الرجاء الذي يغيّر كلّ شيء
هل تخيّلت يوماً لحظةً واحدةً تتبدّل فيها حياتك كلّها — لا على مدى سنين، بل في طرفة عين؟ هذا بالضبط ما يَعِد به الرب يسوع المسيح كلّ من آمن به. فبينما ينشغل العالم بأخباره وحروبه وأسواقه، يحمل المؤمن في قلبه رجاءً لا يقدر العالم أن يفهمه ولا أن ينزعه: أنّ المسيح الذي صعد إلى السماء آتٍ ثانيةً. ليس هذا حلماً ولا أمنيةً، بل وعدٌ مكتوبٌ في كلمة الإله، أكّده المسيح بفمه، وأعلنه الملائكة يوم صعوده، وكرّره الرسل في رسائلهم مئات المرّات. وما من رجاءٍ في العالم كلّه يضاهي هذا الرجاء، لأنّه الرجاء الوحيد الذي يقف على وعد الإله الذي لا يكذب، والذي ثبت صدقه في المجيء الأوّل فلا يخيب في المجيء الثاني، فهو يقينٌ راسخٌ لا مجرّد أمنيةٍ عابرة.
إنّ مجيء المسيح ثانيةً هو الموضوع الثاني في كثرته في العهد الجديد بعد الخلاص نفسه. فمن بين كلّ خمسٍ وعشرين آيةً في العهد الجديد، آيةٌ واحدةٌ تتكلّم عن مجيئه. وقد دعاه الرسول بولس «الرَّجَاءَ الْمُبَارَكَ»، إذ كتب:
فهو رجاءٌ مبارك، لأنّه يحمل في طيّاته نهاية كلّ دمعةٍ وألمٍ وفراق، وبداية أبديّةٍ مع الرب الذي أحبّنا وبذل نفسه لأجلنا.
لكنّ كثيرين، حتى من المؤمنين، يخلطون بين أمورٍ يجب أن تُميَّز. فيظنّون أنّ مجيء المسيح حدثٌ واحدٌ بسيط، بينما تكشف كلمة الإله صورةً أغنى وأدقّ بكثير. وفي هذه الدراسة سنفتح الكتاب المقدّس لنرى بوضوح: ما هو مجيء المسيح الأوّل الذي تمّ، وما هو مجيئه الثاني الآتي، ولماذا ينقسم هذا المجيء الثاني إلى مرحلتين متمايزتين — الاختطاف أوّلاً، ثمّ الظهور — وكيف يغيّر هذا الرجاء حياتنا اليوم.
مجيئان لا مجيءٌ واحد: المفتاح لفهم النبوّة
قبل أن نتعمّق، يجب أن نضع أساساً يحرس قارئ الكتاب من حيرةٍ طويلة. فالكتاب المقدّس يتكلّم عن مجيئَين لـالمسيح، لا مجيءٍ واحد. المجيء الأوّل تمّ منذ ألفَي سنة، حين جاء المسيح متواضعاً ليُولَد في مذود، ويعيش بلا خطيّة، ويموت على الصليب فداءً عن الخطاة، ويقوم في اليوم الثالث منتصراً على الموت. والمجيء الثاني لم يأتِ بعد، حين سيأتي المسيح بقوّةٍ ومجدٍ ليملك ويدين.
وهذا التمييز بين المجيئَين هو الذي عثر فيه كثيرٌ من اليهود في زمن المسيح. فقد قرأوا في أنبيائهم نبوّاتٍ عن مسيحٍ متألّمٍ يُجرَح لأجل خطايانا (إشعياء ٥٣)، ونبوّاتٍ أخرى عن مسيحٍ مالكٍ ظافرٍ يجلس على عرش داود (إشعياء ٩). فظنّوا أنّهما مسيحان، أو أنّ النبوّات متناقضة. لكنّ الحقيقة أنّهما مجيئان لمسيحٍ واحد: جاء أوّلاً ليتألّم ويفدي، وسيأتي ثانيةً ليملك ويدين. فالذي عُلِّق على خشبةٍ في ضعف، سيأتي على سحاب السماء في قوّة.
وكما أنّ النبوّات القديمة جمعت المجيئَين معاً في آياتٍ متجاورةٍ دون أن تفصل بينهما الزمن، هكذا نجد في العهد الجديد أنّ المجيء الثاني نفسه له مرحلتان: مرحلةٌ يأتي فيها المسيح لشعبه — وهي الاختطاف؛ ومرحلةٌ يأتي فيها المسيح مع شعبه — وهي الظهور أو المجيء بالمعنى الخاصّ. وبين المرحلتين فترةُ الضيقة العظيمة. ومن لا يميّز بين هاتين المرحلتين يقع في حيرةٍ أمام آياتٍ تبدو متناقضةً: آياتٌ تقول إنّ المسيح يأتي فجأةً كلصٍّ في الليل لا يعلم أحدٌ متى، وآياتٌ تقول إنّ مجيئه سيُسبَق بعلاماتٍ واضحةٍ يراها الجميع. والحلّ بسيط: الأولى تصف الاختطاف، والثانية تصف الظهور.
المجيء الأوّل: تمّ بالضبط كما كُتِب
قبل أن نتطلّع إلى المستقبل، لنثبّت أقدامنا على الماضي. فإنّ أعظم برهانٍ على أنّ المسيح سيأتي ثانيةً هو أنّه جاء أوّلاً تماماً كما أُنبئ عنه. لقد كتبت الأنبياء عن مجيئه الأوّل مئات السنين قبل أن يولد، وتمّ كلّ حرفٍ منها بدقّةٍ مذهلة.
أنبأ ميخا أنّه سيولد في بيت لحم:
وأنبأ إشعياء أنّه سيولد من عذراء:
وأنبأ داود قبل ألف سنةٍ عن صلبه بتفاصيل دقيقةٍ قبل أن يُعرَف الصلب وسيلةً للإعدام:
وأنبأ إشعياء عن موته فداءً:
وتمّت كلّ هذه النبوّات بحذافيرها. وُلِد في بيت لحم من عذراء، وعاش بلا خطيّة، وصُلب وثُقبت يداه ورجلاه، ومات فداءً، وقام في اليوم الثالث. فإن كان الإله قد أتمّ نبوّات المجيء الأوّل بهذه الدقّة المطلقة، فكم نثق أنّه سيتمّ نبوّات المجيء الثاني! إنّ المجيء الأوّل هو عربون المجيء الثاني وضمانه. والذي صدق في وعده الأوّل لن يخلف في وعده الثاني. وهذا هو الأساس الصخريّ الذي نبني عليه رجاءنا: لا أمنيةٌ بشريّة، بل كلمةٌ إلهيّةٌ أثبت التاريخ صدقها.
المجيء الثاني له مرحلتان: الاختطاف ثمّ الظهور
هنا نصل إلى أحد أهمّ المفاتيح في فهم النبوّة كلّها. فالمجيء الثاني لـالمسيح ليس حدثاً واحداً لحظيّاً، بل يتمّ على مرحلتين تفصل بينهما سنوات: مرحلة الاختطاف، ثمّ مرحلة الظهور.
في المرحلة الأولى — الاختطاف — يأتي المسيح إلى الهواء، لا إلى الأرض، فيخطف كنيسته إليه في لحظة. لا يطأ المسيح الأرض في هذه المرحلة، بل يلتقي المؤمنون به في السحب. وفي المرحلة الثانية — الظهور — يأتي المسيح إلى الأرض نفسها، وتطأ قدماه جبل الزيتون، ويراه كلّ عين، ويأتي معه قدّيسوه الذين خُطفوا قبلاً. فالاختطاف مجيءٌ لشعبه ليأخذهم؛ والظهور مجيءٌ مع شعبه ليملك. الأوّل في الهواء، والثاني على الأرض. الأوّل سرّيٌّ مفاجئ، والثاني علنيٌّ منظور. الأوّل رجاءٌ للكنيسة، والثاني دينونةٌ للعالم وخلاصٌ لإسرائيل.
وقد يسأل سائل: من أين لنا أنّهما مرحلتان لا حدثٌ واحد؟ والجواب أنّ الكتاب يصف الحدثَين بأوصافٍ لا يمكن أن تجتمع في لحظةٍ واحدة. ففي الاختطاف، يأخذ المسيح المؤمنين إلى بيت الآب في السماء (يوحنا ١٤). وفي الظهور، يأتي المسيح ومعه المؤمنون إلى الأرض ليملك (رؤيا ١٩). فكيف يأخذهم إلى السماء ويأتي بهم إلى الأرض في اللحظة نفسها؟ لا بدّ من فاصلٍ زمنيّ. وفي ذلك الفاصل تقع الضيقة العظيمة على الأرض، بينما الكنيسة آمنةٌ في حضرة الرب. هذا الترتيب وحده يوفّق بين كلّ آيات النبوّة دون تناقض.
الاختطاف: الرجاء المبارك للكنيسة
الاختطاف — أو الرفع — هو الوعد الذي تنتظره الكنيسة كلّ يوم. وأوضح وصفٍ له في الكتاب كلّه هو ما كتبه الرسول بولس ليعزّي المؤمنين القلقين على أحبّائهم الراقدين:
تأمّل في هذه الكلمات الثمينة. أوّلاً، «الرَّبَّ نَفْسَهُ» ينزل — لا ملاكٌ ولا رسول، بل المسيح شخصيّاً. ثانياً، «الأَمْوَاتُ فِي الْمَسِيحِ سَيَقُومُونَ أَوَّلاً» — فالمؤمنون الذين رقدوا يقومون بأجسادٍ ممجّدة. ثالثاً، «نَحْنُ الأَحْيَاءَ الْبَاقِينَ سَنُخْطَفُ» — فالمؤمنون الأحياء يُخطفون دون أن يموتوا. رابعاً، «فِي السُّحُبِ لِمُلاَقَاةِ الرَّبِّ فِي الْهَوَاءِ» — لاحظ: في الهواء، لا على الأرض. خامساً، «نَكُونُ كُلَّ حِينٍ مَعَ الرَّبِّ» — وهذا هو الرجاء الأعظم: لا فراق بعد ذلك أبداً.
ولاحظ كيف ختم الرسول هذا المقطع:
فالاختطاف ليس عقيدةً للجدل، بل تعزيةٌ للقلوب الحزينة. فالمؤمن الذي فقد حبيباً مؤمناً لا يحزن «كَالْبَاقِينَ الَّذِينَ لاَ رَجَاءَ لَهُمْ»، لأنّه يعلم أنّ اللقاء آتٍ، وأنّ المسيح سيجمع شعبه — الراقدين والأحياء — في لحظةٍ واحدة.
«في طرفة عين»: سرعة الاختطاف وسرّيّته
المقطع الثاني العظيم عن الاختطاف هو في رسالة كورنثوس الأولى، حيث يكشف الرسول سرّاً لم يكن معلوماً من قبل:
يدعو الرسول الاختطاف «سِرّاً» — أي حقيقةً لم تكن مُعلَنةً في العهد القديم، بل كُشفت للكنيسة. وهذا في ذاته دليلٌ على أنّ الاختطاف يخصّ الكنيسة، لا إسرائيل التي كُتبت لها نبوّات الظهور علناً. ثمّ يصف سرعته المذهلة: «فِي لَحْظَةٍ فِي طَرْفَةِ عَيْنٍ» — أسرع من أن تُدرَك. فلن يكون هناك وقتٌ للاستعداد في تلك اللحظة؛ من كان مستعدّاً اختُطف، ومن لم يكن تُرك. وفي تلك اللحظة، «كُلَّنَا نَتَغَيَّرُ» — تتبدّل أجسادنا الفانية إلى أجسادٍ ممجّدةٍ غير قابلةٍ للفساد، على مثال جسد المسيح الممجّد.
وهذا الوعد بتبديل الجسد عزاءٌ عظيم. فهذا الجسد الذي يتعب ويمرض ويشيخ ويموت، سيُستبدَل بجسدٍ ممجّدٍ خالدٍ لا يعرف ألماً ولا فساداً. كتب الرسول:
فالاختطاف ليس هروباً من الجسد، بل فداءً للجسد وتمجيداً له.
وعد الآب: «آتي أيضاً وآخذكم إليّ»
قبل صلبه بليلة، عزّى المسيح تلاميذه المضطربين بوعدٍ عن الاختطاف، وإن لم يُسمِّه بهذا الاسم. قال لهم:
تأمّل في وعد المسيح هذا، فهو يصف الاختطاف بدقّة. أوّلاً، «أَنَا أَمْضِي لأُعِدَّ لَكُمْ مَكَاناً» — فهو ذهب إلى بيت الآب في السماء. ثانياً، «آتِي أَيْضاً» — وعدٌ صريحٌ بالرجوع. ثالثاً، وهذا هو المفتاح: «وَآخُذُكُمْ إِلَيَّ، حَتَّى حَيْثُ أَكُونُ أَنَا تَكُونُونَ أَنْتُمْ أَيْضاً». لاحظ أنّه لا يقول «آتي لأبقى معكم على الأرض»، بل «آخذكم إليّ» — أي يأخذهم إلى حيث هو، إلى بيت الآب. وهذا بالضبط ما يحدث في الاختطاف: يأخذ المسيح كنيسته إلى المنازل التي أعدّها لها في السماء. أمّا في الظهور، فالعكس: يأتي المسيح بقدّيسيه إلى الأرض. فوعد يوحنا ١٤ هو وعد الاختطاف: مجيءٌ لأخذ الكنيسة إلى البيت السماويّ.
«البوق الأخير» في كورنثوس ليس أبواق الرؤيا
هنا يجب أن نقف عند نقطةٍ يخلط فيها كثيرون، فيستنتجون استنتاجاتٍ خاطئة. فحين يقرأون أنّ الاختطاف يحدث «عِنْدَ الْبُوقِ الأَخِيرِ» (كورنثوس الأولى ١٥: ٥٢)، يظنّون أنّ هذا «البوق الأخير» هو البوق السابع من أبواق الدينونة في سفر الرؤيا (رؤيا ١١: ١٥)، فيستنتجون أنّ الاختطاف لا يحدث إلّا في نهاية الضيقة. لكنّ هذا خلطٌ بين بوقَين مختلفَين تماماً، لا علاقة لأحدهما بالآخر.
إنّ «البوق الأخير» في كورنثوس الأولى ١٥ هو «بُوقُ الله» نفسه الذي ذُكر في تسالونيكي الأولى ٤: ١٦، حيث ينزل الرب «بِصَوْتِ رَئِيسِ مَلاَئِكَةٍ وَبُوقِ الله». إنّه بوقٌ يدعو الكنيسة إلى اللقاء، بوقٌ للرجاء والخلاص والتجميع، يُسمَع فيُقام الراقدون ويُخطف الأحياء. أمّا أبواق سفر الرؤيا فهي سبعة أبواقٍ تُعلن دينونات الإله المتتالية على الأرض في أثناء الضيقة العظيمة — كلّ بوقٍ يجلب وبالاً وكارثة. فالبوق السابع في الرؤيا (رؤيا ١١: ١٥) هو بوق دينونةٍ وملكٍ يُعلن أنّ «مَمْلَكَةُ الْعَالَمِ قَدْ صَارَتْ لِرَبِّنَا وَمَسِيحِهِ»، لا بوق تجميعٍ للكنيسة. والفرق جوهريّ: بوق كورنثوس بوق نعمةٍ ورجاءٍ للكنيسة قبل الضيقة، وأبواق الرؤيا أبواق غضبٍ ودينونةٍ على العالم في أثناء الضيقة. والدليل القاطع أنّهما ليسا واحداً: أنّ بوق كورنثوس يُدعى «الأَخِير» لأنّه آخر بوقٍ يُوجَّه إلى الكنيسة في هذا الدهر — إذ بعده تُرفع الكنيسة وتنتهي خدمتها على الأرض؛ بينما البوق السابع في الرؤيا «أخير» في سلسلةٍ أخرى مختلفةٍ من أبواق الدينونة التي لم تكن الكنيسة موجودةً على الأرض أصلاً لتسمعها. فمن يساوي بين البوقَين يبني عقيدةً على تشابهٍ لفظيٍّ في كلمة «بوق»، وهو تشابهٌ يخفي اختلافاً جوهريّاً في الطبيعة والغرض والزمن. البوقان مختلفان: أحدهما يجمع العروس إلى عريسها في الهواء، والآخر يُنذر العالم بدينونةٍ على الأرض.
مجيءٌ وشيكٌ: لا علامة تسبقه
من أهمّ خصائص الاختطاف أنّه «وشيك» — أي يمكن أن يحدث في أيّ لحظة، دون أن تسبقه علامةٌ أو نبوّةٌ يجب أن تتمّ أوّلاً. فالكتاب يدعو المؤمنين إلى انتظار المسيح في كلّ حين، كأنّه قد يأتي اليوم. كتب الرسول: «مُنْتَظِرِينَ الرَّجَاءَ الْمُبَارَكَ» (تيطس ٢: ١٣) — انتظاراً دائماً، لا انتظاراً لعلاماتٍ معيّنة.
وهذا الوشوك يميّز الاختطاف عن الظهور تمييزاً واضحاً. فالظهور تسبقه علاماتٌ كثيرةٌ محدّدة: الضيقة العظيمة، ظهور ضدّ المسيح، الدينونات السبع، آيات في الشمس والقمر. أمّا الاختطاف فلا تسبقه علامةٌ واحدةٌ يجب أن تتمّ. ولهذا حذّر المسيح:
وقال أيضاً:
وهذا الوشوك ليس سبباً للقلق، بل للسهر والقداسة. فالمؤمن الذي يعلم أنّ سيّده قد يأتي في أيّ لحظة يعيش مستعدّاً دائماً، طاهراً، مثمراً، غير متعلّقٍ بالعالم. كتب الرسول يوحنا:
فرجاء الاختطاف قوّةٌ مطهِّرةٌ في حياة المؤمن، تدفعه إلى القداسة لا إلى الكسل، وإلى الخدمة لا إلى الخمول.
«الأموات في المسيح سيقومون أوّلاً»: عزاءٌ لمن فقدوا أحبّاءهم
كُتب أوضح مقطعٍ عن الاختطاف أصلاً ليعزّي مؤمنين قلقين. فقد ظنّ مؤمنو تسالونيكي أنّ أحبّاءهم الذين ماتوا قبل مجيء المسيح قد فاتهم الرجاء، أو أنّهم سيتأخّرون عن الأحياء. فجاء الرسول ليصحّح هذا بأعذب كلمات:
لاحظ أنّ الرسول لا يمنع الحزن كلّيّاً، بل يمنع الحزن «كَالْبَاقِينَ الَّذِينَ لاَ رَجَاءَ لَهُمْ». فالمؤمن يحزن على فراق حبيبه، لكنّه حزنٌ مختلطٌ برجاء، لا حزن يأسٍ بلا أفق. لأنّه يعلم ثلاث حقائق: أنّ حبيبه المؤمن ليس هالكاً بل «راقدٌ»، نائمٌ في المسيح؛ وأنّه سيقوم — بل «سَيَقُومُونَ أَوَّلاً»، قبل أن يُخطف الأحياء؛ وأنّ اللقاء آتٍ، إذ «نَكُونُ كُلَّ حِينٍ مَعَ الرَّبِّ» ومع بعضنا بعضاً.
فالموت بالنسبة للمؤمن «رقاد» لا فناء، لأنّ المسيح غلب الموت. والقبر ليس نهايةً، بل محطّةٌ مؤقّتةٌ ينتظر فيها الجسد الاختطاف، حين يُقام ممجّداً. وكلمة «أوّلاً» في «سَيَقُومُونَ أَوَّلاً» عزاءٌ خاصّ: فالراقدون لا يتأخّرون، بل لهم الأسبقيّة، يقومون أوّلاً ثمّ يُخطف الأحياء معهم في الوقت نفسه. فمن دفن أمّاً مؤمنةً، أو أباً مؤمناً، أو ولداً مؤمناً، أو زوجاً مؤمناً، لا يقف عند القبر بلا رجاء، بل يرفع عينيه إلى السماء منتظراً البوق الذي يجمعهم ثانيةً، فلا فراق بعده أبداً. هذا هو العزاء الذي لا يقدر العالم أن يعطيه: ليس وداعاً أخيراً، بل «إلى اللقاء» قريباً.
«ماراناثا»: رجاء الكنيسة عبر العصور
لم يكن انتظار مجيء المسيح عقيدةً متأخّرةً اخترعها جيلٌ من المؤمنين، بل كان نبض الكنيسة منذ يومها الأوّل. فقد ختم الرسول بولس إحدى رسائله بكلمةٍ آراميّةٍ صارت صرخة الكنيسة الأولى: «مَارَانْ أَثَا» — أي «الرَّبُّ آتٍ» أو «إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُحِبُّ الرَّبَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ فَلْيَكُنْ أَنَاثِيمَا! مَارَانْ أَثَا.» (كورنثوس الأولى ١٦: ٢٢). فهذه الكلمة تكشف أنّ المؤمنين الأوائل عاشوا في توقّعٍ دائمٍ لمجيء سيّدهم.
وقد ملأ هذا الرجاء العهد الجديد كلّه. كتب الرسول بولس عن المؤمنين الذين «رَجَعُوا إِلَى اللهِ مِنَ الأَوْثَانِ لِيَعْبُدُوا اللهَ الْحَيَّ الْحَقِيقِيَّ، وَيَنْتَظِرُوا ابْنَهُ مِنَ السَّمَاءِ» (تسالونيكي الأولى ١: ٩-١٠). فالانتظار كان جزءاً من تعريف المؤمن: عابدٌ لـالإله الحيّ، ومنتظرٌ لابنه من السماء. وكتب الرسول يعقوب وبطرس ويوحنا ويهوذا كلّهم عن المجيء. وختم الكتاب المقدّس كلّه بوعد المسيح وصرخة الكنيسة:
فهذا الرجاء يربطنا بكلّ المؤمنين عبر العصور: من الرسل، إلى الكنيسة الأولى التي صرخت «ماراناثا»، إلى المؤمنين في كلّ جيلٍ الذين رفعوا عيونهم إلى السماء منتظرين، إلينا نحن اليوم. وكلّ جيلٍ كان أقرب إلى المجيء من سابقه، ونحن أقرب الأجيال كلّها. فلنحمل المشعل نفسه، ونردّد الصرخة نفسها، ونعيش الرجاء نفسه: «تَعَالَ أَيُّهَا الرَّبُّ يَسُوعُ». فإنّ الذي وعد أمينٌ، والذي قال «أَنَا آتِي سَرِيعاً» لا يكذب. وكلّ يومٍ يمرّ، نقترب أكثر من تلك اللحظة المجيدة التي ننتظرها بكلّ قلوبنا.
الظهور: مجيء المسيح إلى الأرض بقوّةٍ ومجد
ننتقل الآن إلى المرحلة الثانية من مجيء المسيح الثاني: الظهور، أو المجيء بالمعنى الخاصّ. وهذا يختلف عن الاختطاف اختلافاً جوهريّاً. ففي الاختطاف يأتي المسيح سرّاً إلى الهواء لشعبه؛ وفي الظهور يأتي المسيح علناً إلى الأرض مع شعبه، بقوّةٍ ومجدٍ عظيم، لينهي الضيقة، ويدين أعداءه، ويقيم ملكوته.
أوضح وصفٍ للظهور هو في سفر الرؤيا، حيث يرى يوحنا السماء مفتوحةً والمسيح خارجاً منها فارساً منتصراً:
تأمّل الفرق بين هذه الصورة وصورة الاختطاف. في الاختطاف، المسيح لا يُرى من العالم، بل يلتقيه المؤمنون وحدهم في الهواء. أمّا في الظهور، فالسماء تُفتح، والمسيح يخرج منظوراً على فرسٍ أبيض، ومعه جيوش السماء. هذا ليس مجيئاً سرّيّاً، بل ظهورٌ مجيدٌ يراه العالم كلّه. وقد أكّد الكتاب أنّ هذا الظهور يكون منظوراً للجميع:
«كُلُّ عَيْنٍ» — لا المؤمنون وحدهم، بل العالم أجمع، حتى الذين رفضوه.
وأكّد المسيح نفسه هذا المشهد المجيد:
فالظهور حدثٌ كونيٌّ منظور، تنوح له قبائل الأرض، ويراه كلّ إنسان.
قدماه على جبل الزيتون: المكان والكيفيّة
والظهور لا يكون في الهواء كالاختطاف، بل تطأ قدما المسيح الأرض في مكانٍ محدّدٍ سمّاه النبيّ زكريّا قبل مئات السنين:
فهذا الجبل نفسه الذي صعد المسيح منه إلى السماء، عليه تقف قدماه حين يعود.
وقد أكّد الملاكان هذا للتلاميذ يوم الصعود، حين وقفوا يتطلّعون إلى السماء:
لاحظ الكلمات: «يَسُوعَ هذَا» — الشخص نفسه، لا آخر؛ «سَيَأْتِي هكَذَا» — بالكيفيّة نفسها، منظوراً على السحاب؛ «كَمَا رَأَيْتُمُوهُ مُنْطَلِقاً» — كما صعد من جبل الزيتون منظوراً، هكذا يعود إليه منظوراً. فالظهور رجوعٌ منظورٌ جسديٌّ لـالمسيح نفسه إلى الأرض، لا مجيءٌ رمزيٌّ ولا روحيّ.
وغاية الظهور أن يقيم المسيح ملكوته على الأرض. ففي الاختطاف يأخذ شعبه إلى السماء؛ وفي الظهور يأتي بهم إلى الأرض ليملكوا معه. كتب يهوذا نقلاً عن أخنوخ: «هُوَذَا قَدْ جَاءَ الرَّبُّ فِي رَبَوَاتِ قِدِّيسِيهِ» (يهوذا ١٤) — «فِي رَبَوَاتِ قِدِّيسِيهِ»، أي ومعه قدّيسوه. فمن أين أتى هؤلاء القدّيسون الذين يرافقونه؟ إنّهم الكنيسة التي خُطفت في الاختطاف قبل سنواتٍ من الظهور، فها هي تعود معه. وهذا وحده يثبت أنّ الاختطاف يسبق الظهور: إذ كيف يأتي القدّيسون مع المسيح في الظهور إن لم يكونوا قد رُفعوا إليه قبلاً؟
الاختطاف والظهور: عشرة فروقٍ لا تُجمَع في حدثٍ واحد
لنجمع الآن الفروق بين الاختطاف والظهور، لنرى بوضوحٍ أنّهما لا يمكن أن يكونا حدثاً واحداً، بل مرحلتان متمايزتان. في الاختطاف، يأتي المسيح إلى الهواء؛ وفي الظهور، يأتي إلى الأرض وتقف قدماه على جبل الزيتون. في الاختطاف، يأتي المسيح لشعبه ليأخذهم؛ وفي الظهور، يأتي مع شعبه ليملك.
في الاختطاف، يلتقيه المؤمنون وحدهم سرّاً؛ وفي الظهور، يراه كلّ عينٍ علناً. في الاختطاف، يأخذ المؤمنين إلى بيت الآب في السماء؛ وفي الظهور، يأتي بهم إلى الأرض. في الاختطاف، لا تسبقه علامة وهو وشيك؛ وفي الظهور، تسبقه علاماتٌ كثيرةٌ واضحة. في الاختطاف، تُرفع الكنيسة من الأرض قبل الضيقة؛ وفي الظهور، يعود المسيح بعد الضيقة لينهيها.
في الاختطاف، الموضوع هو الكنيسة وخلاصها وتعزيتها؛ وفي الظهور، الموضوع هو إسرائيل والأمم ودينونة العالم وإقامة الملكوت. في الاختطاف، المسيح يأتي كعريسٍ لعروسه؛ وفي الظهور، يأتي كملكٍ وديّانٍ ومحارب. في الاختطاف، يسود الفرح والرجاء؛ وفي الظهور، تنوح قبائل الأرض. في الاختطاف، تتبدّل أجساد المؤمنين الأحياء دون موت؛ وفي الظهور، تُدان الأمم وتُسحَق ممالك العالم. هذه الفروق العشرة لا يمكن أن تجتمع في لحظةٍ واحدة، بل تستلزم حدثَين متمايزَين يفصل بينهما زمن — هو زمن الضيقة العظيمة.
الضيقة العظيمة: ما يقع بين الحدثين
بين الاختطاف والظهور تقع فترةٌ رهيبةٌ يدعوها الكتاب «الضيقة العظيمة». فبعد أن تُرفع الكنيسة من الأرض، يُسكَب على العالم سبعُ سنينَ من الدينونات التي لم يشهد التاريخ مثلها. وقد وصفها المسيح بقوله:
وهذه الفترة موصوفةٌ بتفصيلٍ في سفر الرؤيا من الأصحاح السادس إلى التاسع عشر: أختامٌ سبعة، وأبواقٌ سبعة، وجاماتٌ سبع من غضب الإله، تُسكَب على أرضٍ رفضت المسيح. وفي أثنائها يظهر «ضدّ المسيح» — إنسان الخطيّة — الذي يخدع العالم ويضطهد كلّ من يؤمن في تلك الأيّام. وغاية الضيقة مزدوجة: دينونة العالم الرافض من جهة، وتأديب إسرائيل وردّها إلى الإله من جهةٍ أخرى. ولهذا تُدعى أيضاً «ضِيقُ يَعْقُوبَ» (إرميا ٣٠: ٧)، لأنّها زمن تنقيةٍ لشعب إسرائيل تمهيداً لقبولهم مسيّاهم الذي رفضوه.
والسؤال الذي يحسم موضع الاختطاف هو: هل تمرّ الكنيسة في هذه الضيقة، أم تُرفع قبلها؟ والجواب الكتابيّ واضح: تُرفع الكنيسة قبل الضيقة، فلا تذوق شيئاً من غضب الإله المسكوب فيها. فالضيقة ليست للكنيسة، بل للعالم الرافض ولإسرائيل غير المؤمن. والكنيسة، عروس المسيح، تكون في تلك الأثناء آمنةً في حضرته في السماء، تنتظر العودة معه في الظهور. وهذا ما سنبرهنه من الكتاب في الفقرات التالية.
لماذا تُرفع الكنيسة قبل الضيقة؟
إنّ تعليم أنّ الكنيسة تُرفع قبل الضيقة ليس تخميناً، بل مبنيٌّ على وعودٍ كتابيّةٍ صريحة. والبرهان الأوّل هو أنّ الإله لم يعيّن المؤمنين للغضب. كتب الرسول بولس:
والضيقة العظيمة هي بالتحديد زمن سكب غضب الإله على الأرض. فإن كان الإله لم يجعل المؤمنين للغضب، فكيف يتركهم في الزمن الذي يُسكَب فيه غضبه بأشدّ صوره؟
والبرهان الثاني وعدٌ صريحٌ من المسيح لكنيسته الأمينة:
لاحظ الدقّة: «سَأَحْفَظُكَ مِنْ سَاعَةِ التَّجْرِبَةِ» — لا «في» الساعة، بل «من» الساعة، أي من الزمن نفسه، فيُحفظ المؤمن خارج تلك الفترة كلّها لا فيها. و«السَّاكِنِينَ عَلَى الأَرْضِ» تعبيرٌ يصف في سفر الرؤيا أهل العالم الرافضين، لا الكنيسة.
والبرهان الثالث أنّ الكنيسة غائبةٌ تماماً عن سفر الرؤيا من الأصحاح الرابع إلى التاسع عشر — أي طوال وصف الضيقة. فبعد أن تُذكر الكنائس السبع في الأصحاحين الثاني والثالث، تختفي كلمة «الكنيسة» من المشهد الأرضيّ، ولا تظهر ثانيةً إلّا في الظهور حين تعود مع المسيح. وهذا الغياب ليس مصادفة، بل لأنّ الكنيسة قد رُفعت قبل أن تبدأ الدينونات. والبرهان الرابع هو نمط الإله في التاريخ: أخرج نوحاً من الطوفان قبل أن يأتي، وأخرج لوطاً من سدوم قبل أن تُمطَر ناراً. قال المسيح:
فكما حُفظ الأبرار قبل الدينونة، تُحفظ الكنيسة بالاختطاف قبل الضيقة.
اعتراضٌ والردّ عليه: «ألا تُنقّي الضيقةُ الكنيسة؟»
قد يعترض معترضٌ فيقول: أليس من الخير للكنيسة أن تمرّ في الضيقة لتتنقّى؟ والجواب أنّ الكنيسة لا تحتاج إلى نار غضب الإله لتتنقّى، لأنّها تنقّت بدم المسيح. فالضيقة ليست أداة تطهيرٍ للكنيسة، بل أداة دينونةٍ للعالم وتأديبٍ لإسرائيل. والمؤمن يتنقّى في هذا الدهر بالتأديب الأبويّ المحبّ (عبرانيين ١٢)، لا بغضب الإله الديّان. فهناك فرقٌ جوهريٌّ بين تأديب الآب لأولاده — وهو من محبّة — وغضب الديّان على العالم — وهو من عدل. الكنيسة تختبر الأوّل في هذه الحياة، لكنّها مُعفاةٌ من الثاني تماماً، لأنّ المسيح حمل غضب الإله عنها كاملاً على الصليب.
وثمّة فرقٌ آخر يجب أن يُفهَم: المؤمنون يتألّمون في كلّ العصور من اضطهاد العالم، وهذا أمرٌ وعدنا به المسيح: «فِي الْعَالَمِ سَيَكُونُ لَكُمْ ضِيقٌ». لكنّ هذا الضيق العامّ — اضطهاد الناس — يختلف كلّ الاختلاف عن الضيقة العظيمة التي هي سكب غضب الإله نفسه. فالكنيسة قد تحتمل اضطهاد الناس في كلّ زمان، لكنّها لا تحتمل غضب الإله، لأنّ ذلك الغضب استوفاه المسيح عنها بالتمام. فالاختطاف قبل الضيقة ليس امتيازاً لكنيسةٍ مدلّلة، بل هو نتيجةٌ منطقيّةٌ لكمال عمل المسيح الكفّاريّ: من حمل المسيح غضب الإله عنه لا يبقى ليُسكَب عليه ذلك الغضب ثانيةً.
إنسان الخطيّة والحاجز: لغز تسالونيكي الثانية ٢ محلولاً
من أعمق ما كُتب عن المجيء الثاني، وأكثره إثارةً للحيرة عند كثيرين، هو الأصحاح الثاني من رسالة تسالونيكي الثانية. فقد ظنّ بعض المؤمنين في تسالونيكي أنّ «يَوْمَ المَسِيحِ» — أي زمن الغضب والضيقة — قد حضر وأنّهم باتوا فيه، فاضطربت قلوبهم. فكتب الرسول بولس ليطمئنهم أنّ ذلك اليوم لا يمكن أن يكون قد حضر، لأنّ أموراً معيّنةً لا بدّ أن تسبقه. وفي شرحه لهذه الأمور وردت آيتان يظنّ القارئ السريع أنّهما تتناقضان — وفي حلّ هذا الظنّ يكمن مفتاحٌ نفيسٌ لفهم ترتيب الأحداث الأخيرة كلّها.
الآيتان اللتان تبدوان متناقضتين
الآية الأولى تقول إنّ إنسان الخطيّة يُستعلَن قبل ذلك اليوم:
فهنا يُجعَل استعلان إنسان الخطيّة شرطاً سابقاً لمجيء «ذلك اليوم». لكنّ الآية الثانية، بعد أربع آياتٍ فقط، تقول إنّ ذلك الأثيم لا يُستعلَن إلّا بعد أن يُرفَع الحاجز:
فكيف يُستعلَن إنسان الخطيّة قبل ذلك اليوم (الآية ٣)، ثمّ لا يُستعلَن الأثيم إلّا بعد رفع الحاجز (الآيتان ٧-٨)؟ أليس هذا تناقضاً صريحاً في كلمة الإله؟ كلّا — بل هو سلّمٌ من سبع درجاتٍ مرتّبةٍ ترتيباً دقيقاً، حين نصعدها درجةً درجةً يتلاشى التناقض الظاهريّ تماماً ويظهر انسجامٌ بديع. ولنصعد هذا السلّم الآن درجةً فدرجة.
الدرجة الأولى: «سرّ الإثم الآن يعمل»
قبل أن يُستعلَن إنسان الخطيّة بشخصه، يعمل في العالم سرٌّ خفيٌّ هو روح الإثم عينه، روح ضدّ المسيح الذي يمهّد الطريق. وهذا العمل ليس مستقبلاً بل حاضرٌ منذ أيّام الرسل:
والرسول يوحنّا يؤكّد المعنى نفسه بكلماتٍ لا تقبل اللبس:
فهناك ضدُّ المسيح الآتي في شخصٍ واحدٍ في المستقبل، وهناك «أَضْدَادٌ لِلْمَسِيحِ كَثِيرُونَ» يعملون الآن بالروح نفسه. والروح الذي سيتجسّد يوماً في إنسان الخطيّة الواحد يعمل في كلّ جيلٍ تحت الستار، يهيّئ المسرح، ويزرع الارتداد، وينتظر ساعته. فالدرجة الأولى إذن أنّ بذرة الإثم زُرعت منذ زمنٍ بعيد، وها هي تنمو في الخفاء حتى تبلغ ملء قامتها في إنسانٍ واحد. هذا «السرّ» العامل الآن هو الخلفيّة التي على ضوئها نفهم كلّ ما يأتي بعد.
الدرجة الثانية: «الارتداد أوّلاً»
الشرط الأوّل الصريح الذي وضعه الرسول قبل مجيء ذلك اليوم هو الارتداد: «إِنْ لَمْ يَأْتِ الاِرْتِدَادُ أَوَّلاً». والارتداد هو الابتعاد العظيم عن الإيمان الحقّ، تركٌ جماعيٌّ لتعليم الكتاب الصحيح، وانحرافٌ واسعٌ عن الإنجيل النقيّ في أواخر الأيّام. وقد أنبأ الرسول بولس بهذا في موضعٍ آخر:
وكلّما اقترب اليوم، اشتدّ الارتداد، حتى يصير العالم أرضاً مهيّأةً تماماً لقبول إنسان الخطيّة. فالذين رفضوا الحقّ المحفوظ في كلمة الإله، وتركوا الإنجيل النقيّ، سيكونون مستعدّين لتصديق الكذب الأعظم حين يأتي. ولهذا قال الرسول إنّ الإله يُرسل عليهم «عَمَلَ الضَّلاَلِ حَتَّى يُصَدِّقُوا الْكَذِبَ» — لا ظلماً منه، بل قضاءً عادلاً على من رفضوا محبّة الحقّ سابقاً. فالارتداد ليس مجرّد علامةٍ في تقويم النبوّة؛ إنّه التربة التي يُغرَس فيها إنسان الخطيّة. والدرجة الثانية إذن أنّ ابتعاداً عظيماً عن الإيمان لا بدّ أن يسبق استعلان ذلك الإنسان، وأنّ هذا الابتعاد يتصاعد في زماننا أمام أعيننا.
الدرجة الثالثة: استعلان الهويّة قبل استعلان القوّة — مفتاح اللغز كلّه
هنا يكمن قلب الحلّ. فالكلمة «يُستعلَن» في الآيتين لا تعني المعنى نفسه في الحالتين، بل تصف مرحلتين متمايزتين من استعلانٍ واحدٍ متدرّج. في الآية الثالثة يُستعلَن إنسان الخطيّة استعلانَ هويّةٍ — أي تظهر معالمه ويصير ممكناً تمييزه؛ وفي الآية الثامنة يُستعلَن الأثيم استعلانَ قوّةٍ وإطلاق — أي يُفكّ قيده ويُمارس إثمه بلا عائق. تماماً كتمثالٍ مغطّى يُكشف على مرحلتين: أوّلاً يُرفع الستار عن وجهه فيُعرَف من هو، ثمّ يُرفع الستار عن جسده كلّه فيظهر بكامل هيئته. الكشف واحد، لكنّه على مرحلتين.
وكيف تظهر هويّة إنسان الخطيّة قبل إطلاقه الكامل؟ بالعهد الذي يقطعه. فالنبيّ دانيال أنبأ أنّ هذا الرئيس الآتي يثبّت عهداً مع كثيرين:
فبهذا العهد تتحدّد هويّته، ويُعرَف من هو، حتى وإن لم يُدرك الجميع حقيقته بعد. هذا هو الاستعلان الأوّل — استعلان الهويّة الذي تتحدّث عنه الآية الثالثة، والذي يقع عند بداية ذلك اليوم أو في عتبته.
أمّا الاستعلان الثاني — استعلان القوّة المطلقة — فلا يقع إلّا بعد رفع الحاجز، حين يجلس في الهيكل مُظهِراً نفسه أنّه إله:
فهنا، في منتصف الأسبوع حين يُبطل الذبيحة، يبلغ إثمه ذروته ويُطلَق على العالم بلا رادع. فالآية الثالثة تتكلّم عن ظهور هويّته، والآية الثامنة عن إطلاق قوّته — ولا تناقض البتّة بين الاثنين، بل تتابعٌ مرتّب.
الدرجة الرابعة: «اجتماعنا إليه» — رفع الكنيسة
بين استعلان الهويّة وإطلاق القوّة يقع الحدث الذي يفتتح به الرسول الأصحاح كلّه — اجتماع الكنيسة إلى ربّها، أي الاختطاف:
فالرسول يبدأ حديثه كلّه عن إنسان الخطيّة بالتذكير بالاختطاف — «اجْتِمَاعِنَا إِلَيْهِ» — وكأنّه يقول: لا تخافوا أن تكونوا في يوم الغضب، فإنّ اجتماعكم إليّ يسبق ذلك. والكنيسة لا تنتظر ضدّ المسيح، بل تنتظر المسيح؛ ولا تترقّب ظهور الأثيم، بل تترقّب ظهور مجد الإله العظيم ومخلّصها. فالاختطاف هو الدرجة الرابعة في السلّم: رفع جسد المسيح من الأرض قبل أن تنسكب الدينونات. وهذا الترتيب نفسه — ذكر الاجتماع أوّلاً ثمّ شرح ما يلي — هو الذي يحلّ المعضلة، إذ يضع الكنيسة في مأمنٍ قبل أن يُطلَق الأثيم.
الدرجة الخامسة: «حتى يُرفَع من الوسط الذي يحجز الآن»
ما الذي يمنع إنسان الخطيّة من الظهور بكامل قوّته حتى الآن؟ إنّه «الَّذِي يَحْجِزُ» — قوّةٌ حاجزةٌ تكبح الإثم وتؤخّر إطلاقه. ومن هو هذا الحاجز؟ الكتاب يصفه أوّلاً بصيغة الحياد «مَا يَحْجِزُ» (الآية ٦)، ثمّ بصيغة المذكّر «الَّذِي يَحْجِزُ» (الآية ٧) — أي قوّةٌ وشخص. وأقوى ما يُفهَم به هذا الحاجز أنّه الروح القدس العامل في العالم من خلال الكنيسة. فالروح القدس وحده هو القادر أن يكبح طوفان الإثم على هذا النحو، والكنيسة هي «مِلْحُ الأَرْضِ» و«نُورُ الْعَالَمِ» التي يعمل الروح من خلالها لتأخير ظلمة الإثم.
ولاحظ الدقّة: الحاجز لا يُهلَك ولا يُباد، بل «يُرفَع من الوسط» — يُنحّى جانباً ليُفسح المجال. والروح القدس لا يزول عن الوجود قطّ، فهو الإله الأزليّ؛ لكنّ عمله الحاجز الخاصّ من خلال الكنيسة الحاضرة على الأرض يُرفع حين تُرفع الكنيسة. فحين يُختطف جسد المسيح، يُرفع معه ذلك العمل الحاجز، فيُطلَق الإثم الذي كان مكبوحاً. وهكذا ترتبط الدرجة الخامسة (رفع الحاجز) بالدرجة الرابعة (رفع الكنيسة) ارتباطاً وثيقاً: رفع الكنيسة هو نفسه المناسبة التي يُرفع فيها العمل الحاجز من الوسط.
الدرجة السادسة: «وحينئذٍ سيُستعلَن الأثيم» — الإطلاق في زمن الغضب
متى يُرفع الحاجز، يأتي ما بعده مباشرةً: «وَحِينَئِذٍ سَيُسْتَعْلَنُ الأَثِيمُ». كلمة «وَحِينَئِذٍ» مفتاحٌ زمنيٌّ حاسم: لا قبل رفع الحاجز، بل حينئذٍ — أي بعده. فبعد أن تُرفع الكنيسة ويُرفع معها العمل الحاجز للروح القدس، يُطلَق الأثيم بكامل قوّته على عالمٍ نزع عنه نوره وملحه. حينئذٍ يجلس في الهيكل، ويُبطل الذبيحة، ويُضلّ الأمم بآياتٍ وعجائب كاذبة:
هذا هو زمن الضيقة العظيمة، زمن سكب غضب الإله على الأرض، حين يُطلَق العنان للإثم الذي كُبح طويلاً. والكنيسة ليست هناك لتشهد هذا، لأنّها رُفعت قبله. فالأثيم لا يُطلَق إلّا بعد رحيلها، تماماً كما لم تُسكب نار سدوم إلّا بعد خروج لوط، ولم يأتِ الطوفان إلّا بعد دخول نوحٍ الفلك. والدرجة السادسة إذن هي إطلاق الأثيم في زمن الغضب — بعد الاختطاف، لا قبله.
الدرجة السابعة: «يُبيده بنفخة فمه» — الهلاك عند بهاء مجيئه
وتنتهي قصّة إنسان الخطيّة كما بدأت — تحت سلطان المسيح المطلق. فمهما بلغت قوّته، ومهما أضلّ من الأمم، فإنّ نهايته محتومة بكلمةٍ واحدةٍ من فم الرب:
فالأثيم الذي يخدع العالم بقوّةٍ شيطانيّةٍ هائلة، يُباد لا بحربٍ ولا بجيش، بل «بِنَفْخَةِ فَمِهِ» — بكلمةٍ من المسيح. هذا هو الظهور: مجيء المسيح إلى الأرض بقوّةٍ ومجدٍ ليُبيد الأثيم ويؤسّس ملكه.
فالدرجة السابعة والأخيرة هي هلاك الأثيم عند بهاء مجيء المسيح — لا في الاختطاف، بل في الظهور الذي يليه بعد سنوات الضيقة. وهكذا يكتمل السلّم من أوّله إلى آخره: من سرّ الإثم العامل خفيةً، إلى الأثيم المُباد علناً بنفخة فم الرب.
السلّم السباعيّ مجموعاً
فلنجمع الآن الدرجات السبع في صورةٍ واحدةٍ مرتّبة، فيظهر الانسجام كاملاً: أوّلاً، سرّ الإثم يعمل الآن في الخفاء، وأضدادٌ للمسيح كثيرون قد صاروا (يوحنّا الأولى ٢: ١٨). ثانياً، الارتداد العظيم يأتي أوّلاً، فتُهيَّأ الأرض لقبول إنسان الخطيّة. ثالثاً، إنسان الخطيّة يُستعلَن استعلانَ هويّةٍ — يُعرَف من هو بعهده — والحاجز لا يزال يحجز. رابعاً، «اجتماعنا إليه» — تُرفع الكنيسة إلى ربّها. خامساً، الحاجز — عمل الروح القدس من خلال الكنيسة — «يُرفَع من الوسط». سادساً، حينئذٍ يُستعلَن الأثيم استعلانَ قوّةٍ وإطلاق، فيُمارس إثمه في زمن الغضب. سابعاً، يُباد عند بهاء مجيء المسيح في الظهور.
فقبل ذلك اليوم: استعلان الهويّة (الدرجة الثالثة). وبعد رفع الحاجز: استعلان القوّة والإطلاق (الدرجة السادسة). الآية الثالثة تتكلّم عن الأولى، والآية الثامنة عن الثانية. ولا تناقض البتّة بين الاثنتين — بل درجتان متتاليتان في سلّمٍ واحدٍ صاعد.
«الإله ليس إله تشويش» — برهان عدم التناقض
وهذا الحلّ ليس تلفيقاً بشريّاً نُرضي به النصّ، بل هو ثمرة مبدأٍ كتابيٍّ راسخ: أنّ كلمة الإله لا تناقض نفسها، لأنّ مصدرها إلهٌ لا يناقض ذاته. كتب الرسول بولس نفسه:
فإن بدا لنا تناقضٌ بين آيتين، فالخلل في فهمنا لا في النصّ. والذي كتب الآية الثالثة هو نفسه الذي كتب الآية الثامنة، في الأصحاح نفسه، بل في الفقرة نفسها. فمن المحال أن يقصد الرسول الموحى إليه أن يناقض نفسه في بضع آيات. والقراءة المتأنّية تكشف أنّه لم يناقض نفسه قطّ، بل وصف استعلاناً واحداً على مرحلتين: هويّةٌ تظهر، ثمّ قوّةٌ تُطلَق. حين نقرأ النصّ بهذا التمييز، يتحوّل التناقض الظاهريّ إلى انسجامٍ بديع، ويصير اللغز الذي حيّر كثيرين برهاناً على دقّة كلمة الإله وترتيبها المحكم.
وهذا درسٌ يتجاوز هذا الأصحاح: كلّما واجهت آيتين تبدوان متعارضتين، فلا تستنتج أنّ الكتاب يناقض نفسه؛ بل اطلب التمييز الذي يحلّ التعارض، واثقاً أنّ الإله «لَيْسَ إِلَهَ تَشْوِيشٍ بَلْ إِلَهُ سَلاَمٍ». فكلّ تناقضٍ ظاهريٍّ في الكتاب هو دعوةٌ إلى تأمّلٍ أعمق، لا ذريعةٌ للشكّ. وهكذا، إذ صعدنا سلّم تسالونيكي الثانية درجةً درجة، رأينا كيف ينسجم كلّ شيء: المسيح يأتي لكنيسته أوّلاً فيرفعها، ثمّ يُطلَق الأثيم في غياب الكنيسة، ثمّ يأتي المسيح بمجده فيُبيد الأثيم — ترتيبٌ واحدٌ لا يشوبه تشويش، من إلهٍ هو إله سلام.
لماذا يهمّك هذا اللغز المحلول؟ — ثمرة العقيدة في حياتك
قد يسأل سائل: ما نفع هذا التدقيق في ترتيب الأحداث الأخيرة؟ أليس يكفي أن نعرف أنّ المسيح آتٍ؟ والجواب أنّ لهذا الفهم ثماراً عمليّةً عظيمةً في حياة المؤمن، لا تقلّ أهمّيّةً عن دقّته اللاهوتيّة.
الثمرة الأولى هي الطمأنينة. فالرسول بولس كتب هذا الأصحاح كلّه لا ليُرعب المؤمنين بل ليطمئنهم — «أَنْ لاَ تَتَزَعْزَعُوا سَرِيعاً عَنْ ذِهْنِكُمْ، وَلاَ تَرْتَاعُوا». فالمؤمن الذي فهم أنّ الكنيسة تُرفع قبل إطلاق الأثيم لا يعيش في رعبٍ من ضدّ المسيح، ولا يفحص أخبار العالم باحثاً عن الوحش، بل يرفع رأسه منتظراً ربّه. نحن لا ننتظر الأثيم، بل ننتظر المسيح؛ ولا نترقّب الظلمة، بل نترقّب «الرَّجَاءَ الْمُبَارَكَ». فمن أدرك السلّم السباعيّ عرف أنّ موضعه ليس في زمن الغضب، بل في الاجتماع إلى الرب قبله.
والثمرة الثانية هي اليقظة. فمع أنّ المؤمن لا يخاف، إلّا أنّه لا يتهاون. فإن كان سرّ الإثم يعمل الآن، وإن كان الارتداد يتصاعد أمام أعيننا، فهذه كلّها علاماتٌ أنّ الساعة تقترب. والمؤمن الحكيم يقرأ هذه العلامات لا ليحدّد يوماً وساعة — فذلك ممنوع — بل ليعيش مستعدّاً، ساهراً، أميناً، عالماً أنّ كلّ يومٍ يمرّ يقرّبه من لحظة الاختطاف. فكما تتقدّم درجات السلّم الأولى أمام أعيننا (سرّ الإثم، والارتداد)، نعلم أنّ الدرجة الرابعة — اجتماعنا إليه — قد تأتي في أيّ لحظة.
والثمرة الثالثة هي القداسة. فمن ينتظر ربّه في أيّ لحظةٍ يطهّر نفسه، كما قال الرسول يوحنّا:
فالرجاء المبارك ليس عقيدةً نظريّةً تُحفظ في الذهن، بل قوّةٌ تطهّر القلب وتقدّس الحياة. فالذي يعلم أنّ ربّه قد يأتي قبل أن يُطلَق الأثيم يحيا كلّ يومٍ كأنّه آخر يومٍ قبل الاختطاف، فيهرب من الخطيّة، ويثبت في الحقّ، ويكرز بالإنجيل بعجلة، عالماً أنّ الوقت قصير.
فهذا اللغز المحلول إذن ليس ترفاً لاهوتيّاً، بل غذاءٌ للرجاء واليقظة والقداسة. ومن صعد سلّم تسالونيكي الثانية درجةً درجة خرج لا بمعرفةٍ أوفر فحسب، بل برجاءٍ أثبت، وحياةٍ أطهر، وقلبٍ أكثر اشتياقاً إلى ظهور ربّه ومخلّصه.
تمييزٌ أخير: «يوم المسيح» و«يوم الرب» في هذا الأصحاح
يبقى تمييزٌ دقيقٌ يزيد المسألة وضوحاً. فالذي أقلق مؤمني تسالونيكي هو ظنّهم أنّ «يَوْمَ المَسِيحِ قَدْ حَضَرَ» — أي أنّهم باتوا في زمن الغضب والضيقة. فجاء جواب الرسول حاسماً: مستحيل أن يكون قد حضر، لأنّ درجات السلّم لم تكتمل بعد. لم يأتِ الارتداد بملئه، ولم يُستعلَن إنسان الخطيّة، ولم تُرفع الكنيسة، ولم يُرفع الحاجز. فكيف يكونون في يوم الغضب وكلّ هذه الدرجات لم تُصعَد بعد؟
وهذا يكشف خطأ كلّ من يضع الكنيسة في زمن الضيقة. فلو كانت الكنيسة عتيدةً أن تجتاز الضيقة، لقال الرسول للتسالونيكيّين: «نعم، قد بدأ زمن الغضب، فاحتملوه بصبر». لكنّه قال العكس تماماً: لا يمكن أن يكون قد حضر، لأنّ اجتماعكم إليّ يسبقه. فالمنطق الرسوليّ نفسه يفترض أنّ الكنيسة لن تكون حاضرةً في ذلك اليوم — وإلّا لانهار تعزيته كلّها. فالذي يطمئن المؤمنين هو أنّهم يُرفعون قبل أن يُطلَق الأثيم، لا أنّهم يُحفظون وسط غضبه.
فمن صعد هذا السلّم بتمعّنٍ خرج بيقينٍ مزدوج: يقينٌ أنّ كلمة الإله منسجمةٌ لا تناقض فيها، ويقينٌ أنّ موضع الكنيسة هو الاجتماع إلى الرب قبل الغضب، لا الاجتياز في خضمّه. وهكذا يصير اللغز الذي حيّر كثيرين أعظم برهانٍ على دقّة ترتيب الإله لكلّ شيء، وأعمق تعزيةٍ لقلب المؤمن المنتظر. فلنرفع رؤوسنا إذن، ولننتظر «اجتماعنا إليه» بفرحٍ ورجاءٍ ويقين، عالمين أنّ الذي رتّب هذه الدرجات السبع بحكمته لن يُخلف موعده، بل سيأتي في وقته المعيّن ليأخذ خاصّته إليه قبل أن تأتي ساعة الغضب على العالم كلّه.
علامات قرب المجيء
وإن كان الاختطاف نفسه وشيكاً لا تسبقه علامة، فإنّ الكتاب أعطانا علاماتٍ عامّةً تدلّ على اقتراب «نهاية الدهر» — أي اقتراب زمن الظهور والملكوت. وبما أنّ الاختطاف يسبق الظهور بسنواتٍ قليلة، فإنّ رؤية هذه العلامات تتكاثف وتقترب يعني أنّ الاختطاف أقرب بكثير. سأل التلاميذ المسيح:
فأجابهم بعلاماتٍ كثيرة.
ذكر المسيح أنّ المسحاء الكذبة سيكثرون، وأنّ الحروب وأخبار الحروب ستزداد، وأنّ المجاعات والأوبئة والزلازل ستتوالى، وأنّ المحبّة ستبرد في كثيرين، وأنّ الإثم سيكثر. ثمّ أعطى علامةً إيجابيّةً عظيمة:
فانتشار البشارة في كلّ العالم — وهو ما نشهده في زماننا بوسائل لم تكن متاحةً من قبل — علامةٌ على اقتراب النهاية.
لكن يجب أن نحذر من خطأين. الأوّل: تحديد يومٍ أو ساعة، وهذا ما حذّر منه المسيح صراحةً: «وَأَمَّا ذلِكَ الْيَوْمُ وَتِلْكَ السَّاعَةُ فَلاَ يَعْلَمُ بِهِمَا أَحَدٌ». فكلّ من حدّد تاريخاً للمجيء كذب وأخطأ. الثاني: إهمال العلامات كلّيّاً والعيش كأنّ المسيح لن يأتي. والتوازن الكتابيّ هو أن نقرأ العلامات فنعلم أنّ الوقت قريب، دون أن نحدّد يوماً، وأن نسهر مستعدّين في كلّ حين.
إسرائيل: ساعة الإله النبويّة
من أوضح علامات قرب المجيء عودة إسرائيل أمّةً إلى أرضها. فقد أنبأ الكتاب أنّ الإله سيجمع شعبه المشتّت في أرضهم في الأيّام الأخيرة، تمهيداً لإتمام مواعيده لهم. كتب حزقيال نبوّةً عن وادي العظام اليابسة التي تحيا وتقوم أمّةً عظيمة (حزقيال ٣٧) — صورةٌ لإحياء إسرائيل أمّةً بعد قرونٍ من الشتات.
وهذا الجمع لإسرائيل مهمٌّ في فهم النبوّة، لأنّ كثيراً من نبوّات الظهور والملكوت تتعلّق بإسرائيل مباشرةً. فالضيقة العظيمة هي «ضِيقُ يَعْقُوبَ» الذي يُنقّي إسرائيل ويردّه إلى مسيّاه. وفي الظهور، حين يرى إسرائيل المسيح آتياً، سينظرون «إِلَى الَّذِي طَعَنُوهُ» (زكريّا ١٢: ١٠) ويبكون وينوحون ويقبلونه. وهكذا «يَخْلُصُ جَمِيعُ إِسْرَائِيلَ» كما كتب الرسول بولس (رومية ١١: ٢٦). فعودة إسرائيل أمّةً، بعد قرونٍ من غيابها عن خريطة العالم، علامةٌ بارزةٌ على أنّ مسرح النبوّة يُعَدُّ، وأنّ زمن الظهور — ومن ثمّ الاختطاف الذي يسبقه — قريب.
ويجب أن نميّز هنا بين إسرائيل والكنيسة، فهما ليسا شيئاً واحداً. فمواعيد الإله الأرضيّة لإسرائيل لم تُلغَ ولم تنتقل إلى الكنيسة، بل ستتمّ حرفيّاً في الملكوت الآتي. والكنيسة لها رجاءٌ سماويٌّ — الاختطاف والمنازل في بيت الآب؛ وإسرائيل له رجاءٌ أرضيٌّ — الملكوت على أرضه تحت ملك مسيّاه. والخلط بين الرجاءين يربك فهم النبوّة كلّها. أمّا التمييز بينهما فيجعل كلّ آيةٍ تجد موضعها الصحيح.
آراءٌ في توقيت الاختطاف — وكيف نزنها بالكتاب
من الإنصاف أن نذكر أنّ المؤمنين المخلصين اختلفوا في توقيت الاختطاف بالنسبة إلى الضيقة، وأن نعرض الآراء بأمانةٍ قبل أن نبيّن لماذا نرى أنّ الاختطاف قبل الضيقة هو الأوفق للكتاب.
الرأي الأوّل هو الاختطاف قبل الضيقة: تُرفع الكنيسة قبل أن تبدأ السنوات السبع، فلا تمرّ في شيءٍ منها. والرأي الثاني هو الاختطاف في وسط الضيقة: تمرّ الكنيسة في النصف الأوّل ثمّ تُرفع قبل النصف الثاني الأشدّ. والرأي الثالث هو الاختطاف بعد الضيقة: تمرّ الكنيسة في الضيقة كلّها ثمّ تُرفع في نهايتها، فيتّحد الاختطاف والظهور في حدثٍ واحد. وهناك من يرى الاختطاف قبل سكب الغضب فقط.
والذي يرجّح الاختطاف قبل الضيقة عندنا أمورٌ كتابيّةٌ عدّة جمعناها فيما سبق: أنّ الإله لم يجعل المؤمنين للغضب (تسالونيكي الأولى ٥: ٩)؛ ووعد المسيح بحفظ كنيسته «مِنْ سَاعَةِ التَّجْرِبَةِ» لا فيها (رؤيا ٣: ١٠)؛ وغياب الكنيسة عن مشهد الأرض في رؤيا ٤-١٩؛ ووشوك الاختطاف الذي لا تسبقه علامة، بينما الظهور تسبقه علامات؛ ونمط الإله في حفظ أبراره قبل الدينونة كنوحٍ ولوط. وأمّا الرأي بأنّ الاختطاف والظهور حدثٌ واحدٌ بعد الضيقة، فيصطدم بأنّ القدّيسين يأتون مع المسيح في الظهور (يهوذا ١٤)، فلا بدّ أنّهم رُفعوا قبلاً؛ وبأنّ مجيء المسيح للكنيسة موصوفٌ بأنّه وشيكٌ مفاجئٌ كلصٍّ في الليل، وهذا لا يستقيم لو كان لا بدّ أن تسبقه سنواتٌ من علامات الضيقة المعروفة.
لماذا نقرأ النبوّة قراءةً حرفيّة
وراء هذا كلّه مبدأٌ في التفسير يجب أن يُفهَم: إنّنا نقرأ نبوّات الكتاب قراءةً حرفيّةً طبيعيّةً ما لم يدلّ النصّ نفسه على المجاز. وهذا المبدأ هو الذي يحفظ النبوّة من أن تصير شمعَ تأويلٍ يشكّله كلّ مفسّرٍ كما يشاء.
والبرهان على صحّة القراءة الحرفيّة هو نبوّات المجيء الأوّل. فقد تمّت كلّها حرفيّاً: وُلد المسيح في بيت لحمَ حرفيّاً، ومن عذراءَ حرفيّاً، وثُقبت يداه ورجلاه حرفيّاً، وقام في اليوم الثالث حرفيّاً. فلو أنّ الإله أتمّ نبوّات المجيء الأوّل حرفيّاً، فبأيّ منطقٍ نحوّل نبوّات المجيء الثاني إلى رموزٍ ومجازات؟ إنّ الاتّساق يقتضي أن نقرأ نبوّات المجيء الثاني كما قرأنا نبوّات الأوّل — حرفيّاً. فحين يقول الكتاب إنّ قدمي المسيح تقفان على جبل الزيتون، نأخذه على ظاهره؛ وحين يقول إنّ المؤمنين يُخطفون في السحب لملاقاة الرب في الهواء، نأخذه على ظاهره؛ وحين يقول إنّ المسيح يملك ألف سنة، نأخذه على ظاهره.
والقراءة الحرفيّة هي أيضاً التي تحفظ التمييز بين إسرائيل والكنيسة، وبين الرجاء الأرضيّ والرجاء السماويّ، وبين الاختطاف والظهور. أمّا حين يُلجَأ إلى التأويل المجازيّ، فتختلط الأمور كلّها: تصير الكنيسة هي إسرائيل، ويصير الملكوت روحيّاً لا أرضيّاً، ويصير الاختطاف والظهور حدثاً واحداً. فالقراءة الحرفيّة ليست جموداً، بل أمانةٌ للنصّ كما قصده كاتبه الإلهيّ، وهي التي تجعل صورة النبوّة كلّها متّسقةً واضحة.
الملك الألفيّ: ما يأتي بعد الظهور
حين يأتي المسيح في الظهور، لا ينتهي كلّ شيء، بل يبدأ عهدٌ مجيد: ملكوت المسيح على الأرض ألف سنة. فبعد أن يدين المسيح أعداءه ويقيّد الشيطان، يجلس على عرش داود ويملك على الأرض كلّها بالعدل والسلام. كتب يوحنا:
وهذا هو الملكوت الذي علّمنا المسيح أن نصلّي لأجله: «لِيَأْتِ مَلَكُوتُكَ، لِتَكُنْ مَشِيئَتُكَ كَمَا فِي السَّمَاءِ كَذلِكَ عَلَى الأَرْضِ».
وفي ذلك الملكوت تتمّ نبوّاتٌ كثيرةٌ بقيت معلّقة. تتحوّل السيوف إلى محاريث، ولا تتعلّم الأمم الحرب فيما بعد (إشعياء ٢: ٤). ويسكن الذئب مع الخروف، ويربض النمر مع الجدي (إشعياء ١١: ٦)، إذ يُرفَع اللعن عن الخليقة. ويملأ معرفة الرب الأرض كما تغطّي المياه البحر. ويملك المسيح من أورشليم، ويأتي إليه ممثّلو الأمم ليعبدوه. إنّه عصرٌ ذهبيٌّ حقيقيٌّ لم تعرفه البشريّة منذ سقوط آدم — عهد عدلٍ وسلامٍ ومعرفةٍ تحت ملك المسيح المنظور.
ويملك المؤمنون — الذين رُفعوا في الاختطاف وعادوا مع المسيح في الظهور — معه في هذا الملكوت. فالكنيسة لا تجلس عاطلة، بل تشترك في ملك المسيح:
فالرجاء لا ينتهي بالاختطاف، بل يبلغ ذروته في الملك مع المسيح. وفي نهاية الألف سنة، يُطلَق الشيطان قليلاً ثمّ يُلقى في بحيرة النار إلى الأبد، وتأتي الدينونة الأخيرة، ثمّ السماء الجديدة والأرض الجديدة، حيث يسكن الإله مع شعبه إلى أبد الآبدين.
دينونتان لا واحدة: الفرق العظيم
من الأمور التي يوضّحها التمييز بين الاختطاف والظهور أنّ هناك دينونتين مختلفتين تماماً، لا دينونةً واحدة، ويفصل بينهما أكثر من ألف سنة. الأولى دينونة المؤمنين لأجل المكافأة، والثانية دينونة غير المؤمنين لأجل العقاب.
بعد الاختطاف، يقف المؤمنون أمام «كرسيّ المسيح»، لا ليُدانوا على خطاياهم — فتلك حملها المسيح على الصليب — بل لتُمتحَن أعمالهم وتُكافأ. كتب الرسول:
فهذه دينونةُ مكافأةٍ للمؤمن، يُحرَق فيها ما كان من خشبٍ وعشبٍ وقشّ، ويُكافأ ما كان من ذهبٍ وفضّةٍ وحجارةٍ كريمة، لكنّ المؤمن نفسه «إِنِ احْتَرَقَ عَمَلُ أَحَدٍ فَسَيَخْسَرُ، وَأَمَّا هُوَ فَسَيَخْلُصُ، وَلكِنْ كَمَا بِنَارٍ.» (كورنثوس الأولى ٣: ١٥).
أمّا الدينونة الثانية فهي «العرش الأبيض العظيم» في نهاية الألف سنة، حيث يقف غير المؤمنين أمام الإله:
فمن لم يُوجَد اسمه مكتوباً في سفر الحياة طُرح في بحيرة النار. والفرق بين الدينونتين هائل: الأولى للمؤمنين لأجل المكافأة، تعقب الاختطاف مباشرةً؛ والثانية لغير المؤمنين لأجل العقاب الأبديّ، تعقب الملك الألفيّ. ومن لا يميّز بين الاختطاف والظهور يخلط بين الدينونتين، فيظنّهما دينونةً عامّةً واحدة، ويفقد رجاء المؤمن الذي لن يأتي «إِلَى دَيْنُونَةٍ، بَلْ قَدِ انْتَقَلَ مِنَ الْمَوْتِ إِلَى الْحَيَاةِ» (يوحنا ٥: ٢٤).
قيامتان لا قيامة واحدة
كما أنّ هناك مجيئَين ومرحلتين ودينونتين، هكذا يكشف الكتاب أنّ هناك قيامتين للأموات، لا قيامةً واحدةً عامّة، ويفصل بينهما ألف سنة. وفهم هذا يزيد الصورة وضوحاً، ويعزّز التمييز الذي رأيناه طوال هذه الدراسة.
القيامة الأولى هي «قيامة الأبرار» أو «قيامة الحياة»، وفيها يقوم المؤمنون بأجسادٍ ممجّدة. وهي نفسها تتمّ على مراحل: قام المسيح أوّلاً «باكورةً»؛ ثمّ يُقام المؤمنون الراقدون في الاختطاف؛ ثمّ يُقام شهداء الضيقة عند الظهور. أمّا القيامة الثانية فهي «قيامة الدينونة»، وفيها يقوم غير المؤمنين في نهاية الألف سنة ليقفوا أمام العرش الأبيض العظيم. قال المسيح:
وقد بيّن سفر الرؤيا الفاصل الزمنيّ بين القيامتين بوضوح. فبعد أن وصف قيامة الأبرار وملكهم مع المسيح، قال:
فالأبرار يقومون في «القيامة الأولى» ليملكوا مع المسيح ألف سنة؛ وغير الأبرار لا يقومون «حَتَّى تَتِمَّ الأَلْفُ السَّنَةِ». فبين القيامتين ألف سنةٍ كاملة. ثمّ أعلن:
فمن قام في القيامة الأولى — أي كلّ مؤمنٍ بـالمسيح — لا سلطان للموت الثاني (بحيرة النار) عليه. هذا هو نصيب كلّ من آمن: قيامةٌ إلى الحياة، وملكٌ مع المسيح، وأمانٌ أبديٌّ من الموت الثاني. أمّا من رفض المسيح، فمصيره القيامة الثانية إلى الدينونة. والسؤال الفاصل واحد: في أيّ القيامتين سيكون نصيبك؟ والجواب يتحدّد اليوم، بإيمانك بـالمسيح أو رفضك له. فمن آمن، انتقل من الآن «مِنَ الْمَوْتِ إِلَى الْحَيَاةِ»، وضُمن له نصيبٌ في القيامة الأولى المباركة، فينتظر الاختطاف لا الدينونة، والحياة لا الموت الثاني.
وهكذا نرى أنّ القيامة الأولى ليست لحظةً واحدة، بل تتمّ على مراحل تشبه مراحل المجيء نفسه: المسيح الباكورة قام أوّلاً قبل ألفَي سنة؛ ثمّ يقوم المؤمنون الراقدون في الاختطاف؛ ثمّ يقوم شهداء الضيقة عند الظهور. كلّهم في «القيامة الأولى»، قيامة الحياة، لكن كلٌّ «فِي رُتْبَتِهِ» كما كتب الرسول:
فالترتيب نفسه الذي رأيناه في المجيء — مراحل متمايزةٌ تخدم قصد الإله — نراه في القيامة. وكلّ هذا يؤكّد أنّ الإله إلهُ نظامٍ وترتيب، لا إلهُ فوضى، وأنّ كلّ حدثٍ في خطّته يقع «فِي رُتْبَتِهِ» وفي وقته المعيّن. فطوبى لمن كان نصيبه في القيامة الأولى، إذ ينتظر مجيء سيّده بفرحٍ ورجاء، عالماً أنّه سيقوم — إن رقد — أو يُخطف — إن بقي حيّاً — ليكون مع الرب كلّ حين.
عُرس الخروف: ماذا تفعل الكنيسة في السماء؟
بينما تكون الضيقة على الأرض، ماذا تفعل الكنيسة المرفوعة في السماء؟ يكشف الكتاب أنّها تكون في فرحٍ عظيم: تقف أمام كرسيّ المسيح لتنال مكافآتها، ثمّ تتهيّأ لأعظم احتفالٍ في تاريخ الكون — عُرس الخروف.
كتب يوحنا:
فالكنيسة هي عروس المسيح، والاختطاف هو اللحظة التي يأخذ فيها العريس عروسه إليه. وبينما تُسكَب الدينونة على الأرض الرافضة، تكون العروس في حضرة عريسها، تفرح بالاتّحاد الأبديّ به.
ثمّ، حين يأتي المسيح في الظهور، تأتي العروس معه:
فهذا يثبت مرّةً أخرى ترتيب الأحداث: رُفعت الكنيسة أوّلاً (الاختطاف)، ثمّ احتفلت بعرسها في السماء أثناء الضيقة، ثمّ عادت مع المسيح إلى الأرض (الظهور). فالاختطاف والظهور ليسا حدثاً واحداً، بل بينهما زمنٌ تكون فيه العروس مع عريسها قبل أن يعودا معاً.
الجسد الممجّد: ماذا سنكون؟
من أعظم وعود الاختطاف تبديل الجسد. فالمؤمن لا يُخطف بروحه فقط، بل بجسدٍ ممجّدٍ جديد. وقد أعطانا الكتاب لمحةً عمّا سيكون عليه هذا الجسد، إذ جعل جسد المسيح المقام نموذجاً لأجسادنا:
وصف الرسول هذا الجسد بأربع صفاتٍ مقابل جسدنا الحاليّ: «يُزْرَعُ فِي فَسَادٍ وَيُقَامُ فِي عَدَمِ فَسَادٍ» — فلا مرض ولا شيخوخة ولا موت؛ «يُزْرَعُ فِي هَوَانٍ وَيُقَامُ فِي مَجْدٍ» — فلا ضعف ولا خزي؛ «يُزْرَعُ فِي ضَعْفٍ وَيُقَامُ فِي قُوَّةٍ» — فلا تعب ولا عجز؛ «يُزْرَعُ جِسْماً حَيَوَانِيّاً وَيُقَامُ جِسْماً رُوحَانِيّاً» (كورنثوس الأولى ١٥: ٤٢-٤٤) — جسدٌ حقيقيٌّ ملموس، لكن خاضعٌ كلّيّاً للروح، كجسد المسيح المقام الذي أكل وشُمِس ولُمِس، لكنّه دخل والأبواب مغلقة.
فالرجاء ليس أن نصير أرواحاً بلا أجساد، بل أن ننال أجساداً ممجّدةً خالدة. هذا هو فداء الجسد الذي ننتظره:
فالخلاص الذي بدأ بفداء الروح يكتمل بفداء الجسد يوم الاختطاف. وهذا يعزّينا في كلّ ضعفٍ جسديٍّ نختبره اليوم: فهذا الجسد المتألّم سيُستبدَل بجسدٍ مجيدٍ لا يعرف ألماً، على صورة جسد المسيح الممجّد.
أسئلةٌ يطرحها كثيرون
يسأل كثيرون: هل نعرف بعضنا بعضاً في السماء؟ والجواب نعم، فالرسول يعزّي المؤمنين بأنّهم سيجتمعون بأحبّائهم الراقدين، وهذا لا معنى له إن لم يتعارفوا. وقد عُرف موسى وإيليّا على جبل التجلّي. فالمعرفة لا تزول، بل تكتمل: «أَعْرِفُ كَمَا عُرِفْتُ».
ويسأل آخرون: ماذا عن الذين يخلصون في الضيقة بعد الاختطاف؟ والجواب أنّ كثيرين سيؤمنون في أثناء الضيقة — من اليهود والأمم — حين يكرز بالإنجيل في تلك الأيّام، لكنّ كثيرين منهم سيدفعون ثمن إيمانهم بالاستشهاد. فالاختطاف لا يعني انتهاء فرص الخلاص، بل انتهاء عصر الكنيسة وبدء دينونة العالم وتنقية إسرائيل. لكنّ الطريق الآمن، الطريق الذي لا يمرّ بالضيقة، هو أن يؤمن الإنسان بـالمسيح الآن، قبل الاختطاف، فيكون من المخطوفين لا من المتروكين.
ويسأل بعضهم: ألم يخطئ من تنبّأوا بمواعيد للمجيء؟ نعم، أخطأ كلّ من حدّد يوماً أو سنة، لأنّ المسيح قال إنّ ذلك اليوم لا يعلمه أحد. لكنّ أخطاء المتنبّئين الكذبة لا تلغي حقيقة المجيء، كما أنّ كذب من يدّعون رؤية الفجر باكراً لا يلغي شروق الشمس. فالمجيء حقٌّ مؤكّد، وإن كان توقيته مجهولاً. وعلينا لا أن نحدّد اليوم، بل أن نسهر مستعدّين كلّ يوم.
«أين هو موعد مجيئه؟» — الردّ على المستهزئين
مرّت ألفا سنةٍ منذ صعود المسيح، ولم يأتِ بعد. فيستغلّ بعض المستهزئين هذا التأخّر الظاهريّ ليشكّكوا في المجيء كلّه، قائلين: أين هو الوعد بمجيئه؟ وقد أنبأ الكتاب بهؤلاء بالذات:
والردّ الذي أعطاه الرسول بطرس عميقٌ ومعزٍّ. أوّلاً: مفهوم الزمن عند الإله غير مفهومنا:
فما يبدو لنا تأخّراً طويلاً ليس كذلك عند الإله الأزليّ. ثانياً: التأخّر ليس بطئاً بل أناة:
فكلّ يومٍ يتأخّر فيه المجيء هو يومُ نعمةٍ إضافيٌّ يفتحه الإله ليتوب فيه الخطاة. فالتأخّر رحمةٌ لا إهمال.
ثالثاً: أكّد الرسول أنّ المجيء آتٍ بغتةً رغم طول الانتظار:
فطول الانتظار لا يعني عدم المجيء، بل يجعله أقرب كلّ يوم. والمؤمن الحكيم لا يستهزئ بالتأخّر، بل يستغلّه: يتوب من يحتاج إلى التوبة، ويبشّر من لم يسمع، ويسهر من ينتظر. فالمستهزئ يرى في التأخّر دليلاً على الكذب، والمؤمن يرى فيه دليلاً على الرحمة.
لماذا رتّب الإله المجيء على مرحلتين؟
قد يسأل سائلٌ: لماذا رتّب الإله مجيء المسيح الثاني على مرحلتين — الاختطاف ثمّ الظهور — بدل مرحلةٍ واحدة؟ والجواب يكشف حكمة الإله ومحبّته معاً.
أوّلاً: ليحفظ كنيسته من الغضب. فلو كان المجيء مرحلةً واحدةً بعد الضيقة، لكانت الكنيسة مضطرّةً أن تمرّ في غضب الإله المسكوب. لكنّ المرحلتين تسمحان برفع الكنيسة أوّلاً إلى الأمان، ثمّ سكب الغضب على الأرض، ثمّ العودة في الظهور. فالترتيب يحفظ وعد الإله أنّه «لَمْ يَجْعَلْنَا لِلْغَضَبِ».
ثانياً: ليفي بوعوده لإسرائيل وللكنيسة معاً. فللكنيسة رجاءٌ سماويّ — تُؤخَذ إلى بيت الآب؛ ولإسرائيل رجاءٌ أرضيّ — ملكوتٌ على أرضه. والمرحلتان تسمحان بإتمام الرجاءين كلٍّ في موضعه: تُرفع الكنيسة إلى السماء في الاختطاف، ثمّ يُنقَّى إسرائيل في الضيقة، ثمّ يُقام الملكوت الأرضيّ في الظهور. ثالثاً: لتظهر النعمة والدينونة كلتاهما بكمالهما. ففي الاختطاف تظهر نعمة الإله الكاملة لكنيسته؛ وفي الضيقة تظهر دينونته الكاملة على العالم الرافض؛ وفي الظهور والملكوت يظهر عدله ومجده. فالمرحلتان لا تعقيدٌ بلا سبب، بل حكمةٌ إلهيّةٌ توفّق بين النعمة والعدل، وبين وعود السماء ووعود الأرض، وبين خلاص الكنيسة وتأديب إسرائيل ودينونة العالم. وهكذا، حين نفهم الترتيب، لا نرى تعقيداً، بل نرى انسجاماً بديعاً يكشف حكمة الإله الذي «صَنَعَ كُلَّ شَيْءٍ حَسَناً فِي وَقْتِهِ».
كيف يغيّرنا هذا الرجاء: التعزية
إنّ تعليم مجيء المسيح ليس عقيدةً نظريّةً نضعها على رفّ، بل قوّةٌ تغيّر حياة المؤمن اليوم. وأوّل ما يصنعه هذا الرجاء هو التعزية. فقد ختم الرسول وصفه للاختطاف بقوله:
فالمؤمن الذي ودّع حبيباً مؤمناً عند القبر لا يقف هناك بلا رجاء، بل يعلم أنّ الفراق مؤقّت، وأنّ المسيح سيجمعهما ثانيةً في يومٍ مجيد.
وهذه التعزية تمتدّ إلى كلّ ألمٍ في هذه الحياة. فالمريض على فراشه، والمضطهَد في سجنه، والوحيد في غربته، والمتألّم في حزنه — كلّهم يجدون في رجاء المجيء قوّةً تحملهم. لأنّهم يعلمون أنّ كلّ هذه الآلام «خَفِيفَةٌ وَوَقْتِيَّةٌ» أمام «ثِقَلِ مَجْدٍ أَبَدِيٍّ» آتٍ (كورنثوس الثانية ٤: ١٧). فحين يأتي المسيح، يمسح كلّ دمعةٍ من العيون، ولا يكون موتٌ ولا حزنٌ ولا صراخٌ ولا وجع. فرجاء مجيئه يحوّل ليل الألم إلى انتظار فجرٍ قريب.
كيف يغيّرنا هذا الرجاء: القداسة
والرجاء في مجيء المسيح قوّةٌ مطهّرة. كتب الرسول يوحنا:
فالمؤمن الذي يعلم أنّ سيّده قد يأتي في أيّ لحظة يعيش حياةً مستعدّةً، طاهرةً، لا يريد أن يُفاجأ بمجيء سيّده وهو في خطيّة.
تأمّل في خادمٍ يعلم أنّ سيّده قد يعود من السفر في أيّ ساعةٍ دون إنذار: كيف يحفظ البيت؟ بأمانةٍ وسهرٍ دائم، لئلّا يأتي السيّد بغتةً فيجده مهملاً. هكذا المؤمن: وشوك المجيء يدفعه إلى القداسة لا إلى التهاون. قال المسيح:
فالاستعداد الدائم هو ثمر الرجاء الحقيقيّ. ومن يقول إنّه ينتظر المسيح ثمّ يعيش في الخطيّة، فرجاؤه كلامٌ لا حقيقة.
كيف يغيّرنا هذا الرجاء: الكرازة والعجلة
والرجاء في مجيء المسيح يولّد عجلةً في الكرازة. فإن كان المسيح آتياً، وإن كان الذين بلا خلاصٍ سيُتركون في الضيقة ثمّ الدينونة الأبديّة، فما أعظم مسؤوليّتنا أن نبشّر الآن، قبل أن يُغلَق الباب! إنّ وشوك المجيء يحوّل الكرازة من واجبٍ مؤجَّلٍ إلى ضرورةٍ عاجلة.
فكم من قريبٍ وصديقٍ وجارٍ لم يسمع بعدُ أنّ المسيح مات لأجله وقام، وأنّه آتٍ ثانيةً! والوقت الذي نملكه لنبلّغهم محدود، لا نعرف متى ينتهي. فالمؤمن الذي يحمل رجاء المجيء في قلبه لا يقدر أن يصمت، بل يبادر إلى إخبار الناس بالخلاص قبل فوات الأوان. هذا ما فعله الرسل: عاشوا وكأنّ المسيح آتٍ في جيلهم، فبشّروا العالم بحماسةٍ غيّرت التاريخ. وكلّما اقتربت العلامات، ازدادت العجلة، لأنّ «اللَّيْلَ قَدْ تَقَدَّمَ وَالنَّهَارَ قَدِ اقْتَرَبَ».
كيف يغيّرنا هذا الرجاء: الصبر والانفصال عن العالم
والرجاء في مجيء المسيح يعطي صبراً في الضيق وانفصالاً عن العالم. كتب يعقوب:
فالمؤمن الذي يعلم أنّ سيّده آتٍ يحتمل ظلم العالم وقسوته بصبر، لأنّه يعلم أنّ العدل الكامل آتٍ مع المسيح.
كما أنّ هذا الرجاء يفكّ ارتباط القلب بالعالم. فمن ينتظر مدينةً سماويّةً وملكاً آتياً لا يضع كنزه كلّه في أرضٍ زائلة. كتب الرسول:
فالمؤمن غريبٌ ونزيلٌ في هذا العالم، وطنه في السماء، ورجاؤه مجيء سيّده. وهذا لا يجعله متبطّلاً، بل يحرّره من عبوديّة المادّة والطمع والخوف، ليحيا لمجد الإله وحده، منتظراً «الرَّجَاءَ الْمُبَارَكَ».
إكليلٌ لمن أحبّوا ظهوره
ختم الرسول بولس حياته كلّها بنظرةٍ إلى مجيء المسيح. فوهو في السجن، ينتظر الموت، كتب آخر كلماته بثقةٍ عجيبة:
لاحظ مَن يَنال الإكليل: «جَمِيع الَّذِينَ يُحِبُّونَ ظُهُورَهُ». فالإكليل ليس للرسل وحدهم، ولا للعظماء في الإيمان فقط، بل لكلّ مؤمنٍ «يُحِبُّ ظُهُورَهُ» — أي ينتظر مجيء المسيح بشوقٍ ومحبّة. فمحبّة ظهوره علامةٌ على القلب الذي يحيا للسماء لا للأرض، والذي يضع رجاءه في سيّده الآتي لا في هذا العالم الزائل.
فاسأل نفسك: هل تحبّ ظهوره؟ هل تنتظر مجيئه بشوق؟ أم أنّ قلبك متعلّقٌ بالأرض حتى صار المجيء يخيفك بدل أن يفرحك؟ إنّ المؤمن الذي يعيش مستعدّاً، طاهراً، مثمراً، ينتظر سيّده كما تنتظر العروس عريسها. ومن أحبّ ظهوره ينال إكليل البرّ في ذلك اليوم. فليكن مجيء المسيح رجاءك ومحبّتك، لا مجرّد عقيدةٍ في ذهنك. ولتكن صرختك مع كلّ القدّيسين: «تَعَالَ أَيُّهَا الرَّبُّ يَسُوعُ». فالذي يحبّ ظهوره، يستعدّ له؛ والذي يستعدّ له، لا يُفاجأ به؛ والذي لا يُفاجأ به، ينال الإكليل في اليوم العظيم. هذا هو رجاؤنا المبارك، وهذه هي محبّتنا الثابتة، وهذا هو انتظارنا الذي لا يخيب.
«يسوع هذا»: مجيءٌ شخصيٌّ جسديٌّ مؤكّد
قد يحاول البعض أن يفرّغ مجيء المسيح من معناه، فيقولون إنّه مجيءٌ رمزيٌّ يحدث عند موت كلّ مؤمن، أو مجيءٌ روحيٌّ حلّ يوم الخمسين، أو مجرّد انتصارٍ معنويٍّ للمسيحيّة في التاريخ. لكنّ الكتاب يسدّ هذا الباب بكلماتٍ لا تحتمل التأويل.
قال الملاكان يوم الصعود:
تأمّل ثلاث كلمات. «يَسُوعَ هذَا» — الشخص نفسه عينه، لا فكرةٌ ولا روحٌ ولا حركة؛ المسيح نفسه بشخصه يعود. «سَيَأْتِي» — مجيءٌ مستقبليٌّ حقيقيّ، لا حدثٌ ماضٍ ولا رمز. «هكَذَا كَمَا رَأَيْتُمُوهُ مُنْطَلِقاً» — بالكيفيّة نفسها: جسديّاً، منظوراً، على السحاب. فكما صعد بجسده منظوراً، يعود بجسده منظوراً.
إنّ مجيء المسيح إذاً شخصيٌّ — هو نفسه، لا نائبٌ عنه؛ وجسديٌّ — بجسده الممجّد، لا روحيّاً فقط؛ ومنظورٌ — تراه كلّ عين؛ ومؤكّدٌ — لأنّ الإله الذي لا يكذب وعد به. فمن ينكر المجيء الجسديّ المنظور لـالمسيح ينكر صريح الكتاب وشهادة الملائكة ووعد المسيح نفسه. والكنيسة عبر العصور كلّها ردّدت في قانون إيمانها أنّه «سيأتي أيضاً بمجدٍ ليدين الأحياء والأموات» — لأنّ هذا هو تعليم الكتاب الصريح الذي لا لبس فيه.
الصورة الكاملة: من المذود إلى العرش
لنجمع الآن خيوط الصورة كلّها، من البداية إلى النهاية. جاء المسيح أوّلاً متواضعاً، وُلد في مذود، عاش بلا خطيّة، مات على الصليب فداءً عن الخطاة، قام في اليوم الثالث، صعد إلى السماء، وجلس عن يمين الآب. هذا هو المجيء الأوّل الذي تمّ.
وها هو الآن جالسٌ في السماء، يُعدّ منازل لشعبه، ويشفع فيهم، ويبني كنيسته. وفي لحظةٍ لا يعلمها إلّا الآب، سينزل المسيح إلى الهواء، فيُقام الراقدون في المسيح ويُخطف الأحياء، ويلتقي الجميع الرب في الهواء — هذا هو الاختطاف، الرجاء المبارك للكنيسة. ثمّ تكون العروس مع عريسها في السماء، تنال مكافآتها وتحتفل بعرسها، بينما تُسكَب الضيقة العظيمة على الأرض الرافضة، ويُنقَّى إسرائيل ويُردّ إلى مسيّاه.
وفي نهاية الضيقة، تُفتح السماء، ويخرج المسيح فارساً منتصراً ومعه قدّيسوه، فتراه كلّ عين، وتقف قدماه على جبل الزيتون — هذا هو الظهور. فيدين أعداءه، ويقيّد الشيطان، ويجلس على عرش داود، ويملك ألف سنةٍ بالعدل والسلام، ويملك معه قدّيسوه. وفي النهاية، بعد الدينونة الأخيرة، تأتي السماء الجديدة والأرض الجديدة، حيث يسكن الإله مع شعبه، فلا موت ولا حزن ولا دمعة، إلى أبد الآبدين. هذه هي الصورة الكاملة: من المذود إلى الصليب، إلى القبر الفارغ، إلى العرش السماويّ، إلى الاختطاف، إلى الظهور، إلى الملكوت، إلى الأبديّة المجيدة. ومن وسط هذه الصورة كلّها يلمع رجاء الكنيسة: «آتِي أَيْضاً وَآخُذُكُمْ إِلَيَّ».
مخطوفٌ أم متروك؟ السؤال الأكثر إلحاحاً
بعد كلّ ما رأيناه، يبقى سؤالٌ واحدٌ هو الأكثر إلحاحاً في حياتك كلّها: حين يأتي المسيح في الاختطاف، هل تكون من المخطوفين معه، أم من المتروكين على الأرض للضيقة؟ فالاختطاف يقسم البشريّة قسمين لا ثالث لهما: من آمن بـالمسيح فيُخطف، ومن لم يؤمن فيُترك.
قال المسيح:
فالفارق ليس في العمل ولا في المكان — كلاهما في الحقل، كلتاهما على الرحى — بل في العلاقة بـالمسيح. من كان له، أُخذ؛ ومن لم يكن، تُرك. لن يكون هناك وقتٌ للاستعداد في تلك اللحظة، إذ تحدث «فِي طَرْفَةِ عَيْنٍ». فالاستعداد يجب أن يكون الآن، قبل أن يأتي.
تخيّل تلك اللحظة: في طرفة عين، يختفي ملايين المؤمنين من الأرض. المقاعد الفارغة، السيّارات بلا سائقيها، البيوت التي فقدت أحبّاءها. ومن تُرك يدرك — متأخّراً — أنّ ما كان يسمعه عن مجيء المسيح كان حقّاً. أيّ ندامةٍ تلك! لكنّ النعمة أنّك تقرأ هذا الآن، قبل تلك اللحظة. فالباب لا يزال مفتوحاً. والدعوة لا تزال قائمة. والسؤال لك أنت: أين ستكون حين يهتف البوق؟
دعوةٌ إلى الرجاء المبارك
إن كنت قد قرأت إلى هنا ولم تكن قد آمنت بـالمسيح إيماناً شخصيّاً، فإنّ أعظم ما يمكن أن يحدث لك اليوم هو أن تستعدّ للقاء سيّدك. والاستعداد ليس بالأعمال ولا بالطقوس، بل بالإيمان بـالمسيح الذي مات لأجل خطاياك وقام. فالذي سيأتي ليأخذ شعبه هو نفسه الذي مات على الصليب ليصنع لك مكاناً بينهم.
الوعد واضح وبسيط:
وحين تؤمن، يصير اسمك مكتوباً في سفر الحياة، وتصير ابناً لـالإله، وتنتقل في لحظةٍ «مِنَ الْمَوْتِ إِلَى الْحَيَاةِ». وعندئذٍ يصير مجيء المسيح رجاءك المبارك لا رعبك: تنتظره لا بخوفٍ بل بشوق، عالماً أنّك حين يهتف البوق ستكون من المخطوفين إليه، لتكون معه «كُلَّ حِينٍ».
فلا تؤجّل. فأنت لا تعلم متى يأتي، وقد لا يكون لك غدٌ تستعدّ فيه. تعالَ إلى المسيح الآن كما أنت، واقبله مخلّصاً وربّاً، واتّكل على عمله المكمَّل على الصليب وحده. وحينئذٍ تنضمّ إلى كلّ المؤمنين عبر العصور الذين يصرخون بشوق:
كلمة الختام
هذا هو رجاء الكنيسة منذ يوم صعود المسيح إلى اليوم: أنّه آتٍ ثانيةً. جاء أوّلاً متواضعاً ليفدي، وسيأتي ثانيةً مجيداً ليملك. وبين صعوده ومجيئه، ينتظر شعبه ساهرين، مستعدّين، مثمرين، حاملين «الرَّجَاءَ الْمُبَارَكَ» في قلوبهم. لا يعرفون اليوم ولا الساعة، لكنّهم يعرفون يقيناً أنّه آتٍ، وأنّ كلّ يومٍ يمرّ يقرّبهم من تلك اللحظة المجيدة حين يهتف البوق، وينزل الرب نفسه، ويُخطفون لملاقاته في الهواء.
فليجعلنا الإله من الساهرين المستعدّين، الذين ينتظرون «ظُهُورَ مَجْدِ اللهِ الْعَظِيمِ وَمُخَلِّصِنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ»، فنعيش كلّ يومٍ في نور هذا الرجاء، حتى يأتي ذلك اليوم الذي لا ليل بعده، فنكون مع الرب الذي أحبّنا وبذل نفسه لأجلنا، إلى أبد الآبدين. «نِعْمَةُ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ مَعَ جَمِيعِكُمْ. آمِينَ».
دعوة لنوال الخلاص الإلهي — اقبل الرب يسوع المسيح كمخلصك الشخصي
عزيزي القارئ — إن لمست هذه الكلمات قلبك وأدركت أنك خاطئ بحاجة إلى مخلّص، فاعلم أن الإله يدعوك إليه في هذه اللحظة بالذات. لست بحاجة إلى كاهن، ولا إلى وسيط بشري، ولا إلى مكان مقدس، ولا إلى طقوس أو أعمال. الرب يسوع المسيح دفع الثمن كاملاً على الصليب، ووعدُ الإله قاطع وواضح:
ما يخلّصك ليس ألفاظ هذه الصلاة — بل الإيمان الذي في قلبك بأن الرب يسوع المسيح مات لأجلك وقام من الأموات. لكن إن أردت أن تعبّر عن إيمانك بكلمات صادقة، اقرأ هذه الصلاة بقلب خاشع وكأنك تخاطب الإله الحيّ:
صلاة الخلاص
«أيّها الإله العظيم القدّوس المُحِبّ، الإله الحقيقيّ الوحيد،
آتي إليك الآن بكل تواضع، معترفاً أنّي خاطئ. لقد كسرت وصاياك مرّاتٍ كثيرة في فكري وفي كلامي وفي أعمالي. وأعرف أنّ خطيّتي تستحقّ الموت الأبديّ والانفصال عنك إلى الأبد. لا أملك أيّ عملٍ صالحٍ أقدّمه يستطيع أن يفدي نفسي، ولا أيّ برٍّ من ذاتي أستر به عُريي أمام قداستك.
لكنّي أؤمن من كلّ قلبي بشهادة كلمتك أنّ ابنك الوحيد، الرب يسوع المسيح، مات على الصليب من أجل خطاياي — حاملاً عنّي العقوبة التي كنت أستحقّها. أؤمن أنّه دُفن، وأنّه قام من الأموات في اليوم الثالث، حيّاً منتصراً على الموت والقبر، وأنّه حيٌّ الآن إلى أبد الآبدين.
في هذه اللحظة المباركة، أنا أقبل الرب يسوع المسيح مخلّصاً شخصياً لي. أتّكل عليه وحده — لا على أعمالي، ولا على ديني، ولا على طقوسٍ ولا على إنسانٍ ولا على ملاكٍ ولا على قدّيس. على الرب يسوع المسيح وحده، وعلى دمه الكريم المسفوك على الصليب، أبني رجاء خلاصي الأبدي.
أشكرك يا أبي لأنّك قبلتني الآن في الرب يسوع المسيح، وغفرت لي كلّ خطاياي، وأعطيتني الحياة الأبدية هبةً مجانيّةً بنعمتك. أشكرك لأنّك أرسلت روحك القدوس ليسكن في قلبي، شاهداً لي بأنّي صرت ابنك. أعطني نعمةً أن أعرفك أكثر يوماً بعد يومٍ، وأن أحيا بقيّة حياتي لمجدك وحدك.
أصلّي هذا كلّه باسم ربّي ومخلّصي يسوع المسيح، بقوّة الروح القدس. آمين.»
بعد أن صلّيت — ما العمل الآن؟
إن صلّيت هذه الصلاة من قلبٍ مؤمنٍ صادق، فقد حدثت في هذه اللحظة أعظم معجزةٍ في تاريخك كلّه: انتقلت من الموت إلى الحياة، ومن الظلمة إلى النور، ومن مملكة الخطية إلى ملكوت ابن الإله الحبيب. صرتُ ابنًا للإله الحيّ، ووعد الإله نفسه يضمن لك ذلك بكلمته الموثوقة:
لاحظ معي قوّة هذا الوعد: «أعطاهم سلطاناً» — أي حقّاً ثابتاً مضموناً، لا أمنيةً ولا احتمالاً. ولاحظ كلمة «المؤمنون باسمه» — ليس «الذين عملوا أعمالاً عظيمة»، ولا «الذين أتمّوا الطقوس»، بل ببساطة «المؤمنون». أنت الآن واحدٌ منهم — بكلّ تأكيدٍ ويقين.
وإليك خمس خطوات بسيطة تثبّتك في حياتك الجديدة مع الرب يسوع المسيح:
أولاً — اقرأ الكتاب المقدس يومياً. ابدأ بإنجيل يوحنا، ثمّ تابع بقيّة العهد الجديد، ثمّ المزامير والأمثال. الإله يتكلّم معك من خلال كلمته كما يتكلّم الأب مع ابنه. لا تقرأ بسرعة — اقرأ بتأمّلٍ وصلاة. «اَلصَّبِيُّ الَّذِي مُنْذُ الطُّفُولِيَّةِ تَعْرِفُ الْكُتُبَ الْمُقَدَّسَةَ، الْقَادِرَةَ أَنْ تُحَكِّمَكَ لِلْخَلاَصِ» (تيموثاوس الثانية ٣: ١٥).
ثانياً — صلِّ يومياً. كلّم الإله كأبٍ محبّ — ليس بألفاظٍ محفوظة، بل بكلامٍ من قلبك. شاركه أفراحك وأحزانك وأسئلتك ومخاوفك. الصلاة هي تنفّس الحياة المسيحية. «صَلُّوا بِلاَ انْقِطَاعٍ» (تسالونيكي الأولى ٥: ١٧).
ثالثاً — انضمّ إلى كنيسةٍ تؤمن بالكتاب المقدّس. لا تسير في الطريق وحدك. الإيمان ينمو في شركة المؤمنين، حيث الكلمة تُكرز بأمانة، والمعمودية والعشاء الربّاني يُمارسان بحسب الكتاب. «غَيْرَ تَارِكِينَ اجْتِمَاعَنَا» (العبرانيين ١٠: ٢٥).
رابعاً — اعتمد بحسب الكتاب المقدّس. المعمودية ليست شرطاً للخلاص، لكنّها الخطوة الأولى للطاعة بعد الإيمان. هي إعلانٌ علنيّ بأنّك متّ مع الرب يسوع المسيح ودُفنت معه وقمت معه إلى حياةٍ جديدة. «مَنْ آمَنَ وَاعْتَمَدَ خَلَصَ» (مرقس ١٦: ١٦) — الإيمان أوّلاً، ثمّ المعمودية كثمرة طبيعيّة للإيمان.
خامساً — اشهد للآخرين عن الرب يسوع المسيح. ما اختبرته من خلاصٍ ومحبّة لا يمكن أن يبقى مكتوماً. ابدأ بأقربائك وأصدقائك. اروِ لهم ببساطة وصدق كيف غيّر الرب يسوع المسيح حياتك. «اَلَّذِي رَأَيْنَاهُ وَسَمِعْنَاهُ نُخْبِرُكُمْ بِهِ» (يوحنا الأولى ١: ٣).
وأخيراً، تذكّر دائماً أنّ خلاصك ليس مبنياً على شعورك ولا على عمل تعمله — بل على وعد الإله الذي لا يتغيّر:
«كَتَبْتُ هذَا إِلَيْكُمْ أَنْتُمُ الْمُؤْمِنِينَ بِاسْمِ ابْنِ اللهِ لِكَيْ تَعْلَمُوا أَنَّ لَكُمْ حَيَاةً أَبَدِيَّةً»
— يوحنا الأولى ٥: ١٣
لاحظ: «لِكَيْ تَعْلَمُوا» — ليس لكي ترجو، ولا لكي تتمنّى، ولا لكي تنتظر بقلقٍ يوم الدينونة. بل لكي تعلم بيقينٍ كاملٍ ثابتٍ لا يتزعزع أنّ لك حياةً أبديّة. هذا هو الفرق بين كلّ دياناتٍ العالم وبين إنجيل الرب يسوع المسيح: الأديان تقول «اعمل وربّما تخلص» — وكلمة الإله وحدها تقول: «آمن واعلم أنّك مخلّص».
«يَكُونُ فَرَحٌ قُدَّامَ مَلاَئِكَةِ اللهِ بِخَاطِئٍ وَاحِدٍ يَتُوبُ» — لوقا ١٥: ١٠