٌّ مؤلم: هل محبّة الإله تشمل الفلسطينيّين بقدر ما تشمل «شعبه المختار»؟ وهنا يجب أن نقف وقفةً صادقة: المعاناة الإنسانيّة حقيقيّة، والألم الذي يعبّر عنه هؤلاء حقيقيّ، والظلم — من أيّ جهةٍ صدر — خطيّةٌ يبغضها الإله. نحن لا نُنكر الألم. لكنّ المشكلة ليست في وجود السؤال، بل في الجواب الخاطئ الذي قدّمه هذا اللاهوت.

لماذا نسمّيه بدعةً وليس مجرّد رأيٍ مختلف؟ — الأركان الأربعة المهدَّدة

قد يقول قائل: «ألا تبالغ حين تسمّيه بدعة؟ أليس مجرّد وجهة نظرٍ لاهوتيّةٍ في قضيّةٍ معقّدة؟» والجواب الكتابيّ واضح: ليس كلّ خلافٍ بدعة، لكنّ بعض الأخطاء تمسّ جوهر الإيمان نفسه، فتصير بدعةً بالمعنى الكتابيّ. والكتاب يحذّر من «بِدَعِ هَلاَكٍ» (بطرس الثانية ٢: ١). ولاهوت التحرير الفلسطيني يمسّ أربعة أركانٍ جوهريّة:

الركن الأوّل — سلطان الكتاب المقدّس. حين يُعلَّم أنّ بعض أجزاء الكتاب المقدّس أقلّ سلطانًا من غيرها، أو أنّها مجرّد «فهمٍ بشريّ» لطبيعة الإله يجب تجاوزه، فهذا مسٌّ مباشر بعقيدة الوحي وعصمة الكتاب.

الركن الثاني — مفهوم الخطيّة. حين تُختزل الخطيّة في «البُنى الظالمة» الخارجيّة بدل أن تكون حالةً متأصّلةً في قلب كلّ إنسان، يُفقَد التشخيص الصحيح لمرض البشريّة.

الركن الثالث — الخلاص. حين يصير «الخلاص» مرادفًا للتحرّر السياسيّ الأرضيّ، يُفقَد الإنجيل نفسه ويُستبدَل بمشروعٍ اجتماعيّ.

الركن الرابع — أمانة الإله ووعوده لإسرائيل. حين يُعلَّم أنّ الإله نقض وعوده لإسرائيل أو استبدلها بغيرها، تُهدَم الثقة بكلّ وعدٍ آخر في الكتاب — بما فيها وعد خلاصك أنت. أيّ تعليمٍ يمسّ ركنًا واحدًا من هذه الأركان خطير. فما بالك بتعليمٍ يمسّها كلّها معًا؟ لهذا نسمّيه بدعة — لا تشهّيًا للإدانة، بل أمانةً للتشخيص.

الخطأ الأوّل والأخطر: المنهج التفسيريّ — قطع كلمة الإله انتقائيًّا

كلّ بدعةٍ لاهوتيّة تبدأ من خطأٍ في التعامل مع كلمة الإله. ولاهوت التحرير الفلسطيني ليس استثناءً — بل إنّ خطأه التفسيريّ هو الجذر الذي تتفرّع منه كلّ أخطائه الأخرى. فلكي نفهم أين انحرف هذا التعليم، علينا أن نفهم أوّلًا كيف يقرأ الكتاب المقدّس.

يُعلّم أصحاب هذا اللاهوت — وعلى رأسهم نعيم عتيق مؤسِّس مركز «سبيل» — أنّ الكتاب المقدّس ليس كلّه على مستوى واحد من السلطان. فبحسب منهجهم، النصوص التي تتحدّث عن اختيار الإله لإسرائيل ووعده لهم بالأرض، والنصوص التي تصف دينونة الإله على الأمم الوثنيّة، تُعتبر نصوصًا «أدنى» أو «غير ملزمة» لأنّها — في زعمهم — لا تتوافق مع صورة المسيح المحرِّر. أمّا النصوص التي تتحدّث عن العدل والتحرير ونصرة المظلوم فتُرفع إلى مرتبة السلطان الأعلى. وهكذا يصير المعيار الذي يُحاكَم به الكتاب المقدّس ليس الإله نفسه — بل تجربة الإنسان الفلسطينيّ المعاصر.

هذا المنهج خطير لأنّه يقلب الترتيب الإلهيّ رأسًا على عقب. الكتاب المقدّس لا يخضع لتجربتنا — بل تجربتنا تخضع للكتاب المقدّس. وعندما يصير اختبار الإنسان هو المصفاة التي تُمرَّر عبرها كلمة الإله، فإنّ الإنسان يصير هو السيّد والكتاب هو الخادم. وهذا عكس ما أعلنه الرب يسوع المسيح تمامًا:

«اَلسَّمَاءُ وَالأَرْضُ تَزُولاَنِ وَلكِنَّ كَلاَمِي لاَ يَزُولُ.» — متّى ٢٤: ٣٥

و قال أيضًا، وهو يتكلّم عن الناموس والأنبياء — أي العهد القديم بأكمله، ذات النصوص التي يرفضها هذا اللاهوت:

«اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِلَى أَنْ تَزُولَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ لاَ يَزُولُ حَرْفٌ وَاحِدٌ أَوْ نُقْطَةٌ وَاحِدَةٌ مِنَ النَّامُوسِ حَتَّى يَكُونَ الْكُلُّ.» — متّى ٥: ١٨

تأمّل في دقّة كلام الرب يسوع المسيح. لم يقل إنّ الأفكار العامّة في الناموس باقية — بل قال إنّ «حرفًا واحدًا أو نقطةً واحدة» لن يزول. هذا أعلى تصريح ممكن عن سلطان العهد القديم وكماله. وكذلك أكّد: «وَلاَ يُمْكِنُ أَنْ يُنْقَضَ الْمَكْتُوبُ» (يوحنّا ١٠: ٣٥).

والرسول بولس يقطع كلّ شكٍّ في شمول سلطان الكتاب:

«كُلُّ الْكِتَابِ هُوَ مُوحًى بِهِ مِنَ اللهِ، وَنَافِعٌ لِلتَّعْلِيمِ وَالتَّوْبِيخِ، لِلتَّقْوِيمِ وَالتَّأْدِيبِ الَّذِي فِي الْبِرِّ، لِكَيْ يَكُونَ إِنْسَانُ اللهِ كَامِلاً، مُتَأَهِّبًا لِكُلِّ عَمَل صَالِحٍ.» — ٢ تيموثاوس ٣: ١٦-١٧

«كُلُّ الْكِتَابِ» — لا بعضه، ولا الأجزاء المريحة منه. وكلّه «موحًى به من الإله» — أي أنّ مصدره نَفَس الإله نفسه، لا الفهم البشريّ القاصر. فالنصّ الذي يستثقله عتيق هو نَفَس الإله تمامًا كالنصّ الذي يحبّه. وأكّد الرسول بطرس المصدر الإلهيّ للكتاب بكلماتٍ قاطعة:

«عَالِمِينَ هذَا أَوَّلاً: أَنَّ كُلَّ نُبُوَّةِ الْكِتَابِ لَيْسَتْ مِنْ تَفْسِيرٍ خَاصٍّ. لأَنَّهُ لَمْ تَأْتِ نُبُوَّةٌ قَطُّ بِمَشِيئَةِ إِنْسَانٍ، بَلْ تَكَلَّمَ أُنَاسُ اللهِ الْقِدِّيسُونَ مَسُوقِينَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ.» — ٢ بطرس ١: ٢٠-٢١

«مَسُوقِينَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ» — هذه هي حقيقة الكتاب. فحين يقول عتيق إنّ نصًّا ما هو مجرّد «فهمٍ بشريّ» تجاوزه المسيح، فهو في الحقيقة ينسب إلى الإنسان ما نسبه الكتاب إلى الروح القدس. وهذا ليس تفسيرًا، بل هو نقضٌ لسلطان الكتاب من جذوره.

حين يصير سلطان القارئ فوق سلطان الإله. والإشكال الأعمق في القراءة الانتقائيّة أنّها تضع السلطان النهائيّ في يد الإنسان لا في يد الإله. فحين يبدو نصٌّ ما غير منسجمٍ مع إدراكنا المحدود المشوب بالخطيّة، أمامنا طريقان: إمّا أن نُخضع فهمنا للنصّ، وإمّا أن نُخضع النصّ لفهمنا. الإيمان القويم يختار الأوّل؛ ولاهوت التحرير يختار الثاني. وهذا الباب، متى فُتح، لا يُغلَق. فإن جاز لنا أن نرفض ٢ ملوك ٢ لأنّها تستثقلنا، فما الذي يمنع غيرنا من رفض تعليم الكتاب عن الخطيّة، أو عن الجحيم، أو عن وحدانيّة طريق الخلاص بـالمسيح؟ ومن يقرّر أيّ النصوص «ذو سلطان» وأيّها «مجرّد فهمٍ بشريّ»؟ إنّه القارئ بهواه. وهكذا يتحوّل الكتاب من سيفٍ يحكم علينا، إلى مرآةٍ تعكس صورتنا نحن. والطاعة الجزئيّة للكتاب ليست في حقيقتها إلّا ضربًا من العصيان. وفي مواجهة هذا كلّه يجب أن يقول المؤمن الأمين:

«حَاشَا! بَلْ لِيَكُنِ اللهُ صَادِقًا وَكُلُّ إِنْسَانٍ كَاذِبًا.» — رومية ٣: ٤

الخطأ الثاني: تشويه مفهوم الخطيّة — من فساد القلب إلى ظلمٍ بُنيويٍّ فحسب

إذا أخطأنا في فهم ما هي الخطيّة، أخطأنا حتمًا في فهم ما هو الخلاص، ومَن هو المخلِّص، ومِمَّ يُخلِّصنا. يبني لاهوت التحرير الفلسطيني — كسائر لاهوتات التحرير — مفهومه عن الخطيّة على أساسٍ اجتماعيٍّ سياسيّ. فالخطيّة عنده متجذّرةٌ في «البُنى الاجتماعيّة والأنظمة الظالمة». ويرى لاهوتيّوه أنّ الخطيّة ليست فقط فرديّة، بل هناك مجتمعاتٌ وأنظمةٌ وممارساتٌ مبنيّةٌ على الخطيئة يجب إزالتها. وتصف وثيقة «كايروس فلسطين ٢٠٠٩» الاحتلال بأنّه «خطيئةٌ ضدّ الإله والإنسان».

ولاحظ أنّنا لا ننكر أنّ الظلم خطيّة. الظلم خطيّة حقًّا، والأنظمة الفاسدة شرٌّ يبغضه الإله. لكنّ الإشكال هو في الاختزال والترتيب: حين تُختزل الخطيّة في الظلم الخارجيّ، ويُجعَل إصلاح «البُنى» هو المهمّة الأولى، تُغفَل الحقيقة الكتابيّة الأعمق — وهي أنّ جذر كلّ شرٍّ هو قلب الإنسان الساقط. يقول الكتاب المقدّس:

«اَلْقَلْبُ أَخْدَعُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ نَجِيسٌ، مَنْ يَعْرِفُهُ؟» — إرميا ١٧: ٩

علّمنا الرب يسوع المسيح أنّ منبع الشرّ ليس البيئة الخارجيّة بل القلب الداخليّ:

«لأَنَّهُ مِنَ الدَّاخِلِ، مِنْ قُلُوبِ النَّاسِ، تَخْرُجُ الأَفْكَارُ الشِّرِّيرَةُ: زِنىً، فِسْقٌ، قَتْلٌ، سِرْقَةٌ، طَمَعٌ، خُبْثٌ، مَكْرٌ، عَهَارَةٌ، عَيْنٌ شِرِّيرَةٌ، تَجْدِيفٌ، كِبْرِيَاءُ، جَهْلٌ. جَمِيعُ هذِهِ الشُّرُورِ تَخْرُجُ مِنَ الدَّاخِلِ وَتُنَجِّسُ الإِنْسَانَ.» — مرقس ٧: ٢١-٢٣

فالقلب هو المصنع، والأنظمة الظالمة ليست إلّا منتجاته. ولو أزلتَ كلّ نظامٍ ظالمٍ في الأرض وتركتَ القلب على فساده، لأنتج القلبُ أنظمةً ظالمةً جديدة. وهذا ما يشهد به التاريخ: كم من ثورةٍ أطاحت بطاغيةٍ، فإذا بطاغيةٍ جديدٍ يحلّ محلّه! لأنّ المشكلة لم تكن في الكرسيّ، بل في القلب الذي يجلس عليه.

والكتاب يعلن أنّ الخطيّة حالةٌ كونيّةٌ شاملة، لا تخصّ فئةً دون فئة:

«مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَأَنَّمَا بِإِنْسَانٍ وَاحِدٍ دَخَلَتِ الْخَطِيَّةُ إِلَى الْعَالَمِ، وَبِالْخَطِيَّةِ الْمَوْتُ، وَهكَذَا اجْتَازَ الْمَوْتُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ، إِذْ أَخْطَأَ الْجَمِيعُ.» — رومية ٥: ١٢
«إِذِ الْجَمِيعُ أَخْطَأُوا وَأَعْوَزَهُمْ مَجْدُ اللهِ.» — رومية ٣: ٢٣

«الجميع» — لا المظلوم وحده، ولا الظالم وحده، بل الجميع. كلّ إنسانٍ وُلد خاطئًا ومحتاجًا إلى نعمة الإله.

الخطيّة الرأسيّة قبل الخطيّة الأفقيّة. يميّز الكتاب المقدّس بين بُعدين للخطيّة: الخطيّة ضدّ الإله (الرأسيّة)، والخطيّة ضدّ الإنسان (الأفقيّة). والترتيب الكتابيّ واضح: الخطيّة الرأسيّة هي الجذر، والأفقيّة هي الثمرة. فحين سقط داود في أبشع خطيّةٍ ضدّ إنسان — الزنى ثمّ القتل — كان اعترافه: «إِلَيْكَ وَحْدَكَ أَخْطَأْتُ، وَالشَّرَّ قُدَّامَ عَيْنَيْكَ صَنَعْتُ» (مزمور ٥١: ٤). لم يكن داود ينكر ظلمه لأوريّا، بل كان يدرك أنّ كلّ خطيّةٍ ضدّ إنسانٍ هي في جوهرها تمرّدٌ على الإله. ولاهوت التحرير، بتركيزه شبه الحصريّ على الخطيّة الأفقيّة (الظلم بين البشر)، يقلب الترتيب الكتابيّ.

الخطر الأكبر: تقسيم البشر إلى «ظالمين» و«مظلومين». من أخطر ثمار هذا المفهوم المشوّه أنّه يقسم البشريّة إلى فئتين ثابتتين: ظالمين وضحايا، قاهرين ومقهورين. وهذا التقسيم — المستورَد من الماركسيّة — يناقض الكتاب مناقضةً صريحة: «لَيْسَ بَارٌّ وَلاَ وَاحِدٌ» (رومية ٣: ١٠). فالكتاب يعلّمنا أنّ كلّ البشر مخلوقون على صورة الإله، وأنّ كلّهم في الوقت نفسه خطاةٌ ساقطون محتاجون إلى الخلاص. المظلوم ليس أبرّ لمجرّد أنّه مظلوم، والقويّ ليس شرّيرًا لمجرّد أنّه قويّ. الخطيّة لا تُقاس بالموقع السياسيّ ولا بالطبقة الاجتماعيّة، بل بحالة القلب أمام الإله القدّوس.

وهذا التقسيم الثنائيّ خطيرٌ لأنّه يُبرّئ فئةً ويُدين فئةً بناءً على الانتماء، لا بناءً على معيار الإله العادل. كما أنّ أخطر ما في «لاهوت الضحيّة» أنّه يُغلق باب التوبة. فالضحيّة لا تتوب — الضحيّة تطالب فقط. وحين يُعفى الإنسان من النظر إلى قلبه، يُحرَم من أوّل خطوةٍ نحو الخلاص. فميزان الإله واحدٌ للجميع: «مَوَازِينُ غِشٍّ مَكْرَهَةُ الرَّبِّ، وَالْوَزْنُ الصَّحِيحُ رِضَاهُ» (الأمثال ١١: ١).

الخطأ الثالث: استبدال الخلاص الأبديّ بالتحرير الأرضيّ

هنا يبلغ هذا اللاهوت ذروة انحرافه. فإنّ لاهوت التحرير عمومًا يجعل تحقيق العدالة الأرضيّة مرادفًا للخلاص نفسه، يُسعى إليه أوّلًا عبر النشاط السياسيّ. وتعلن وثيقة «كايروس فلسطين» أنّ الموقف المسيحيّ في وجه الاحتلال هو «المقاومة»، وتصفها بأنّها «حقٌّ وواجبٌ» على المسيحيّ. ولاحظ المنزلق الخطير: حين يصير التحرّر السياسيّ هو الخلاص، يصير النشاط السياسيّ هو الإنجيل، ويصير العدوّ السياسيّ هو الخطيّة الكبرى، ويصير الانتصار الأرضيّ هو الفداء. وهكذا يُفرَّغ الصليب من معناه، ويُستبدَل خلاص النفس من الجحيم بتحرير الأرض من المحتلّ.

الخلاص في الكتاب المقدّس ليس مشروعًا سياسيًّا، بل هو مبادرةٌ إلهيّةٌ لإنقاذ الخطاة المحكوم عليهم من عقوبة الخطيّة الأبديّة. والكتاب يعلن المشكلة الكبرى للإنسان: ليست أنّه مظلومٌ سياسيًّا، بل أنّه «مَيْتٌ بِالذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا» (أفسس ٢: ١)، و«تَحْتَ الْغَضَبِ» (أفسس ٢: ٣). والخلاص من هذه المشكلة لا يأتي بالثورة ولا بالمقاومة ولا بتغيير الأنظمة، بل بالنعمة وحدها، بالإيمان وحده، بـالمسيح وحده:

«لأَنَّكُمْ بِالنِّعْمَةِ مُخَلَّصُونَ، بِالإِيمَانِ، وَذلِكَ لَيْسَ مِنْكُمْ. هُوَ عَطِيَّةُ اللهِ. لَيْسَ مِنْ أَعْمَال كَيْلاَ يَفْتَخِرَ أَحَدٌ.» — أفسس ٢: ٨-٩

العدالة والأعمال الصالحة: ثمرةٌ لا وسيلة. ونؤكّد هنا توكيدًا مهمًّا: الكتاب المقدّس لا يهمل العدالة، ولا يستهين بالظلم، ولا يدعو المؤمن إلى اللامبالاة بمعاناة الناس. كلّا! بل إنّ الإله يأمر: «اطْلُبُوا الْحَقَّ، انْصِفُوا الْمَظْلُومَ» (إشعياء ١: ١٧). لكنّ الفرق الجوهريّ هو في الترتيب والمصدر: العدالة والأعمال الصالحة في الكتاب هي ثمرةٌ للخلاص، لا وسيلةٌ إليه:

«لأَنَّنَا نَحْنُ عَمَلُهُ، مَخْلُوقِينَ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ لأَعْمَال صَالِحَةٍ، قَدْ سَبَقَ اللهُ فَأَعَدَّهَا لِكَيْ نَسْلُكَ فِيهَا.» — أفسس ٢: ١٠

لاحظ الترتيب الإلهيّ: أوّلًا نحن «عمله، مخلوقون في المسيح» (الخلاص)، ثمّ «لأعمالٍ صالحة» (الثمرة). فالقلب المتجدّد بالنعمة هو الذي ينتج العدالة الحقيقيّة. أمّا أن نطلب عدالةً من قلوبٍ لم تتجدّد، فهو كمن يطلب ثمرًا صالحًا من شجرةٍ فاسدة. والتحرير الحقيقيّ الذي يقدّمه الإنجيل هو انتقالٌ من سلطان الظلمة إلى ملكوت الإله:

«الَّذِي أَنْقَذَنَا مِنْ سُلْطَانِ الظُّلْمَةِ، وَنَقَلَنَا إِلَى مَلَكُوتِ ابْنِ مَحَبَّتِهِ، الَّذِي لَنَا فِيهِ الْفِدَاءُ، بِدَمِهِ غُفْرَانُ الْخَطَايَا.» — كولوسّي ١: ١٣-١٤

وقد حذّرنا الرب يسوع المسيح من قلب الأولويّات على الوجه الذي يفعله لاهوت التحرير:

«وَلاَ تَخَافُوا مِنَ الَّذِينَ يَقْتُلُونَ الْجَسَدَ وَلكِنَّ النَّفْسَ لاَ يَقْدِرُونَ أَنْ يَقْتُلُوهَا، بَلْ خَافُوا بِالْحَرِيِّ مِنَ الَّذِي يَقْدِرُ أَنْ يُهْلِكَ النَّفْسَ وَالْجَسَدَ كِلَيْهِمَا فِي جَهَنَّمَ.» — متّى ١٠: ٢٨

ركّز لاهوت التحرير على «الذين يقتلون الجسد» — أي القهر السياسيّ والظلم الأرضيّ — وأغفل الخطر الأعظم: هلاك النفس الأبديّ. فالمظلوم الذي يموت جسده ظلمًا ثمّ يذهب إلى السماء بإيمانه بـالمسيح، أفضل ألف مرّةٍ من المنتصر الذي يحرّر أرضه ثمّ تهلك نفسه في الجحيم. هذه هي الأولويّة التي يجب أن يحرسها كلّ لاهوتٍ أمين. يقول الرب يسوع المسيح: «لأَنَّهُ مَاذَا يَنْتَفِعُ الإِنْسَانُ لَوْ رَبِحَ الْعَالَمَ كُلَّهُ وَخَسِرَ نَفْسَهُ؟» (مرقس ٨: ٣٦). وأمّا الخلاص الكتابيّ فله غايةٌ واضحةٌ محقّقة: «قَدْ أُكْمِلَ» (يوحنّا ١٩: ٣٠). صرخها الرب يسوع المسيح على الصليب. فالعدالة الكبرى — عدالة الإله ضدّ الخطيّة — قد تحقّقت كاملةً هناك، حين حمل البارّ خطايا الأثمة.

الخطأ الرابع: لاهوت الاستبدال في ثوبٍ جديد — إنكار أمانة الإله لإسرائيل

نصل الآن إلى نقطة الالتقاء بين لاهوت التحرير الفلسطينيّ وبدعةٍ قديمةٍ سبق أن فضحناها في مقالةٍ مستقلّة: لاهوت الاستبدال (Replacement Theology / Supersessionism). فإنّ كثيرًا من لاهوتيّي التحرير الفلسطينيّين يتبنّون — صراحةً أو ضمنًا — فكرة أنّ الكنيسة حلّت محلّ إسرائيل، وأنّ وعود الإله الأرضيّة لإسرائيل إمّا أُلغيت وإمّا «روحنت» لتصير وعودًا للكنيسة.

والدافع مفهوم: إن كانت الأرض موعودةً لإسرائيل بعهدٍ أبديّ، فهذا يُربك السرديّة الفلسطينيّة. فالحلّ — في نظرهم — هو إلغاء خصوصيّة إسرائيل في خطّة الإله أصلًا، إمّا بإنكار الوعد، وإمّا بقراءته «رمزيًّا». لكنّ هذا الحلّ يدفع ثمنًا باهظًا: إنّه يطعن في أمانة الإله ذاتها. فالرسول بولس — بإلهام الروح القدس — طرح السؤال ذاته الذي يطرحه لاهوت الاستبدال، وأجاب عليه بأقوى نفيٍ ممكن:

«فَأَقُولُ: أَلَعَلَّ اللهَ رَفَضَ شَعْبَهُ؟ حَاشَا! لأَنِّي أَنَا أَيْضًا إِسْرَائِيلِيٌّ مِنْ نَسْلِ إِبْرَاهِيمَ مِنْ سِبْطِ بِنْيَامِينَ. لَمْ يَرْفُضِ اللهُ شَعْبَهُ الَّذِي سَبَقَ فَعَرَفَهُ.» — رومية ١١: ١-٢

«حاشا!» — وهي تنقل أقوى صيغة نفيٍ في اليونانيّة (μὴ γένοιτο)، تعني: مستحيلٌ تمامًا! الإله لم يرفض شعبه، ولم يستبدلهم. والعهد الإبراهيميّ — أساس كلّ هذا — غير مشروط. أكّده الإله في تكوين ١٥ حين مرّ وحده بين قطع الذبيحة بينما كان إبراهيم نائمًا، إعلانًا بأنّ ضمان العهد هو أمانة الإله وحده. ووصفه بأنّه «أبديّ»:

«وَأُقِيمُ عَهْدِي بَيْنِي وَبَيْنَكَ، وَبَيْنَ نَسْلِكَ مِنْ بَعْدِكَ فِي أَجْيَالِهِمْ، عَهْدًا أَبَدِيًّا، لأَكُونَ إِلهًا لَكَ وَلِنَسْلِكَ مِنْ بَعْدِكَ.» — التكوين ١٧: ٧
«لأَنَّ هِبَاتِ اللهِ وَدَعْوَتَهُ هِيَ بِلاَ نَدَامَةٍ.» — رومية ١١: ٢٩

إسرائيل ليست الكنيسة، والكنيسة ليست إسرائيل. والكتاب يحفظ تمييزًا واضحًا بين البرنامجين الإلهيّين: إسرائيل أمّةٌ أرضيّةٌ بدأت بإبراهيم، لها وعودٌ أرضيّة؛ والكنيسة سرٌّ كان مخفيًّا في الإله منذ الدهور، لم يُعلَن في العهد القديم، بدأ يوم الخمسين، له وعودٌ سماويّة (أفسس ٣: ٣-٦). فالكنيسة ليست «إسرائيل الجديدة»، ولا امتدادًا لها، ولا بديلًا عنها — بل كيانٌ جديدٌ كلّيًّا. وصورة الزيتونة في رومية ١١ تحسم المسألة: «فَإِنْ كَانَ قَدْ قُطِعَ بَعْضُ الأَغْصَانِ، وَأَنْتَ زَيْتُونَةٌ بَرِّيَّةٌ طُعِّمْتَ فِيهَا، فَصِرْتَ شَرِيكًا فِي أَصْلِ الزَّيْتُونَةِ وَدَسَمِهَا، فَلاَ تَفْتَخِرْ عَلَى الأَغْصَانِ. وَإِنِ افْتَخَرْتَ، فَأَنْتَ لَسْتَ تَحْمِلُ الأَصْلَ، بَلِ الأَصْلُ إِيَّاكَ يَحْمِلُ!» (رومية ١١: ١٧-١٨). فالمؤمنون الأمميّون طُعِّموا في الشجرة — لكنّهم لم يقتلعوا الأغصان الأصليّة. التطعيم إضافةٌ لا إحلال.

الخطر المزدوج: الطعن في أمانة الإله. لاهوت الاستبدال — وامتداده في لاهوت التحرير — خطيرٌ لسببين جوهريّين. أوّلًا، إنّه يجعل الإله ناقضًا لعهده: فإن كان قد وعد إسرائيل بوعودٍ أبديّةٍ غير مشروطة ثمّ سحبها، فما الذي يضمن أنّه لن يسحب وعد الخلاص منك أنت؟ أمانة الإله لإسرائيل ليست قضيّةً تخصّ إسرائيل وحدها، بل هي ضمان كلّ مؤمنٍ أنّ الإله يحفظ وعوده. ثانيًا، إنّه يفتح باب التأويل الرمزيّ الذي لا يُغلَق: فإن كانت وعود الأرض «رمزيّة»، فبأيّ حقٍّ نقرأ وعد الحياة الأبديّة حرفيًّا؟ والتفسير غير المتّسق يهدم الثقة بالكتاب كلّه.

الخطأ الخامس: تشويه شخص الرب يسوع المسيح

من أخطر ما يفعله هذا اللاهوت تشويهه لشخص الرب يسوع المسيح نفسه. فبدل أن يشدّد على لاهوته الكامل، يشدّد لاهوت التحرير الفلسطينيّ على ناسوته فقط، ويصوّره أساسًا بوصفه «يهوديًّا فلسطينيًّا» عاش تحت الاحتلال الرومانيّ، ليجعله نموذجًا للمناضل الفلسطينيّ المعاصر تحت الاحتلال. بل بلغ ببعضهم أن قال — كما نُقل — إنّ المسيح «على الصليب مرّةً أخرى مع آلاف الفلسطينيّين المصلوبين حوله».

وهنا يجب أن نقف وقفةً حازمة. فإنّ الرب يسوع المسيح هو شخصٌ واحدٌ له طبيعتان كاملتان: لاهوتٌ كاملٌ وناسوتٌ كامل، متّحدان دون اختلاطٍ ولا انفصال. وأيّ تعليمٍ يختزله في «إنسانٍ مناضل» يُنكر لاهوته، ويهدم أساس الفداء نفسه. فلو كان المسيح مجرّد إنسانٍ مظلوم، لما كان موته كافيًا لفداء العالم. إنّ القيمة اللامتناهية لذبيحته تنبع من كونه الإله المتجسِّد:

«فَإِنَّهُ فِيهِ يَحِلُّ كُلُّ مِلْءِ اللاَّهُوتِ جَسَدِيًّا.» — كولوسّي ٢: ٩

والأخطر من ذلك تصوير صليب المسيح كرمزٍ للمعاناة السياسيّة الجماعيّة. فصليب الرب يسوع المسيح ليس رمزًا للمظلوميّة — إنّه ذبيحة كفّارةٍ فريدةٌ لا تتكرّر، حمل فيها البارّ خطايا الأثمة ليصالحهم مع الإله:

«فَإِنَّ الْمَسِيحَ أَيْضًا تَأَلَّمَ مَرَّةً وَاحِدَةً مِنْ أَجْلِ الْخَطَايَا، الْبَارُّ مِنْ أَجْلِ الأَثَمَةِ، لِكَيْ يُقَرِّبَنَا إِلَى اللهِ.» — ١ بطرس ٣: ١٨

حين نحوّل صليب الفداء إلى أيقونةٍ سياسيّة، نسرق منه معناه الأبديّ، ونحرم النفوس من البشارة الوحيدة التي تخلّصها. فالمصلوب على الجلجثة لم يكن ضحيّة احتلالٍ سياسيّ بالدرجة الأولى — بل كان «حَمَلُ اللهِ الَّذِي يَرْفَعُ خَطِيَّةَ الْعَالَمِ» (يوحنّا ١: ٢٩)، بذل نفسه باختياره: «لِي سُلْطَانٌ أَنْ أَضَعَهَا وَلِي سُلْطَانٌ أَنْ آخُذَهَا أَيْضًا» (يوحنّا ١٠: ١٨). وقد أعلن الرب يسوع المسيح صراحةً أنّ مملكته ليست سياسيّة: «مَمْلَكَتِي لَيْسَتْ مِنْ هذَا الْعَالَمِ» (يوحنّا ١٨: ٣٦). وحين أراد الجمع أن يُقيموه ملكًا سياسيًّا، «انْصَرَفَ أَيْضًا إِلَى الْجَبَلِ وَحْدَهُ» (يوحنّا ٦: ١٥).

الجذر الماركسيّ والفلسفيّ — لماذا الأصل مهمّ

قال الرب يسوع المسيح: «مِنْ ثِمَارِهِمْ تَعْرِفُونَهُمْ» (متّى ٧: ١٦). ونضيف: ومن جذورهم أيضًا. ولاهوت التحرير الفلسطينيّ، كما رأينا، فرعٌ من لاهوت التحرير الأمريكيّ اللاتينيّ، الذي وُلد من رحم التحليل الماركسيّ للمجتمع. وهذا الجذر ليس تفصيلًا تاريخيًّا عابرًا، بل هو الذي يشكّل بنية هذا اللاهوت كلّها.

فالماركسيّة تقرأ التاريخ كلّه كصراعٍ بين طبقتين: مستغِلّين ومستغَلّين. ولاهوت التحرير استورد هذا الإطار وصبغه بصبغةٍ دينيّة: مكان «الطبقة» صار «المظلوم»، ومكان «الثورة» صار «التحرير»، ومكان «النعيم الشيوعيّ الموعود» صار «ملكوت العدالة الأرضيّ». وهكذا صار الإنجيل مجرّد غلافٍ دينيٍّ لمشروعٍ سياسيٍّ في جوهره. وقد حذّرنا الكتاب من هذا تحديدًا:

«انْظُرُوا أَنْ لاَ يَكُونَ أَحَدٌ يَسْبِيكُمْ بِالْفَلْسَفَةِ وَبِغُرُورٍ بَاطِل، حَسَبَ تَقْلِيدِ النَّاسِ، حَسَبَ أَرْكَانِ الْعَالَمِ، وَلَيْسَ حَسَبَ الْمَسِيحِ.» — كولوسّي ٢: ٨

المشكلة الجوهريّة في كلّ لاهوتات التحرير أنّها تجعل فلسفةً بشريّة هي الإطار الحاكم، ثمّ تُخضِع الكتاب لهذا الإطار. فلا يأتي اللاهوتيّ إلى الكتاب ليسمع منه ويُخضِع فكره له، بل يأتي وفي يده عدسةٌ جاهزة، فلا يرى في الكتاب إلّا ما توافق عليه العدسة، ويرفض ما خالفها. وهذا هو بالضبط ما رأيناه في القراءة الانتقائيّة: العدسة الأيديولوجيّة تقرّر أيّ النصوص «ذو سلطان» وأيّها «مجرّد فهمٍ بشريّ». والإيمان القويم يفعل العكس تمامًا: يأتي إلى الكتاب فارغ اليدين، ينحني أمام سلطانه، ويترك كلمة الإله هي التي تشكّل فكره وتحكم على فلسفات العالم. فميزاننا ليس ماركس ولا فيلسوفٌ بشريّ، بل «مَكْتُوبٌ». ومعيارنا الوحيد: «إِلَى الشَّرِيعَةِ وَإِلَى الشَّهَادَةِ. إِنْ لَمْ يَقُولُوا مِثْلَ هذَا الْقَوْلِ فَلَيْسَ لَهُمْ فَجْرٌ» (إشعياء ٨: ٢٠).

الجذر الأعمق: إن لم يكن من الإله فهو من إبليس — تعرية الروح الذي وراء البدعة

إلى الآن فحصنا الأخطاء واحدًا واحدًا، وكشفنا الجذر الماركسيّ. لكنّ الأمانة تقتضي أن نمضي إلى ما هو أعمق من ماركس. فإنّ كلّ تعليمٍ عن الإله له مصدرٌ واحدٌ من اثنين لا ثالث لهما: إمّا أن يصدر من روح الحقّ، وإمّا أن يصدر من روح الضلال. لا يوجد مصدرٌ محايد. وقد ميّز الرسول يوحنّا بوضوح بين «رُوحِ الْحَقِّ وَرُوحِ الضَّلاَلِ» (١يوحنّا ٤: ٦). وحذّر الروح القدس صراحةً من أنّ بعض التعاليم ليست بشريّة المصدر فحسب:

«وَلكِنَّ الرُّوحَ يَقُولُ صَرِيحًا: إِنَّهُ فِي الأَزْمِنَةِ الأَخِيرَةِ يَرْتَدُّ قَوْمٌ عَنِ الإِيمَانِ، تَابِعِينَ أَرْوَاحًا مُضِلَّةً وَتَعَالِيمَ شَيَاطِينَ.» — ١تيموثاوس ٤: ١

«تعاليم شياطين» — هذه عبارة الروح القدس نفسه. فالتعليم ليس قطّ محايدًا: هو إمّا حقّ الإله، وإمّا كذبة العدوّ في ثوب الحقّ. ولهذا، حين نقول إنّ لاهوت الاستبدال من إبليس، فنحن لا نطلق شتيمةً، بل نُشخّص مصدرًا. والتشخيص الأمين هو حراسةٌ للخراف، لا إدانةٌ للأشخاص.

منهج إبليس الأوّل الذي لم يتغيّر: الهجوم على كلمة الإله. منذ أوّل صفحةٍ في الكتاب، كان سلاح العدوّ الأوّل ضدّ الإنسان ليس القتل ولا السرقة، بل علامة استفهامٍ توضع فوق ما قاله الإله:

«وَكَانَتِ الْحَيَّةُ أَحْيَلَ جَمِيعِ حَيَوَانَاتِ الْبَرِّيَّةِ الَّتِي عَمِلَهَا الرَّبُّ الإِلهُ، فَقَالَتْ لِلْمَرْأَةِ: أَحَقًّا قَالَ اللهُ لاَ تَأْكُلاَ مِنْ كُلِّ شَجَرِ الْجَنَّةِ؟» — تكوين ٣: ١

تأمّل خطوات العدوّ الثلاث: أوّلًا شكّك في الكلمة («أَحَقًّا قَالَ اللهُ؟»)، ثمّ ناقضها صراحةً («لَنْ تَمُوتَا»)، ثمّ أعاد تفسير قصد الإله («بَلِ الإله عَالِمٌ...»). وهذا بالضبط هو منهج كلّ بدعةٍ منذ ذلك اليوم: شكِّكْ في الكلمة الواضحة، ثمّ ناقِضْها، ثمّ أعِدْ قراءة قصد الإله عبر عدسةٍ بشريّة. ولاهوت الاستبدال يسلك هذا الدرب عينه مع وعود الإله لإسرائيل: أوّلًا «هل تُقرأ هذه حرفيًّا حقًّا؟»، ثمّ «إنّها مُلغاةٌ أو مُروحَنة»، ثمّ «قصد الإله الحقيقيّ هو التحرير لا عهدٌ حرفيٌّ بالأرض». إنّه صدى «أَحَقًّا قَالَ اللهُ؟» بعد آلاف السنين.

حتّى الرب يسوع المسيح هاجمه العدوّ بكلمةٍ مُحرَّفة. في برّيّة التجربة، اقتبس إبليس الكتاب نفسه — لكنّه لواه واقتطعه ليجرّب به الرب (متّى ٤: ٦). ولاحظ كيف دافع الرب يسوع: ثلاث مرّاتٍ ردَّ بكلمةٍ واحدة — «مَكْتُوبٌ». لم يواجه الهجوم بإعلانٍ جديد، ولا بمنطقٍ بشريّ، ولا بتجربةٍ ذاتيّة، بل وقف على الكلمة كما هي مكتوبة، ورفض أن يُستخدَم الكتاب ضدّ الكتاب:

«قَالَ لَهُ يَسُوعُ: مَكْتُوبٌ أَيْضًا: لاَ تُجَرِّبِ الرَّبَّ إِلهَكَ.» — متّى ٤: ٧

فالعبد الذي يحبّ الحقّ يفعل ما فعله سيّده: لا يلوي الكلمة لتوافق روح العصر، بل يقف على «مَكْتُوبٌ». وأمّا الذي يُخضع الكلمة لفلسفته، فإنّه يُعيد دور الحيّة لا دور المسيح.

تشخيص الرب نفسه للمصدر. لم يترك الرب يسوع المسيح مصدر الكذب غامضًا، بل سمّاه باسمه:

«أَنْتُمْ مِنْ أَبٍ هُوَ إِبْلِيسُ، وَشَهَوَاتِ أَبِيكُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَعْمَلُوا. ذَاكَ كَانَ قَتَّالاً لِلنَّاسِ مِنَ الْبَدْءِ، وَلَمْ يَثْبُتْ فِي الْحَقِّ لأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ حَقٌّ. مَتَى تَكَلَّمَ بِالْكَذِبِ فَإِنَّمَا يَتَكَلَّمُ مِمَّا لَهُ، لأَنَّهُ كَذَّابٌ وَأَبُو الْكَذَّابِ.» — يوحنّا ٨: ٤٤

لكلّ كذبةٍ أبٌ. والتعليم الذي يُغيّر كلمة الإله تغييرًا منهجيًّا ليس يتيمًا بلا أب — بل يحمل ملامح ذاك الذي سمّاه الرب «أبا الكذّاب». ومن لم يثبت في الحقّ هو نفسه الذي يُلهم كلّ تعليمٍ لا يثبت في الحقّ.

الكبرياء هي البصمة الشيطانيّة. وأين بدأ هذا التمرّد على كلمة الإله؟ في كبرياء كائنٍ مخلوق. سجّل إشعياء «الأنا» المتكرّرة للساقط:

«أَصْعَدُ فَوْقَ مُرْتَفَعَاتِ السَّحَابِ. أَصِيرُ مِثْلَ الْعَلِيِّ.» — إشعياء ١٤: ١٤

هنا جذر كلّ كبرياء: المخلوق يضع «أناه» فوق كلمة الخالق. وكلّما قال إنسانٌ — ولو ضمنًا — «اختباري، وتحليلي، وفلسفتي هي التي تحكم على ما قاله الإله»، فإنّه يُكرّر «أنا» إبليس، رافعًا نظرة الإنسان فوق كلمة الإله. والماركسيّة هي بالضبط منظومة «الأنا» البشريّة: تحليل الإنسان للتاريخ يُنصَّب عدسةً يجب أن تمرّ من خلالها حتّى كلمة الإله. وهذا ليس تواضعًا أمام الكتاب — بل هو الكبرياء القديمة في ثوبٍ حديث.

تنكُّر «ملاك النور». لكن كيف يدخل مثل هذا التعليم إلى الكنائس؟ ليس بأن يُعلن عن نفسه كذبًا. فالعدوّ لا يبيع الظلمة على أنّها ظلمة قطّ:

«وَلاَ عَجَبَ. لأَنَّ الشَّيْطَانَ نَفْسَهُ يُغَيِّرُ شَكْلَهُ إِلَى شِبْهِ مَلاَكِ نُورٍ!» — ٢كورنثوس ١١: ١٤

إنّه يبيعها على أنّها عدالةٌ ورحمةٌ وانحيازٌ للمظلوم — وهي كلماتٌ جميلةٌ وصحيحةٌ في ذاتها، وهذا تحديدًا ما يجعل التنكّر فعّالًا. وقد خاف الرسول بولس هذا بعينه:

«وَلكِنَّنِي أَخَافُ أَنَّهُ كَمَا خَدَعَتِ الْحَيَّةُ حَوَّاءَ بِمَكْرِهَا، هكَذَا تُفْسَدُ أَذْهَانُكُمْ عَنِ الْبَسَاطَةِ الَّتِي فِي الْمَسِيحِ.» — ٢كورنثوس ١١: ٣

فالبساطة التي في المسيح لا تُفسَد بالأكاذيب القبيحة، بل بالأكاذيب الجميلة.

الحكم. تعليمٌ (١) يقطع كلمة الإله ويُعيد وزنها بمعيارٍ بشريّ، و(٢) يُنكر أمانة الإله لوعوده، و(٣) يرفع اختبار الإنسان وفلسفته فوق الكتاب، و(٤) يُحوّل المخلّص إلى رمزٍ سياسيّ — مثل هذا التعليم لا يمكن أن يصدر من روح الحقّ، لأنّ روح الحقّ لا يناقض الكلمة التي تنفّسها هو. وإن لم يكن من روح الحقّ، فلم يبقَ إلّا مصدرٌ واحد. لا نقول هذا لندين الأشخاص — فكثيرون منهم جذبهم ألمٌ حقيقيٌّ، ونحن نحبّهم ونريد أن نربحهم. نقوله لنعرّي الروح الذي وراء المنظومة. فتسمية المصدر ليست بغضًا — إنّها أمانة الحارس. والخراف لا تُحمى بالتظاهر بأنّ الذئب كلبٌ ضالّ.

قصد الإله ومشيئته: لماذا لا يستطيع تمرّد الإنسان أن يُلغي وعد الإله

ثمّة تمييزٌ يجب أن يُمسكه القدّيسون بثباتٍ: الفرق بين قصد الإله ومشيئته. قصد الإله هو خطّته الأزليّة السرمديّة — وهو سيتمّ حتمًا؛ لا شيء في السماء أو الأرض يقدر أن ينقضه. ومشيئة الإله الموصى بها هي ما يأمر به الناس — وللناس أن يطيعوا أو يتمرّدوا، والإله يدين كلّ واحدٍ حسب عدله وحسب كلمته.

ولاهوت الاستبدال يخلط هذا التمييز خلطًا قاتلًا. فهو يستنتج: «إسرائيل عصت (فأخفقت في مشيئة الإله الموصى بها)؛ إذًا ألغى الإله قصده لإسرائيل وأعطاه لغيرها». لكنّ عصيان الإنسان لا يُلغي قصد الإله أبدًا. إخفاق إسرائيل الجزئيّ تحت الناموس حقيقيٌّ — لكنّه لم يُبطل، ولا يقدر أن يُبطل، القصد غير المشروط الذي أقسمه الإله لإبراهيم. وقد واجه الرسول بولس هذا الخطأ عينه وأجاب عليه بأقوى نفيٍ ممكن:

«لَمْ يَرْفُضِ اللهُ شَعْبَهُ الَّذِي سَبَقَ فَعَرَفَهُ.» — رومية ١١: ٢

ثمّ ختم المسألة بختمٍ لا يُكسَر:

«لأَنَّ هِبَاتِ اللهِ وَدَعْوَتَهُ هِيَ بِلاَ نَدَامَةٍ.» — رومية ١١: ٢٩

«بلا ندامة» — أي لا رجوع فيها. الإله لا يسترجع ما قصده، لأنّه ليس إنسانًا فيكذب. الإنسان يقدر أن يقاوم مشيئة الإله في تمرّده؛ لكنّ الإنسان لا يقدر أن يُلغي قصد الإله بتمرّده. وهذه أعمق تعزيةٍ للمؤمن: الأمانة نفسها التي تحرس قصد الإله لإسرائيل هي التي تحرس وعد خلاصك أنت. فإلهٌ يقدر أن يُلغي قصدًا أقسمه لشعبٍ، يقدر أن يُلغيه لأيّ شعب — لكنّه لا يفعل، ولا يقدر أن يُنكر نفسه.

وثيقة «كايروس فلسطين ٢٠٠٩» في ميزان كلمة الإله

لا يمكن لأيّ دراسةٍ جادّة للاهوت التحرير الفلسطينيّ أن تتجاوز وثيقة «كايروس فلسطين» الصادرة في بيت لحم سنة ٢٠٠٩ تحت عنوان «لحظة الحقّ». فهذه الوثيقة هي البيان اللاهوتيّ الأكثر تأثيرًا لهذا التيّار، ووقّعها عدد من رجال الدين الفلسطينيّين من كنائس مختلفة. ولأنّها صارت المرجع الأساسيّ لهذا اللاهوت، فمن الأمانة أن نفحصها لا بالاتّهام بل بكلمة الإله. والإنصاف يقتضي أن نقرّ ابتداءً بأنّ الوثيقة تحتوي على عباراتٍ صحيحةٍ في ظاهرها — تعلن الإيمان «بإلهٍ صالحٍ وعادل»، وتؤكّد أنّ كلّ إنسانٍ مخلوقٌ على صورة الإله. لكنّ خطرها لا يكمن في ما تقوله صراحةً من حقّ، بل في الإطار اللاهوتيّ الذي تبني عليه.

أوّلًا: منهجها التفسيريّ — حين يصير السياق هو الحكم. تعلن الوثيقة أنّ الرب يسوع المسيح ألقى «ضوءًا جديدًا على العهد القديم» في مواضيع مثل «المواعيد والاختيار وشعب الإله والأرض». ثمّ تصرّح بأنّ كلمة الإله «كلمة حيّة» تُعلن «هنا والآن» ما يقوله الإله لنا، وتصف التفسير الحرفيّ لوعود الإله بأنّه «الخطأ بعينه في التفسير الأصوليّ للكتاب المقدّس الذي يجلب لنا الموت والدمار». تأمّل في هذه العبارة: الوثيقة تصف التفسير الحرفيّ لوعود الإله بأنّه «أصوليّة» تجلب «الموت والدمار». لكنّ هذا اتّهامٌ موجَّه — في حقيقته — إلى منهج الرب يسوع المسيح نفسه، الذي أكّد أنّ «حَرْفًا وَاحِدًا أَوْ نُقْطَةً وَاحِدَة» من الناموس لن تزول (متّى ٥: ١٨). وعبارتها «هنا والآن» المتكرّرة تكشف الجذر: المعيار صار هو السياق الراهن، لا قصد الإله الثابت في النصّ. والكتاب يُقرّر: «مَهْمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فَاحْتَرِزُوا لِتَعْمَلُوهُ. لاَ تَزِدْ عَلَيْهِ وَلاَ تُنَقِّصْ مِنْهُ» (التثنية ١٢: ٣٢). ومتى صار اختبار الإنسان هو الذي يقرّر أيّ النصوص «حيّ» وأيّها «حرف من حجر»، فقد انتقل السلطان من الإله إلى الإنسان. وهذا هو جوهر الخطأ.

ثانيًا: «الأرض ذات رسالةٍ كونيّة» — تذويب الوعد الحرفيّ. تُعلن الوثيقة أنّ «وعد الأرض لم يكن قطّ برنامجًا سياسيًّا، بل مقدّمةً للخلاص الكونيّ الكامل»، وأنّ معاني «المواعيد والأرض والاختيار وشعب الإله» تنفتح «لتشمل البشريّة جمعاء». وهذا التعبير، رغم جماله الظاهريّ، هو إعادة صياغةٍ دقيقة للاهوت الاستبدال — لكن بثوبٍ جديد. فبدلًا من القول صراحةً إنّ الكنيسة حلّت محلّ إسرائيل، تقول الوثيقة إنّ الوعد «الخاصّ» بإسرائيل قد «ذاب» في وعدٍ «كونيّ» عامٍّ لا خصوصيّة فيه لشعب. لكنّ هذا يصطدم مباشرةً بما أكّده الرسول بولس — الذي تستشهد الوثيقة نفسها به في مواضع أخرى. فبولس، بعد كلّ كلامه عن الخلاص الكونيّ الذي يشمل الأمم، لم يُذِب وعود إسرائيل، بل أكّدها صراحةً: «لَمْ يَرْفُضِ الله شَعْبَهُ» و«هِبَاتِ الله وَدَعْوَتَهُ هِيَ بِلاَ نَدَامَةٍ» (رومية ١١: ١، ٢٩). فالوعد الكونيّ للأمم هو توسيعٌ لخطّة الإله لا إلغاءٌ لوعده الخاصّ.

ثالثًا: اتّهام «بعض اللاهوتيّين في الغرب» — قلب الاتّهام. تُعلن الوثيقة أنّ «بعض اللاهوتيّين في الغرب يحاولون إضفاء شرعيّةٍ كتابيّةٍ ولاهوتيّة على انتهاك حقوقنا»، وأنّ «البشرى» في الإنجيل صارت بسببهم «نذير موتٍ» للفلسطينيّين، وتدعوهم إلى «تصحيح تفسيراتهم». وهنا تبلغ الوثيقة ذروة منهجها: المعيار الذي يُحاكَم به التفسير لم يعد توافقه مع نصّ الكتاب، بل توافقه مع مصلحة فئةٍ من الناس. أيّ تفسيرٍ يؤكّد وعود الإله الحرفيّة لإسرائيل يُوصَم بأنّه «نذير موت» ويُطالَب أصحابه بالتوبة عنه. وهذا قلبٌ خطير للموازين: الكتاب المقدّس لا يُصحَّح ليوافق اختبارنا — بل اختبارنا هو الذي يُصحَّح ليوافق الكتاب. وميزان الإله لا يتغيّر بحسب من يأتي بالشكوى: «مَوَازِينُ غِشٍّ مَكْرَهَةُ الرَّبِّ، وَالْوَزْنُ الصَّحِيحُ رِضَاهُ» (الأمثال ١١: ١).

ولنكن منصفين ودقيقين: ليست المشكلة أنّ الوثيقة تصف معاناةً حقيقيّة. فالألم الإنسانيّ حقيقيّ، والكتاب المقدّس لا يستخفّ بأيّ ألمٍ بشريّ، والإله نفسه «قريبٌ من المنكسري القلوب» (مزمور ٣٤: ١٨). المشكلة هي أنّ الوثيقة تأخذ هذا الألم الحقيقيّ وتجعله المعيار الذي تُحاكَم به كلمة الإله. وهذا هو الانقلاب اللاهوتيّ الذي يهدم سلطان الكتاب.

مَن هم حَمَلَة هذا التعليم؟ وكلمة الفصل الإلهيّة من رومية ١١

أوصى الرب يسوع المسيح المؤمنين أن يميّزوا المعلّمين من ثمارهم: «مِنْ ثِمَارِهِمْ تَعْرِفُونَهُمْ» (متّى ٧: ١٦). ولكي يستطيع المؤمن أن يدافع عن الإيمان، عليه أن يعرف من أين يأتي هذا التعليم ومن يحمله — لا ليُبغض أشخاصًا، بل ليميّز التعليم ويحترز منه.

أبرز حَمَلَة هذا اللاهوت وعلى رأسهم نعيم عتيق، الكاهن الأنجليكانيّ الفلسطينيّ الذي يُعتبر الأب المؤسِّس لهذا التيّار. أسّس مركز «سبيل» اللاهوتيّ المسكونيّ في القدس، وجوهر فكره هو إخضاع نصوص العهد القديم لمعيار اختبار المظلوم: فما يوافق روايته من النصوص يُقبَل سلطانه، وما يخالفها يُوصَف بأنّه نصوص «لا سلطان لها» على المؤمن اليوم. ويتبعه منذر إسحق، أحد أبرز الأصوات المعاصرة، والمنظِّم الرئيسيّ لمؤتمر «المسيح عند الحاجز» (Christ at the Checkpoint) الذي يُعقد في بيت لحم، والذي صار منبرًا رئيسيًّا لنشر هذا اللاهوت في الأوساط الإنجيليّة الغربيّة. ومتري الراهب، اللاهوتيّ اللوثريّ الذي يطرح قراءةً «سياقيّة» للكتاب تجعل التجربة الفلسطينيّة المعاصرة عدسةً تُقرأ من خلالها النصوص. وإلى جانب هؤلاء، يقف لاهوتيّون غربيّون قدّموا الغطاء الأكاديميّ لهذا التيّار، أبرزهم غاري بيرج (Gary Burge) الذي يجادل بأنّ مجيء الرب يسوع المسيح ألغى خصوصيّة وعد الأرض، وستيفن سايزر (Stephen Sizer) الذي كرّس كتاباته لمهاجمة اللاهوت الذي يؤكّد مكانة إسرائيل.

ما يجمع هؤلاء جميعًا — على اختلاف كنائسهم وأساليبهم — هو خيطٌ لاهوتيٌّ واحد: إنكار أنّ الإله لا يزال محتفظًا بوعوده الحرفيّة لإسرائيل. وهنا بالضبط يضع الرسول بولس الفصل الأخير من حجّته، في خاتمة رومية ١١. وهذه هي الفقرة الحاسمة التي تهدم بنيان هذا اللاهوت كلّه من أساسه — فلنضعها كاملةً أمام كلّ من يحمل هذا التعليم، من الآية الخامسة والعشرين إلى نهاية الإصحاح، كلمةً كلمةً كما أوحى بها الروح القدس:

«فَإِنِّي لَسْتُ أُرِيدُ أَيُّهَا الإِخْوَةُ أَنْ تَجْهَلُوا هذَا السِّرَّ، لِئَلاَّ تَكُونُوا عِنْدَ أَنْفُسِكُمْ حُكَمَاءَ: أَنَّ الْقَسَاوَةَ قَدْ حَصَلَتْ جُزْئِيًّا لإِسْرَائِيلَ إِلَى أَنْ يَدْخُلَ مِلْؤُ الأُمَمِ، وَهكَذَا سَيَخْلُصُ جَمِيعُ إِسْرَائِيلَ. كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: «سَيَخْرُجُ مِنْ صِهْيَوْنَ الْمُنْقِذُ وَيَرُدُّ الْفُجُورَ عَنْ يَعْقُوبَ. وَهذَا هُوَ الْعَهْدُ مِنْ قِبَلِي لَهُمْ مَتَى نَزَعْتُ خَطَايَاهُمْ». مِنْ جِهَةِ الإِنْجِيلِ هُمْ أَعْدَاءٌ مِنْ أَجْلِكُمْ، وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ الاخْتِيَارِ فَهُمْ أَحِبَّاءُ مِنْ أَجْلِ الآبَاءِ، لأَنَّ هِبَاتِ اللهِ وَدَعْوَتَهُ هِيَ بِلاَ نَدَامَةٍ. فَإِنَّهُ كَمَا كُنْتُمْ أَنْتُمْ مَرَّةً لاَ تُطِيعُونَ اللهَ، وَلكِنِ الآنَ رُحِمْتُمْ بِعِصْيَانِ هؤُلاَءِ، هكَذَا هؤُلاَءِ أَيْضًا الآنَ لَمْ يُطِيعُوا لِكَيْ يُرْحَمُوا هُمْ أَيْضًا بِرَحْمَتِكُمْ. لأَنَّ اللهَ أَغْلَقَ عَلَى الْجَمِيعِ مَعًا فِي الْعِصْيَانِ لِكَيْ يَرْحَمَ الْجَمِيعَ. يَا لَعُمْقِ غِنَى اللهِ وَحِكْمَتِهِ وَعِلْمِهِ! مَا أَبْعَدَ أَحْكَامَهُ عَنِ الْفَحْصِ وَطُرُقَهُ عَنِ الاسْتِقْصَاءِ! «لأَنْ مَنْ عَرَفَ فِكْرَ الرَّبِّ؟ أَوْ مَنْ صَارَ لَهُ مُشِيرًا؟ أَوْ مَنْ سَبَقَ فَأَعْطَاهُ فَيُكَافَأَ؟» لأَنَّ مِنْهُ وَبِهِ وَلَهُ كُلَّ الأَشْيَاءِ. لَهُ الْمَجْدُ إِلَى الأَبَدِ. آمِينَ.» — رومية ١١: ٢٥-٣٦

تأمّل أيّها القارئ في كلّ كلمةٍ من هذه الآيات — فهي ردٌّ إلهيٌّ مباشر على كلّ نقطةٍ في لاهوت التحرير ولاهوت الاستبدال معًا: قوله «الْقَسَاوَةَ قَدْ حَصَلَتْ جُزْئِيًّا» يهدم فكرة الرفض الكلّيّ. وقوله «إِلَى أَنْ يَدْخُلَ مِلْؤُ الأُمَمِ» يهدم فكرة الرفض الأبديّ. وقوله «سَيَخْلُصُ جَمِيعُ إِسْرَائِيلَ» يعلن خلاصًا قادمًا لشعبٍ لا يمكن أن يكون قد اسُتبدِل. وقوله «هُمْ أَحِبَّاءُ مِنْ أَجْلِ الآبَاءِ» يهدم كلّ لاهوتٍ يصوّر اليهود كملعونين مرفوضين — فهم في عين الإله «أحبّاء». وقوله الفاصل «هِبَاتِ الله وَدَعْوَتَهُ هِيَ بِلاَ نَدَامَةٍ» يُقفل الباب نهائيًّا: الإله لا يتراجع عمّا وهب ولا يسحب ما دعا إليه. ثمّ يختم الرسول بولس بتسبيحةٍ مجيدةٍ ليست عَرَضيّة، بل هي خاتمة الحجّة كلّها: «يَا لَعُمْقِ غِنَى الله وَحِكْمَتِهِ وَعِلْمِهِ! مَا أَبْعَدَ أَحْكَامَهُ عَنِ الْفَحْصِ». ومغزى هذا واضح: حين يأتي إنسانٌ ليُصحِّح خطّة الإله مع إسرائيل، أو ليُعيد تفسير وعوده ليوافق روايةً معاصرة، فإنّه يضع فكره فوق فكر الإله. لكنّ الرسول بولس يسأل: «مَنْ عَرَفَ فِكْرَ الرَّبِّ؟ أَوْ مَنْ صَارَ لَهُ مُشِيرًا؟». لا أحد يُشير على الإله كيف يُدبِّر خطّته. «لأَنَّ مِنْهُ وَبِهِ وَلَهُ كُلَّ الأَشْيَاءِ» — كلّ الأشياء، بما فيها مصير إسرائيل ومصير الأمم، هي من الإله وبه وله.

لماذا وجد هذا التعليم قبولًا في بعض الأوساط العربيّة المسيحيّة؟

من المهمّ أن يفهم المؤمن لماذا انتشر هذا التعليم في بعض الكنائس العربيّة، لا ليتّهم أحدًا، بل ليميّز التربة التي ينمو فيها هذا الخطأ فيحترز منه. ولنبدأ بتصحيح وهمٍ شائع: لاهوت التحرير الفلسطينيّ لم يأتِ من خارج المسيحيّة، بل وُلد داخل الكنيسة نفسها. مؤسّسوه رجال دينٍ مسيحيّون — أنجليكان ولوثريّون وكاثوليك — وجذوره الفكريّة تعود إلى لاهوت التحرير الكاثوليكيّ في أمريكا اللاتينيّة، وإلى لاهوتيّين أكاديميّين غربيّين أمدّوه بالغطاء النظريّ. فالخطأ، في جوهره، خطأٌ لاهوتيٌّ داخليٌّ في قراءة الكتاب المقدّس — لا تعليمٌ مستورَدٌ من ديانةٍ أخرى. وأيّ ادّعاءٍ بأنّ ديانةً أخرى هي التي صنعت هذه البدعة هو ادّعاءٌ غير دقيق، ويُضعف الردّ بدلًا من أن يُقوّيه.

فما الذي جعل هذه التربة خصبةً لقبول هذا الخطأ؟ هناك عواملٌ حقيقيّةٌ عدّة، لا بدّ من فهمها بأمانةٍ وإنصاف:

العامل الأوّل — التأثّر بلاهوت التحرير العالميّ. حين انتشر لاهوت التحرير في أمريكا اللاتينيّة وأفريقيا في القرن العشرين، صار نموذجًا جاهزًا يمكن تطبيقه على أيّ سياقٍ فيه معاناة. فالإطار نفسه — تقسيم البشر إلى مظلومين وظالمين، وتعريف الخطيّة كظلمٍ بُنيوي، وتعريف الخلاص كتحرّرٍ سياسيّ — صار «قالبًا» يُسهل استعارته. وحين وصل هذا القالب إلى الشرق، طُبِّق على الواقع المحلّيّ. والخطأ ليس في الاهتمام بالمعاناة — بل في تبنّي إطارٍ لاهوتيٍّ يُخضِع كلمة الإله لتجربة الإنسان.

العامل الثاني — واقع الأقلّيّة المسيحيّة وضغوطها. المسيحيّون العرب يعيشون في الغالب كأقلّيّات، وهذا واقعٌ فيه ضغوطٌ حقيقيّةٌ وتحدّياتٌ وجوديّة. وفي مثل هذا السياق، يصير لاهوتٌ يَعِد بالكرامة والعدل والتحرير جذّابًا عاطفيًّا. الألم حقيقيّ، والرغبة في رفعه مشروعة. لكنّ الخطر أن يتحوّل الألم المشروع إلى معيارٍ تُقرأ من خلاله كلمة الإله — فيُقبَل من الكتاب ما يوافق الرواية ويُرفَض ما يخالفها. وهنا بالضبط تكمن الزلّة.

العامل الثالث — جاذبيّة إطار «الضحيّة والعدل». الإنسان بطبيعته يميل إلى الرواية التي تجعله في موقع المظلوم البريء. وهذا الميل النفسيّ قويّ، لكنّه يصطدم بتشخيص الكتاب المقدّس الذي يعلن أنّ «الْجَمِيعَ أَخْطَأُوا وَأَعْوَزَهُمْ مَجْدُ الله» (رومية ٣: ٢٣). فالكتاب لا يعرف فئةً بريئةً بالمطلق وفئةً مذنبةً بالمطلق — بل يعرف بشريّةً كلّها ساقطةً ومحتاجةً إلى نعمة الإله. وأيّ لاهوتٍ يبني على فكرة «البراءة الجماعيّة لفئةٍ وإدانة فئة» يكون قد خالف هذا التشخيص الإلهيّ من أساسه.

العامل الرابع — السعي إلى التضامن الوطنيّ المشترك. وهنا نصل إلى نقطةٍ يجب أن نتناولها بدقّةٍ بالغة. صحيحٌ أنّ بعض روّاد هذا اللاهوت يسعون صراحةً إلى تحالفٍ سياسيٍّ حول قضيّةٍ وطنيّةٍ مشتركة. ووثيقة «كايروس فلسطين» نفسها تعلن هذا في فقراتها الموجَّهة إلى القادة الدينيّين، حيث تتحدّث عن «العيش المشترك» و«الرسالة المشتركة». لكنّ التمييز هنا حاسم: هذا تحالفٌ سياسيٌّ يُصرَّح به، وهو شيءٌ مختلفٌ تمامًا عن مصدر الخطأ اللاهوتيّ. فالخطأ اللاهوتيّ — أي المنهج الانتقائيّ ولاهوت الاستبدال وتسييس الخلاص — هو خطأٌ داخليٌّ في قراءة الكتاب المسيحيّ، مهما كانت التحالفات السياسيّة المحيطة به.

وخلاصة القول: ما الذي يقوله الكتاب المقدّس في مواجهة كلّ هذه العوامل؟ يقول إنّ الميزان ليس تجربة الإنسان، ولا الانتماء الوطنيّ، ولا التضامن السياسيّ، ولا حتّى الألم الحقيقيّ — بل كلمة الإله وحدها: «إِلَى الشَّرِيعَةِ وَإِلَى الشَّهَادَةِ. إِنْ لَمْ يَقُولُوا مِثْلَ هذَا الْقَوْلِ فَلَيْسَ لَهُمْ فَجْرٌ» (إشعياء ٨: ٢٠).

أين الحقّ وسط هذا كلّه؟ — الموقف الكتابيّ المتوازن

صديقي، لعلّك تسأل الآن: «إن كان لاهوت التحرير الفلسطينيّ خطأً، فهل يعني هذا أنّ المؤمن يقف ضدّ الفلسطينيّين، أو يبارك كلّ ما تفعله أيّ دولة، أو يتجاهل المعاناة؟» كلّا وألف كلّا. ودعني أضع بين يديك الموقف الكتابيّ المتوازن، حتّى لا نهرب من خطأٍ لنقع في خطأٍ مضادّ.

أوّلًا — الإله يحبّ كلّ إنسان. يحبّ الفلسطينيّ المسلم والمسيحيّ، ويحبّ اليهوديّ، ويحبّ كلّ نفسٍ على وجه الأرض: «هكَذَا أَحَبَّ الله الْعَالَمَ» (يوحنّا ٣: ١٦). والمسيحيّ الحقيقيّ لا يكره أحدًا، ولا يفرح بمعاناة أحد، ولا يبرّر ظلمًا واقعًا على أيّ إنسان.

ثانيًا — الإله يبغض الظلم من أيّ جهةٍ صدر. الكتاب لا يحابي الأقوياء، ولا يبرّر بطش المتسلّط، بل يأمر بالإنصاف: «اطْلُبُوا الْحَقَّ. انْصِفُوا الْمَظْلُومَ» (إشعياء ١: ١٧). فمن يظلم — أيًّا كان — يقف تحت دينونة الإله. وميزان الإله لا يختلف بحسب المظلوم ولا بحسب الظالم: «مَوَازِينُ غِشٍّ مَكْرَهَةُ الرَّبِّ، وَالْوَزْنُ الصَّحِيحُ رِضَاهُ» (الأمثال ١١: ١).

ثالثًا — أمانة الإله لوعوده لإسرائيل لا تعني تبرير كلّ فعلٍ سياسيٍّ لدولةٍ بشريّة. هذان أمران مختلفان: الإيمان بأنّ الإله أمينٌ لوعوده الأبديّة شيء، والحكم على سياسات حكومةٍ بشريّة شيءٌ آخر. المؤمن الأمين يحفظ الأوّل دون أن يتحوّل إلى مبرّرٍ أعمى للثاني.

رابعًا — الموقف الكتابيّ تجاه كلّ الناس هو محبّتهم وحملهم بشارة الرب يسوع المسيح. فالحاجة الكبرى لكلّ إنسانٍ في تلك الأرض المقدّسة، ولكلّ إنسانٍ في العالم، ليست حلًّا سياسيًّا — بل ولادةٌ جديدة. فالسلام الحقيقيّ لا يأتي من اتّفاقيّةٍ ولا من انتصارٍ عسكريّ، بل من المصالحة مع الإله عبر المسيح:

«فَإِذْ قَدْ تَبَرَّرْنَا بِالإِيمَانِ لَنَا سَلاَمٌ مَعَ اللهِ بِرَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ.» — رومية ٥: ١

والفرق بيننا وبين لاهوت التحرير ليس أنّنا لا نبالي بالعدالة، بل أنّنا نضع الأولويّات في ترتيبها الكتابيّ: الإنجيل أوّلًا، ومنه تتفرّع كلّ ثمار البرّ والعدالة والرحمة. ومن يبدأ بالعدالة الأرضيّة ويترك الإنجيل، يفقد الاثنين معًا؛ ومن يبدأ بالإنجيل، يربح النفوس أوّلًا، ثمّ يربح بقلوبٍ متجدّدةٍ عدالةً حقيقيّةً تدوم.

أسئلة يطرحها المؤمنون — أجوبةٌ من كلمة الإله

كثيرًا ما يواجه المؤمن، حين يصادف هذا التعليم، أسئلةً تبدو محيّرة. وفي ما يلي أهمّ هذه الأسئلة مع جوابٍ كتابيٍّ لكلٍّ منها، ليكون المؤمن «مُسْتَعِدًّا دَائِمًا لِمُجَاوَبَةِ كُلِّ مَنْ يَسْأَلُهُ عَنْ سَبَبِ الرَّجَاءِ الَّذِي فِيهِ بِوَدَاعَةٍ وَخَوْفٍ» (١ بطرس ٣: ١٥).

السؤال الأوّل: أليس الدفاع عن المظلوم أمرًا كتابيًّا؟ فلماذا نرفض لاهوتًا يدافع عن المظلومين؟ نعم، الدفاع عن المظلوم أمرٌ كتابيٌّ صريح. الإله يأمر شعبه: «اطْلُبُوا الْحَقَّ. انْصِفُوا الْمَظْلُومَ» (إشعياء ١: ١٧)، ويعلن أنّه «صَانِعٌ حُكْمًا لِلْمَظْلُومِينَ» (مزمور ١٤٦: ٧). فالمحبّة الحقيقيّة للقريب، ورفع الظلم، والوقوف مع المتألّم، كلّها فضائل يطالب بها الكتاب المقدّس. ولا يجوز لمؤمنٍ أن يكون قاسيًا أو مستهترًا بألم أيّ إنسان. لكنّ المشكلة في لاهوت التحرير ليست أنّه يدافع عن المظلوم — بل أنّه يجعل هذا الدفاع هو المعيار الأعلى الذي تُحاكَم به كلمة الإله نفسها. فالفرق جوهريٌّ بين أمرين: أن نطبّق كلمة الإله فندافع عن المظلوم طاعةً لها، وبين أن نجعل قضيّة المظلوم فوق كلمة الإله فنرفض من الكتاب ما يخالف روايتنا. الأوّل طاعة، والثاني انقلاب على السلطان. والكتاب المقدّس لا يعرّف العدل بمعيارٍ بشريٍّ متغيّر، بل بمعيار الإله الثابت — والعدل الكتابيّ لا يقسم البشر إلى فئةٍ بريئةٍ وفئةٍ مذنبة على أساسٍ عرقيٍّ أو سياسيّ، بل يعلن أنّ «الْجَمِيعَ أَخْطَأُوا» (رومية ٣: ٢٣).

السؤال الثاني: ألم يُلغِ مجيء الرب يسوع المسيح خصوصيّة وعد الأرض لإسرائيل؟ هذا هو جوهر حجج بعض اللاهوتيّين الغربيّين الذين يجادلون بأنّ المسيح «كَوْنَن» الوعد فجعله للعالم كلّه، فلم تعد للأرض خصوصيّة. لكنّ الكتاب المقدّس لا يضع الوعد الكونيّ للأمم في مقابل الوعد الخاصّ بإسرائيل، بل يجمع بينهما دون أن يُلغي أحدهما الآخر. تأمّل: الرسول بولس كتب رومية ١١ بعد سنواتٍ طويلةٍ من كرازته للأمم. لقد عرف تمامًا أنّ الخلاص امتدّ إلى كلّ الأمم — وهو نفسه «رسول الأمم». ومع ذلك، في ذروة فهمه للخلاص الكونيّ، أكّد أنّ الإله «لم يرفض شعبه» وأنّ «هباتِ الله ودعوتَه بلا ندامة» (رومية ١١: ١، ٢٩). فلو كان مجيء المسيح قد ألغى خصوصيّة إسرائيل، لكان بولس أوّل من يعلن ذلك — لكنّه أعلن العكس تمامًا. وصورة الزيتونة تحسم المسألة: المؤمنون من الأمم «زيتونةٌ بريّةٌ طُعِّمت» في الشجرة (رومية ١١: ١٧). والتطعيم إضافةٌ لا إحلال. الأمم لم يقتلعوا الأغصان الطبيعيّة ويأخذوا مكانها — بل طُعِّموا معها في الجذر نفسه.

السؤال الثالث: أليس من القسوة أن نؤكّد وعود إسرائيل بينما يتألّم أناسٌ حقيقيّون؟ هذا سؤالٌ يمسّ القلب، وجوابه يبدأ بإقرارٍ صريح: نعم، الألم البشريّ حقيقيّ، والإله «قريبٌ من المنكسري القلوب ويخلّص المنسحقي الروح» (مزمور ٣٤: ١٨). الكتاب المقدّس لا يطلب منّا أن نختار بين الرحمة بالمتألّمين وبين الأمانة لكلمة الإله — بل يطلب منّا الاثنين معًا. والوهم الذي يزرعه لاهوت التحرير هو أنّ التمسّك بوعود الإله الحرفيّة يعني عدم الاكتراث بالمتألّمين. لكنّ هذا تضليل. فالمؤمن الأمين يمدّ يده لكلّ متألّم، ويصلّي لأجل كلّ منكسر، ويكرز بالإنجيل لكلّ نفسٍ — من أيّ عرقٍ كانت — بينما يحفظ في الوقت نفسه إيمانه بأمانة الإله لكلّ كلمةٍ وعد بها. بل إنّ أعظم رحمةٍ نقدّمها للمتألّم ليست وعدًا سياسيًّا زائلًا، بل الإنجيل الذي يخلّص نفسه إلى الأبد. فلو ربح إنسانٌ كلّ حقٍّ سياسيٍّ وخسر نفسه، فماذا انتفع؟ «لأَنَّهُ مَاذَا يَنْتَفِعُ الإِنْسَانُ لَوْ رَبِحَ الْعَالَمَ كُلَّهُ وَخَسِرَ نَفْسَهُ؟» (مرقس ٨: ٣٦).

السؤال الرابع: ألا يستخدم بعضهم وعود إسرائيل لتبرير الظلم؟ أفلا يبرّر هذا رفض تلك الوعود؟ قد يُساء استخدام الكتاب المقدّس — وهذا حقّ. وقد استُخدمت آياتٌ كثيرة عبر التاريخ خارج سياقها لتبرير ما لم يقصده الإله. لكنّ إساءة استخدام نصٍّ لا تُلغي صحّته، تمامًا كما أنّ إساءة استخدام الإنجيل لا تُلغي الإنجيل. الحلّ لإساءة الاستخدام ليس رفض النصّ، بل تفسيره الصحيح. فمن يأخذ وعد الإله لإسرائيل بالأرض ويجعله مبرّرًا لكراهية شعبٍ أو ظلمه، يكون قد أساء فهم النصّ — لأنّ الإله الذي وعد إسرائيل هو نفسه الذي يأمر بمحبّة القريب ورفع الظلم. وعد الأرض الحرفيّ لإسرائيل لا يناقض البتّة محبّة كلّ إنسانٍ والكرازة له بالخلاص. الميزان دائمًا هو التفسير الأمين الكامل لكلمة الإله.

السؤال الخامس: كيف أردّ على من يقول إنّ الرب يسوع المسيح كان «فلسطينيًّا تحت الاحتلال» وإنّه يقف مع المظلومين فقط؟ هذا التصوير يأخذ نصف الحقيقة ويطمس نصفها الآخر. نعم، الرب يسوع المسيح تأنّس وعاش في زمن الاحتلال الرومانيّ، وحمل آلام البشريّة، ووقف بحنانٍ مع كلّ منكسرٍ وخاطئ. هذا حقٌّ كتابيٌّ جميل. لكنّ لاهوت التحرير يحوّل هذا إلى صورةٍ مشوّهة: مسيحٌ ثوريٌّ سياسيٌّ جاء أساسًا ليحرّر شعبًا من شعب. لكنّ الرب يسوع المسيح أعلن صراحةً أمام بيلاطس: «مَمْلَكَتِي لَيْسَتْ مِنْ هذَا الْعَالَمِ» (يوحنّا ١٨: ٣٦). ولم يأتِ ليطرد الرومان، بل ليحمل خطايا العالم. وحين أراد الجمع أن يُقيموه ملكًا سياسيًّا، «انْصَرَفَ» (يوحنّا ٦: ١٥). ووقوفه مع المظلوم لم يكن انحيازًا عرقيًّا أو سياسيًّا — بل دعوةً لكلّ خاطئ، مظلومًا كان أو ظالمًا، إلى التوبة والحياة. لقد دعا متّى العشّار (المتعاون مع المحتلّ) كما دعا سمعان الغيور (المقاوم للمحتلّ)، وجمعهما في تلمذةٍ واحدة. الرب يسوع المسيح لم يأتِ ليقف مع فئةٍ ضدّ فئة، بل ليصالح الفئتين مع الإله ومع بعضهما في جسده الواحد. ومن يختزل المسيح في «محرِّرٍ سياسيٍّ لشعبٍ واحد» يكون قد فقد المسيح الكتابيّ — مخلّص العالم كلّه.

السؤال السادس: ما موقفي العمليّ إذا سمعت هذا التعليم في كنيستي أو من معلّمٍ أثق به؟ أوّلًا، لا تَبنِ موقفك على شخص المعلّم بل على كلمة الإله. أهل بيرية، حين سمعوا الرسول بولس نفسه، «فَاحِصِينَ الْكُتُبَ كُلَّ يَوْمٍ: هَلْ هذِهِ الأُمُورُ هكَذَا؟» (أعمال الرسل ١٧: ١١). ثانيًا، ميّز بين الشخص والتعليم. نحن مدعوّون لمحبّة كلّ إنسان، حتّى من نختلف معه لاهوتيًّا. لكنّ محبّة الأشخاص لا تعني قبول الخطأ: «بَلْ صَادِقِينَ فِي الْمَحَبَّةِ» (أفسس ٤: ١٥). ثالثًا، تمسّك بمبدأٍ تفسيريٍّ واحدٍ متّسق: خذ الكتاب كلّه، حرفيًّا حيث يُكتب حرفيًّا، ورمزيًّا حيث يُعلن أنّه رمز. ولا تقبل أن يُقطَّع لك الكتاب فيُقدَّم لك بعضه ويُحجَب بعضه. رابعًا، ارجع دائمًا إلى رومية ١١ كاملةً — فهي الحصن الكتابيّ الأمتن الذي يقف عليه كلّ ردٍّ على هذا التعليم. وخامسًا، صلِّ. صلِّ لأجل المعلّمين أن يُرشدهم الروح القدس إلى كلّ الحقّ. فالمعركة في جوهرها روحيّة، وسلاح المؤمن الأوّل هو الصلاة وكلمة الإله.

صلاةٌ من ثماني وقفات — يصلّيها المؤمن بعد أن عرف الحقّ

بعد أن فحصنا هذا التعليم في ميزان كلمة الإله، يحسن بالمؤمن أن يتحوّل من الدرس إلى الصلاة. فالحقّ لا يُحفظ بالعقل وحده، بل يُحفظ على الركبتين.

الوقفة الأولى — شكرٌ على أمانة الإله: «أيّها الإله القدّوس، أشكرك لأنّك أمينٌ لا تتغيّر، ولأنّ هباتك ودعوتك بلا ندامة. أشكرك لأنّك حفظت وعودك لإبراهيم وإسحق ويعقوب عبر آلاف السنين رغم كلّ عصيان، وبهذا أعطيتني ضمانةً أنّك ستحفظ وعودك لي أيضًا. يا مَن لا تكذب ولا تندم، إيمانك بأمانتك هو صخرة نفسي. لك الشكر إلى الأبد، باسم الرب يسوع المسيح. آمين.»

الوقفة الثانية — طلب التمييز: «يا أبي السماويّ، أعطني بروحك القدّوس عينين تميّزان الحقّ من الخطأ، وقلبًا يفحص كلّ تعليمٍ بكلمتك كما فعل أهل بيرية. احفظني من كلّ منهجٍ يقطّع كلمتك فيأخذ بعضها ويرفض بعضها. اجعلني ثابتًا على أنّ كلّ الكتاب موحًى به منك، نافعٌ للتعليم والتوبيخ والتقويم. أنر بصيرتي لئلّا أُضلَّ ولئلّا أُضِلّ غيري. باسم الرب يسوع المسيح. آمين.»

الوقفة الثالثة — توبةٌ عن جعل التجربة فوق الكلمة: «يا أبي، اغفر لي كلّ مرّةٍ جعلت فيها اختباري أو ألمي أو رغبتي معيارًا تُحاكَم به كلمتك. أعترف أنّ كلمتك فوق تجربتي، وأنّ تجربتي تخضع لها لا العكس. علّمني أن أقول: «إِلَى الشَّرِيعَةِ وَإِلَى الشَّهَادَةِ». ردّني إلى موضع التلميذ الخاضع لكلمتك، لا القاضي الذي يحاكمها. باسم الرب يسوع المسيح. آمين.»

الوقفة الرابعة — صلاةٌ لأجل المتألّمين: «يا إله كلّ تعزية، أنت القريب من المنكسري القلوب، أرفع إليك كلّ متألّمٍ في هذه الأرض — من أيّ شعبٍ كان ومن أيّ عرق. ارحم المنكسرين وعزِّ الحزانى وامسح الدموع. أعطني قلبًا يحبّ كلّ متألّمٍ ويمدّ له يد العون، دون أن أبني محبّتي على إنكار وعودك أو تشويه كلمتك. اجعل رحمتي بالناس نابعةً من رحمتك أنت. باسم الرب يسوع المسيح. آمين.»

الوقفة الخامسة — صلاةٌ لأجل خلاص النفوس: «يا مخلّص العالم، أنت الذي قلت: «مَاذَا يَنْتَفِعُ الإِنْسَانُ لَوْ رَبِحَ الْعَالَمَ كُلَّهُ وَخَسِرَ نَفْسَهُ؟»، أعطني أن أرى الاحتياج الأعمق لكلّ إنسان — احتياجه إلى خلاص نفسه. لا تدعني أكتفي بأن أقدّم للناس وعودًا أرضيّةً زائلة بينما تهلك نفوسهم. اجعلني شاهدًا أمينًا لإنجيلك، أكرز بالخلاص الأبديّ لكلّ نفسٍ — يهودًا وأمميّين، مسيحيّين ومسلمين، مظلومين وظالمين — لأنّ الجميع أخطأوا والجميع محتاجون إليك. باسم الرب يسوع المسيح. آمين.»

الوقفة السادسة — صلاةٌ لأجل إسرائيل والأمم معًا: «يا إله إبراهيم وإسحق ويعقوب، أنت الذي لم ترفض شعبك الذي سبق فعرفته، أصلّي كما صلّى الرسول بولس: أن يخلص إسرائيل. أنت الذي قلت إنّ قساوة قلوبهم جزئيّةٌ لا كلّيّة، وإلى حينٍ لا إلى الأبد. عجِّل بذلك اليوم الذي يخرج فيه من صهيون المنقذ. وفي الوقت نفسه، أشكرك لأنّك طعّمتني أنا — الغصن البريّ من الأمم — في زيتونتك بنعمتك وحدها. احفظني من الافتخار على الأغصان. باسم الرب يسوع المسيح. آمين.»

الوقفة السابعة — صلاةٌ لأجل حَمَلَة هذا التعليم: «يا أبي، أصلّي لأجل كلّ من يحمل هذا التعليم الخاطئ — لا بكراهيةٍ بل بمحبّة. أنت وحدك تقدر أن ترشدهم إلى كلّ الحقّ. افتح أعينهم ليروا أمانتك لإسرائيل وللأمم معًا، وليأخذوا كلمتك كاملةً لا مقطّعة. أبعد عن قلبي كلّ مرارةٍ نحوهم. اجعلني صادقًا في المحبّة — أقول الحقّ بوداعة، وأحبّ الأشخاص حتّى وأنا أرفض الخطأ. باسم الرب يسوع المسيح. آمين.»

الوقفة الثامنة — صلاة التكريس والثبات: «يا رب يسوع المسيح، أكرّس لك نفسي من جديد. اجعلني مدافعًا أمينًا عن الإيمان المسلَّم مرّةً للقدّيسين، مستعدًّا دائمًا لمجاوبة كلّ من يسألني عن سبب الرجاء الذي فيّ بوداعةٍ وخوف. ثبّتني على كلمتك حين تعصف رياح التعاليم. واحفظني محبًّا للناس وأمينًا للحقّ معًا إلى النهاية. لك المجد، أنت الذي منه وبه وله كلّ الأشياء إلى الأبد. آمين.»

كلمةٌ إلى القلب — كيف ندافع بمحبّةٍ لا بقسوة

صديقي، قبل أن نختم، اسمح لي بكلمةٍ عن روح الدفاع لا مضمونه فقط. فإنّ الحقّ بلا محبّةٍ يصير سيفًا يجرح، والمحبّة بلا حقٍّ تصير عاطفةً تضلّ. والكتاب يدعونا إلى الجمع بينهما: «بَلْ صَادِقِينَ فِي الْمَحَبَّةِ» (أفسس ٤: ١٥). تذكّر أنّ كثيرين ممّن يتبنّون هذا اللاهوت إنّما دفعهم إليه ألمٌ حقيقيٌّ ومعاناةٌ صادقة. هم ليسوا أعداءً نحاربهم، بل إخوةٌ نختلف معهم ونريد لهم الحقّ. فحين تدافع عن الإيمان أمام من يحمل هذا التعليم، لا تدافع لتنتصر عليه، بل لتربحه للحقّ.

لا تستخفّ بألمه، ولا تبرّر الظلم الذي عاناه، بل قل له بمحبّة: «ألمك حقيقيّ، لكنّ الدواء الذي تبحث عنه ليس في تغيير كلمة الإله ولا في استبدال خلاص النفس بتحرير الأرض، بل في المسيح نفسه». والكتاب يأمرنا أن نردّ «بِوَدَاعَةٍ وَخَوْفٍ» (١ بطرس ٣: ١٥). الوداعة تجاه الإنسان، والخوف تجاه الإله وكلمته. فنحن لا ندافع عن قضيّتنا، بل عن قضيّة الإله. ونحن لا نهاجم شعبًا، بل نفضح خطأً. ونحن لا نكره مخطئًا، بل نشفق عليه ونريد له الحقّ الذي يحرّر النفس حقًّا: «وَتَعْرِفُونَ الْحَقَّ، وَالْحَقُّ يُحَرِّرُكُمْ» (يوحنّا ٨: ٣٢). هذا هو التحرير الحقيقيّ — لا تحرير الأرض من محتلٍّ زائل، بل تحرير النفس من عبوديّة الخطيّة بالحقّ الذي هو المسيح.

حقّ الإنجيل يبقى — والتفصيل المستقيم لكلمة الحقّ

حين تهدّد حقّ الإنجيل في الكنيسة الأولى، لم يساوم الرسول بولس، ولم يُليّن، ولم يُذعن «ولا ساعة»:

«الَّذِينَ لَمْ نُذْعِنْ لَهُمْ بِالْخُضُوعِ وَلاَ سَاعَةً، لِيَبْقَى عِنْدَكُمْ حَقُّ الإِنْجِيلِ.» — غلاطية ٢: ٥

بل قاوم بطرس نفسه في وجهه حين لم يكن سلوكه مستقيمًا «حَسَبَ حَقِّ الإِنْجِيلِ» (غلاطية ٢: ١٤). فحقّ الإنجيل ليس مُلكًا لنا نحن أحرارٌ في مقايضته مقابل السلام أو القبول؛ إنّه وديعةٌ كُلِّفنا بحفظها «لِيَبْقَى» لمن يأتون بعدنا. وقد بلغ تحذير الرسول ذروته حين جعل الإنجيل الآخر تحت اللعنة:

«كَمَا سَبَقْنَا فَقُلْنَا أَقُولُ الآنَ أَيْضًا: إِنْ كَانَ أَحَدٌ يُبَشِّرُكُمْ بِغَيْرِ مَا قَبِلْتُمْ، فَلْيَكُنْ أَنَاثِيمَا!» — غلاطية ١: ٩

والحارس الذي يعطيه الروح ضدّ كلّ استبدالٍ وكلّ تحريفٍ هو وصيّةٌ واحدة:

«اجْتَهِدْ أَنْ تُقِيمَ نَفْسَكَ لِلهِ مُزَكًّى، عَامِلاً لاَ يُخْزَى، مُفَصِّلاً كَلِمَةَ الْحَقِّ بِالاسْتِقَامَةِ.» — ٢تيموثاوس ٢: ١٥

«مُفَصِّلاً كلمة الحقّ بالاستقامة» — أي تمييزها تمييزًا دقيقًا. والذي يرفض أن يُفصّل الكلمة بالاستقامة يطحن مشورة الإله كلّها في كتلةٍ واحدةٍ غير مُميَّزة — ثمّ، إذ يعجز عن التمييز بين إسرائيل والكنيسة، وبين الوعد الأرضيّ والسماويّ، وبين الناموس والنعمة، «يحلّ» الارتباك الذي صنعه هو بأن يمحو إسرائيل ببساطةٍ ويبتلع وعودها. فلاهوت الاستبدال في جذره إخفاقٌ في التفصيل المستقيم. والعلاج ليس كتابًا أقلّ، بل كتابًا يُعامَل بالاستقامة: كلّ وعدٍ لشعبه، وكلّ عهدٍ في موضعه، وكلّ كلمةٍ تُكرَّم كما هي مكتوبة.

ولْيُقَل بصراحة: لا يقدرون أن يستبدلوا كلمة الإله بماركسيّتهم. ماركس ليس موسى. وجدليّة الصراع الطبقيّ ليست وحي الإله الحيّ. ولا منظومةٍ بشريّةٍ — مهما رقّت شعاراتها — لها سلطانٌ أن تنقض جملةً واحدةً نطق بها الإله:

«اَلسَّمَاءُ وَالأَرْضُ تَزُولاَنِ وَلكِنَّ كَلاَمِي لاَ يَزُولُ.» — متّى ٢٤: ٣٥

كلّ أيديولوجيا في كلّ عصرٍ ستزول إلى التراب. وكلمة الإله لن تزول. الذين بنوا منظوماتهم على ماركس سيرون ماركس يزول؛ والذين يقفون على «مَكْتُوبٌ» سيقفون حين تزول السماء والأرض.

وعدل الإله لا يُحابي. وهنا نقطةٌ يجب أن تُقال بأمانةٍ لاهوتيّة لا سياسيّة: عدل الإله لا ينحاز بحسب الفئة السياسيّة، بل بحسب معياره البارّ وحده:

«لأَنْ لَيْسَ عِنْدَ اللهِ مُحَابَاةٌ.» — رومية ٢: ١١

فهو يرى كلّ نفسٍ مظلومةٍ وكلّ مؤمنٍ مضطهَدٍ بميزانه هو. ومنظومةٌ تصنع لاهوتًا مُفصَّلًا لقضيّةٍ واحدة بينما تنزف الكنيسة وتتألّم في أرضٍ كثيرةٍ دون أن يلتفت إليها أحد — مثل هذه المنظومة تكشف أنّ محرّكها الحقيقيّ أيديولوجيا، لا عدل الإله الذي لا يُحابي. نحن لا ندخل في السياسة؛ بل نُعلن أنّ ميزان الإله واحدٌ للجميع، وأنّ تعليمًا انتقائيًّا في رحمته انتقائيٌّ في مصدره.

الخاتمة: حربٌ على أربع جبهات وانتصارٌ بكلمة الإله

رأينا في هذه الدراسة أنّ لاهوت التحرير الفلسطينيّ ليس مجرّد رأيٍ سياسيٍّ نختلف معه، بل هو نظامٌ لاهوتيٌّ يشنّ — وإن بلا قصدٍ من كثيرٍ من أتباعه — حربًا على أربع جبهاتٍ في آنٍ واحد: على سلطان الكتاب المقدّس بقراءته الانتقائيّة؛ وعلى مفهوم الخطيّة باختزالها في البُنى الظالمة؛ وعلى الخلاص باستبداله بالتحرّر السياسيّ؛ وعلى أمانة الإله بإنكار وعوده لإسرائيل. ويتوّج هذا كلّه بتشويه شخص الرب يسوع المسيح نفسه، وبجذرٍ ماركسيٍّ يجعل فلسفة الإنسان حاكمةً على كلمة الإله.

وفي مواجهة هذه الحرب، سلاحنا واحدٌ كافٍ: «سَيْفُ الرُّوحِ الَّذِي هُوَ كَلِمَةُ الله» (أفسس ٦: ١٧). لسنا في حاجةٍ إلى أن نخترع حججًا من عندنا، فالكتاب نفسه هو ردّنا الكافي. كلّ خطأٍ في هذا اللاهوت يقابله نصٌّ واضحٌ من كلمة الإله يهدمه. وقد أعلنها الرب يسوع المسيح على الصليب: «قَدْ أُكْمِلَ» (يوحنّا ١٩: ٣٠). فالعدالة الكبرى — عدالة الإله ضدّ الخطيّة — قد تحقّقت كاملةً هناك، حين حمل البارّ خطايا الأثمة. ومن لم يفهم هذه العدالة، لن يفهم أيّ عدالةٍ أخرى فهمًا صحيحًا.

ولنُجمِل ما رأيناه في جملةٍ واحدة: إن لم يكن هذا التعليم من الإله، فهو من إبليس — لأنّ روح الحقّ لا يناقض الكلمة التي تنفّسها هو، ولا مصدر للكذب إلّا «أبو الكذّاب». وقد تزول السماء والأرض، ولا تزول كلمة الإله. فالذين بنوا على ماركس سيزولون معه، والذين وقفوا على «مَكْتُوبٌ» سيثبتون إلى الأبد.

أمّا نحن، فندعو إلى التمييز الأمين: نحبّ كلّ إنسان، ونبغض كلّ ظلم، ونثق بأمانة الإله لكلّ وعد، ونحرس الإنجيل نقيًّا، ونحمله للجميع — يهودًا وفلسطينيّين، مظلومين وأقوياء — لأنّ الجميع خطاةٌ محتاجون إلى المخلّص نفسه.

وإن كنتَ، يا قارئي، لم تختبر بعدُ هذا الخلاص الذي نتكلّم عنه — إن كنتَ تبحث عن تحريرٍ حقيقيّ، فاعلم أنّ أعمق عبوديّةٍ ليست عبوديّة الأرض، بل عبوديّة الخطيّة. والمحرِّر الوحيد هو الرب يسوع المسيح، الذي مات وقام لأجلك:

«فَقَالاَ: «آمِنْ بِالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ فَتَخْلُصَ أَنْتَ وَأَهْلُ بَيْتِكَ».» — أعمال الرسل ١٦: ٣١

«المجد للإله في ربنا يسوع المسيح، إلى الأبد وأبد الآبدين ودهر الداهرين. آمين.»

دعوة لنوال الخلاص الإلهي — اقبل الرب يسوع المسيح كمخلصك الشخصي

عزيزي القارئ — إن لمست هذه الكلمات قلبك وأدركت أنك خاطئ بحاجة إلى مخلّص، فاعلم أن الإله يدعوك إليه في هذه اللحظة بالذات. لست بحاجة إلى كاهن، ولا إلى وسيط بشري، ولا إلى مكان مقدس، ولا إلى طقوس أو أعمال. الرب يسوع المسيح دفع الثمن كاملاً على الصليب، ووعدُ الإله قاطع وواضح:

«لأَنَّ «كُلَّ مَنْ يَدْعُو بِاسْمِ الرَّبِّ يَخْلُصُ».» — رومية ١٠: ١٣

ما يخلّصك ليس ألفاظ هذه الصلاة — بل الإيمان الذي في قلبك بأن الرب يسوع المسيح مات لأجلك وقام من الأموات. لكن إن أردت أن تعبّر عن إيمانك بكلمات صادقة، اقرأ هذه الصلاة بقلب خاشع وكأنك تخاطب الإله الحيّ:

صلاة الخلاص

«أيّها الإله العظيم القدّوس المُحِبّ، الإله الحقيقيّ الوحيد،

آتي إليك الآن بكل تواضع، معترفاً أنّي خاطئ. لقد كسرت وصاياك مرّاتٍ كثيرة في فكري وفي كلامي وفي أعمالي. وأعرف أنّ خطيّتي تستحقّ الموت الأبديّ والانفصال عنك إلى الأبد. لا أملك أيّ عملٍ صالحٍ أقدّمه يستطيع أن يفدي نفسي، ولا أيّ برٍّ من ذاتي أستر به عُريي أمام قداستك.

لكنّي أؤمن من كلّ قلبي بشهادة كلمتك أنّ ابنك الوحيد، الرب يسوع المسيح، مات على الصليب من أجل خطاياي — حاملاً عنّي العقوبة التي كنت أستحقّها. أؤمن أنّه دُفن، وأنّه قام من الأموات في اليوم الثالث، حيّاً منتصراً على الموت والقبر، وأنّه حيٌّ الآن إلى أبد الآبدين.

في هذه اللحظة المباركة، أنا أقبل الرب يسوع المسيح مخلّصاً شخصياً لي. أتّكل عليه وحده — لا على أعمالي، ولا على ديني، ولا على طقوسٍ ولا على إنسانٍ ولا على ملاكٍ ولا على قدّيس. على الرب يسوع المسيح وحده، وعلى دمه الكريم المسفوك على الصليب، أبني رجاء خلاصي الأبدي.

أشكرك يا أبي لأنّك قبلتني الآن في الرب يسوع المسيح، وغفرت لي كلّ خطاياي، وأعطيتني الحياة الأبدية هبةً مجانيّةً بنعمتك. أشكرك لأنّك أرسلت روحك القدوس ليسكن في قلبي، شاهداً لي بأنّي صرت ابنك. أعطني نعمةً أن أعرفك أكثر يوماً بعد يومٍ، وأن أحيا بقيّة حياتي لمجدك وحدك.

أصلّي هذا كلّه باسم ربّي ومخلّصي يسوع المسيح، بقوّة الروح القدس. آمين.»

بعد أن صلّيت — ما العمل الآن؟

إن صلّيت هذه الصلاة من قلبٍ مؤمنٍ صادق، فقد حدثت في هذه اللحظة أعظم معجزةٍ في تاريخك كلّه: انتقلت من الموت إلى الحياة، ومن الظلمة إلى النور، ومن مملكة الخطية إلى ملكوت ابن الإله الحبيب. صرتُ ابنًا للإله الحيّ، ووعد الإله نفسه يضمن لك ذلك بكلمته الموثوقة:

«وَأَمَّا كُلُّ الَّذِينَ قَبِلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ سُلْطَانًا أَنْ يَصِيرُوا أَوْلاَدَ اللهِ، أَيِ الْمُؤْمِنُونَ بِاسْمِهِ» — يوحنا ١: ١٢

لاحظ معي قوّة هذا الوعد: «أعطاهم سلطاناً» — أي حقّاً ثابتاً مضموناً، لا أمنيةً ولا احتمالاً. ولاحظ كلمة «المؤمنون باسمه» — ليس «الذين عملوا أعمالاً عظيمة»، ولا «الذين أتمّوا الطقوس»، بل ببساطة «المؤمنون». أنت الآن واحدٌ منهم — بكلّ تأكيدٍ ويقين.

وإليك خمس خطوات بسيطة تثبّتك في حياتك الجديدة مع الرب يسوع المسيح:

أولاً — اقرأ الكتاب المقدس يومياً. ابدأ بإنجيل يوحنا، ثمّ تابع بقيّة العهد الجديد، ثمّ المزامير والأمثال. الإله يتكلّم معك من خلال كلمته كما يتكلّم الأب مع ابنه. لا تقرأ بسرعة — اقرأ بتأمّلٍ وصلاة. «اَلصَّبِيُّ الَّذِي مُنْذُ الطُّفُولِيَّةِ تَعْرِفُ الْكُتُبَ الْمُقَدَّسَةَ، الْقَادِرَةَ أَنْ تُحَكِّمَكَ لِلْخَلاَصِ» (تيموثاوس الثانية ٣: ١٥).

ثانياً — صلِّ يومياً. كلّم الإله كأبٍ محبّ — ليس بألفاظٍ محفوظة، بل بكلامٍ من قلبك. شاركه أفراحك وأحزانك وأسئلتك ومخاوفك. الصلاة هي تنفّس الحياة المسيحية. «صَلُّوا بِلاَ انْقِطَاعٍ» (تسالونيكي الأولى ٥: ١٧).

ثالثاً — انضمّ إلى كنيسةٍ تؤمن بالكتاب المقدّس. لا تسير في الطريق وحدك. الإيمان ينمو في شركة المؤمنين، حيث الكلمة تُكرز بأمانة، والمعمودية والعشاء الربّاني يُمارسان بحسب الكتاب. «غَيْرَ تَارِكِينَ اجْتِمَاعَنَا» (العبرانيين ١٠: ٢٥).

رابعاً — اعتمد بحسب الكتاب المقدّس. المعمودية ليست شرطاً للخلاص، لكنّها الخطوة الأولى للطاعة بعد الإيمان. هي إعلانٌ علنيّ بأنّك متّ مع الرب يسوع المسيح ودُفنت معه وقمت معه إلى حياةٍ جديدة. «مَنْ آمَنَ وَاعْتَمَدَ خَلَصَ» (مرقس ١٦: ١٦) — الإيمان أوّلاً، ثمّ المعمودية كثمرة طبيعيّة للإيمان.

خامساً — اشهد للآخرين عن الرب يسوع المسيح. ما اختبرته من خلاصٍ ومحبّة لا يمكن أن يبقى مكتوماً. ابدأ بأقربائك وأصدقائك. اروِ لهم ببساطة وصدق كيف غيّر الرب يسوع المسيح حياتك. «اَلَّذِي رَأَيْنَاهُ وَسَمِعْنَاهُ نُخْبِرُكُمْ بِهِ» (يوحنا الأولى ١: ٣).

وأخيراً، تذكّر دائماً أنّ خلاصك ليس مبنياً على شعورك ولا على عمل تعمله — بل على وعد الإله الذي لا يتغيّر:

«كَتَبْتُ هذَا إِلَيْكُمْ أَنْتُمُ الْمُؤْمِنِينَ بِاسْمِ ابْنِ اللهِ لِكَيْ تَعْلَمُوا أَنَّ لَكُمْ حَيَاةً أَبَدِيَّةً»
— يوحنا الأولى ٥: ١٣

لاحظ: «لِكَيْ تَعْلَمُوا» — ليس لكي ترجو، ولا لكي تتمنّى، ولا لكي تنتظر بقلقٍ يوم الدينونة. بل لكي تعلم بيقينٍ كاملٍ ثابتٍ لا يتزعزع أنّ لك حياةً أبديّة. هذا هو الفرق بين كلّ دياناتٍ العالم وبين إنجيل الرب يسوع المسيح: الأديان تقول «اعمل وربّما تخلص» — وكلمة الإله وحدها تقول: «آمن واعلم أنّك مخلّص».

✉ شاركنا شهادة خلاصك

«يَكُونُ فَرَحٌ قُدَّامَ مَلاَئِكَةِ اللهِ بِخَاطِئٍ وَاحِدٍ يَتُوبُ» — لوقا ١٥: ١٠

← العودة إلى قائمة المقالات