السؤال الذي تطرحه كلّ نفسٍ في النهاية
شيخٌ في الثمانين، مُمدَّدٌ على سرير المستشفى. نال كلّ سرٍّ تقدر كنيسته أن تمنحه، واعترف بخطاياه ستّين سنة، وواظب على القدّاس أسبوعاً إثر أسبوع، وربّى أولاده في الإيمان، وأعطى الصدقات، وصلّى المسبحة، وأوقد الشموع. وأخيراً، بعد عمرٍ كامل، سمح لنفسه أن ينطق بالسؤال الذي حمله في صدره طوال حياته. التفت إلى الكاهن الجالس إلى جانبه وسأله بصوتٍ خافت: «يا أبتِ، هل أنا ذاهبٌ إلى السماء؟» تردّد الكاهن لحظةً، ثمّ قال الشيء الوحيد الذي يسمح له لاهوته أن يقوله: «نرجو ذلك يا بنيّ. نرجو ذلك.» فأغمض الشيخ عينيه. بعد ثمانين عاماً من التقوى الأمينة، كان أقصى ما قدرت كنيسته أن تقدّمه له على فراش موته هو الرجاء. لا المعرفة، ولا اليقين — الرجاء وحده.
هذا السؤال المعلَّق في تلك الغرفة المعتمة هو السؤال الذي تجيب عنه هذه الصفحة. وجواب الكتاب المقدّس يأتي في كلمةٍ واحدةٍ تُزيح ثقلاً عن كلّ ضميرٍ مُتعَب: نعم. تستطيع أن تكون على يقينٍ من خلاصك. لا لأنّك كنت صالحاً بما يكفي، ولا لأنّ أسرارك مرتّبة، ولا لأنّ حسناتك رجحت على سيّئاتك، بل لأنّ الرب يسوع المسيح أكمل العمل، ولأنّ الكتاب المقدّس يَعِد بذلك صراحةً، ولأنّ الروح القدس يشهد به في قلب كلّ مؤمنٍ حقيقيّ. أمّا التعليم القائل إنّ اليقين مستحيل، وإنّه ما من نفسٍ تقدر أن تعرف بثقةٍ أنّها نالت نعمة الإله، فيناقض الغرض الصريح من العهد الجديد، ذلك الغرض الذي لخّصه الرسول يوحنّا في آيةٍ واحدة: «كَتَبْتُ هذَا إِلَيْكُمْ، أَنْتُمُ الْمُؤْمِنِينَ بِاسْمِ ابْنِ الله، لِكَيْ تَعْلَمُوا أَنَّ لَكُمْ حَيَاةً أَبَدِيَّةً» (يوحنا الأولى ٥: ١٣).
ماذا يقول التعليم الكاثوليكيّ في اليقين
لنُورِد الموقف بإنصاف. أعلن مجمع تْرِنت في مرسومه عن التبرير: «لا يجوز لأحدٍ، ما دام في هذه الحياة الفانية، أن يتجاسر على سرّ القَدَر الإلهيّ الخفيّ فيجزم جزماً أنّه حتماً في عداد المختارين.» وزاد: «لا يقدر أحدٌ أن يعرف بيقين الإيمان الذي لا يخطئ أنّه نال نعمة الإله.» فمن يدّعي مثل هذا اليقين، بحسب تْرِنت، متجاسرٌ آثم. والتعليم المسيحيّ الكاثوليكيّ يُليّن العبارة لكنّه يُبقي العقيدة: يُعلَّم الكاثوليكيّ أن يرجو الخلاص، وأن يتعاون مع النعمة، وأن ينال الأسرار بأمانة، وأن يثابر في الأعمال الصالحة إلى المنتهى، لكن ألّا يدّعي قطّ أنّه يملك الآن خلاصاً مضموناً.
وثمرة هذا التعليم هي بالضبط ما رأيناه في غرفة المستشفى. فالكاثوليكيّ التقيّ على فراش موته لا يقدر أن يقول بثقةٍ إنّه ذاهبٌ إلى بيت أبيه ليكون مع الرب؛ فقد عُلِّم أنّ هذه الثقة تجاسر. فيموت في حالٍ من عدم اليقين التقيّ: يرجو أن يكون رصيد استحقاقاته كافياً، ويرجو أن يكون اعترافه الأخير قد غطّى كلّ شيء، ويرجو ألّا يطول مكثه في المطهر، ويرجو أن تنفعه صلوات أهله في الطريق. لكنّ هذا ليس الإنجيل الذي كرز به الرسل. فالإنجيل الذي كرزوا به يُنتج خلاصاً حاضراً، يقينيّاً، معروفاً؛ بل إنّ رسالةً كاملةً من العهد الجديد كُتبت لهذا الغرض عينه: أن تمنح المؤمن هذا اليقين.
عبارة الغرض في رسالة يوحنّا الأولى
أحسمُ آيةٍ في مسألة اليقين هي عبارة الغرض الصريحة في رسالة الرسول يوحنّا الأولى. فبعد خمسة أصحاحاتٍ يصف فيها علامات الخلاص الحقيقيّ، يختم الرسول يوحنّا قائلاً مباشرةً لماذا كتب الرسالة أصلاً: «كَتَبْتُ هذَا إِلَيْكُمْ، أَنْتُمُ الْمُؤْمِنِينَ بِاسْمِ ابْنِ الله، لِكَيْ تَعْلَمُوا أَنَّ لَكُمْ حَيَاةً أَبَدِيَّةً، وَلِكَيْ تُؤْمِنُوا بِاسْمِ ابْنِ الله» (يوحنا الأولى ٥: ١٣). والفعل هنا حاسم: «لكي تعلموا». لا لكي ترجوا، ولا لكي تظنّوا، ولا لكي تفترضوا بتجاسر، بل لكي تعلموا علماً ثابتاً واثقاً يقينيّاً.
فإن كان التعليم الكاثوليكيّ صحيحاً في أنّ لا مؤمن يقدر أن يعرف بيقينٍ أنّه مخلَّص، فقد أمضى الرسول يوحنّا خمسة أصحاحاتٍ يكتب رسالةً غرضها المعلَن مستحيل التحقيق. كتب لكي يعرف قرّاؤه؛ فإن كانت المعرفة محرَّمةً بوصفها تجاسراً، صارت الرسالة كلّها بلا معنى. لكنّها ليست بلا معنى، بل هي كلمةٌ موحًى بها، أعطاها الروح القدس، وكُتبت بإرشاد الرب يسوع المسيح على يد آخر رسولٍ حيّ. وغرضها هو عين ما يدعوه تْرِنت تجاسراً. فالتعارض بين مجمع تْرِنت وكلمة الإله الموحى بها في هذه المسألة لا يمكن أن يكون أوضح، وعلى المؤمن أن يختار أيّ سلطانٍ يتبع.
الرب يسوع المسيح نفسه وعد باليقين الحاضر
تعليم اليقين لا يبدأ بالرسول يوحنّا، بل بالرب يسوع المسيح نفسه، الذي نطق بأعظم وعود الخلاص التي قيلت على وجه الأرض. قال: «اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَنْ يَسْمَعُ كَلاَمِي وَيُؤْمِنُ بِالَّذِي أَرْسَلَنِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَلاَ يَأْتِي إِلَى دَيْنُونَةٍ، بَلْ قَدِ انْتَقَلَ مِنَ الْمَوْتِ إِلَى الْحَيَاةِ» (يوحنا ٥: ٢٤). تأمّل كلّ عبارة. «من يسمع كلامي ويؤمن» — فالشرط مجرّد السماع والإيمان. «فله» — في الحاضر — «حياةٌ أبديّة»؛ لا أنّه «قد ينالها يوماً إن اتّزن حسابه»، بل له الآن. «ولا يأتي إلى دينونة» — نفيٌ للمستقبل قاطع. «قد انتقل من الموت إلى الحياة» — انتقالٌ تمّ وانقضى. ثلاث يقينيّاتٍ حاضرةٍ في آيةٍ واحدة.
فإن كان الرب يسوع المسيح نفسه يَعِد بهذا لكلّ من يسمع كلامه ويؤمن، فاليقين ليس تجاسراً، بل هو أن نأخذ الرب على كلمته. ورفضُ تصديق ما قاله الرب صراحةً هو ما يُهينه، لا تصديقُه. وقطع الرب يسوع المسيح كلّ طريق هربٍ قد يلجأ إليه القلب غير المؤمن، إذ قال: «كُلُّ مَا يُعْطِينِي الآبُ فَإِلَيَّ يُقْبِلُ، وَمَنْ يُقْبِلْ إِلَيَّ لاَ أُخْرِجْهُ خَارِجًا» (يوحنا ٦: ٣٧). «لا أُخرجه خارجاً» — والنفي في الأصل من أقوى ما يكون. فلن يطرد الرب يسوع المسيح أبداً، تحت أيّ ظرف، ولأيّ سبب، النفسَ التي تُقبل إليه. فإن كنت قد أقبلت إليه، فلك كلمته الشخصيّة أنّه لن يطرحك خارجاً. والشكّ في هذا شكٌّ فيه هو.
الشهادة الثلاثيّة في قلب المؤمن
وكيف يبلغ المؤمن اليقين بأنّه مخلَّص؟ يعيّن الرسول يوحنّا في رسالته الأولى ثلاثة شهودٍ متلاقية، ثلاثة أدلّةٍ داخليّةٍ تُنتج معاً يقيناً راسخاً في نفس المؤمن الحقيقيّ. الشاهد الأوّل شهادة العقيدة: المؤمن يستمرّ في الإيمان بالحقّ في الرب يسوع المسيح. يكتب الرسول يوحنّا: «كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ أَنَّ يَسُوعَ هُوَ الْمَسِيحُ فَقَدْ وُلِدَ مِنَ اللهِ» (يوحنا الأولى ٥: ١). فالقلب الذي يعترف حقّاً بالرب يسوع المسيح ابناً للإله، مخلّصاً إلهيّاً، الوسيط الوحيد بين الإله والناس، يحمل في ذاته أوّل شواهد الولادة الجديدة. فالأديان المزيّفة تنحرف عن لاهوت المسيح، وعن الكفّارة النيابيّة، وعن القيامة الجسديّة؛ أمّا المؤمن الحقيقيّ فيتمسّك بهذه الحقائق.
والشاهد الثاني شهادة المحبّة: المؤمن يختبر محبّةً حقيقيّةً لسائر المؤمنين، وللإله نفسه. يكتب الرسول يوحنّا: «نَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّنَا قَدِ انْتَقَلْنَا مِنَ الْمَوْتِ إِلَى الْحَيَاةِ، لأَنَّنَا نُحِبُّ الإِخْوَةَ» (يوحنا الأولى ٣: ١٤). فالولادة الجديدة تغيّر المشاعر: يجد المؤمن نفسه منجذباً إلى سائر المؤمنين، مشتاقاً إلى اجتماع القدّيسين، حزيناً على الخطيّة، جائعاً إلى كلمة الإله. وهذا ليس شعوراً يصطنعه، بل تحوّلٌ يختبره؛ وهذا التحوّل، مهما كان ناقص التعبير، شاهدٌ على أنّ الحياة الجديدة قد وُهبت.
والشاهد الثالث شهادة الروح القدس نفسه، شهادة الإله الداخليّة لقلب المؤمن. كتب الرسول بولس: «اَلرُّوحُ نَفْسُهُ أَيْضًا يَشْهَدُ لأَرْوَاحِنَا أَنَّنَا أَوْلاَدُ الله» (رومية ٨: ١٦). فالروح القدس، الساكن في كلّ مؤمنٍ حقيقيّ، يشهد مباشرةً في داخل روح المؤمن أنّه ابنٌ للإله. وليس هذا صوتاً مسموعاً ولا اختباراً صوفيّاً، بل اقتناعٌ عميقٌ راسخٌ يُحدثه الروح الساكن: معرفةٌ هادئةٌ لا تتزعزع بأنّ المرء للإله. وهذه الشهادات الثلاث لا تُنتج اليقين وحدها، بل تتلاقى لتؤكّد ما وعدت به كلمة الإله أصلاً. فوعد الكتاب هو الأساس الموضوعيّ لليقين، وشهادة الروح الساكن والحياة المتحوّلة هما التأكيدان الداخليّان. وهي معاً تُنتج في المؤمن عين ما يدعوه تْرِنت مستحيلاً: معرفةً راسخةً واثقةً حاضرةً بالخلاص.
الأمان الأبديّ للمؤمن
وههنا لا بدّ من معالجة عقيدةٍ جوهريّة، لأنّ التعليم الكاثوليكيّ كثيراً ما ينكر ما يؤكّده الكتاب المقدّس مراراً: أنّ الخلاص الذي يُعطى للمؤمن لا يمكن أن يُفقَد. فالنظام الكاثوليكيّ يُلزم المؤمن أن يحفظ نفسه في حال النعمة بتعاونٍ مستمرّ، وخطيّةٌ مميتةٌ واحدةٌ قد تُسقطه ثانيةً في حال الهلاك حتى يعترف وينال الحلّ السرائريّ. فموقف المؤمن الكاثوليكيّ أمام الإله يتأرجح بلا انقطاع: قد يكون مخلَّصاً في الصباح، ويفقد خلاصه بخطيّةٍ خطيرةٍ عند الظهر، ويستردّه بالاعتراف في العصر. لكنّ هذا ليس الأمان الذي يصفه الكتاب المقدّس.
فقد وعد الرب يسوع المسيح في خرافه وعداً يُنهي مسألة هل يمكن أن يُفقَد الخلاص: «وَأَنَا أُعْطِيهَا حَيَاةً أَبَدِيَّةً، وَلَنْ تَهْلِكَ إِلَى الأَبَدِ، وَلاَ يَخْطَفُهَا أَحَدٌ مِنْ يَدِي. أَبِي الَّذِي أَعْطَانِي إِيَّاهَا هُوَ أَعْظَمُ مِنَ الْكُلِّ، وَلاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَخْطَفَ مِنْ يَدِ أَبِي» (يوحنا ١٠: ٢٨-٢٩). حياةٌ أبديّة، وهي بتعريفها لا تنتهي بعد موسمٍ قصير. «لن تهلك إلى الأبد» — أقوى نفيٍ ممكن، يمتدّ إلى المستقبل كلّه بلا استثناء. «ولا أحد»، بمن في ذلك المؤمن نفسه، يقدر أن يخطف النفس المؤمنة من يد الآب. يدان إلهيّتان تمسكان المؤمن، ولا قوّة مخلوقةٍ تقدر أن تفتحهما.
وأكّد الرسول بولس ذلك: «وَاثِقًا بِهذَا عَيْنِهِ أَنَّ الَّذِي ابْتَدَأَ فِيكُمْ عَمَلاً صَالِحًا يُكَمِّلُ إِلَى يَوْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ» (فيلبّي ١: ٦). فالإله نفسه، الذي ابتدأ عمل الخلاص في المؤمن، يتولّى بنفسه إكماله. فالمؤمن ليس مطلوباً منه أن يحفظ نفسه مخلَّصاً بأدائٍ مستمرّ، بل الإله هو الذي يحفظه. وزاد الرسول بولس: «فَإِنِّي مُتَيَقِّنٌ أَنَّهُ لاَ مَوْتَ وَلاَ حَيَاةَ، وَلاَ مَلاَئِكَةَ وَلاَ رُؤَسَاءَ وَلاَ قُوَّاتٍ، وَلاَ أُمُورَ حَاضِرَةً وَلاَ مُسْتَقْبَلَةً، وَلاَ عُلْوَ وَلاَ عُمْقَ وَلاَ خَلِيقَةَ أُخْرَى، تَقْدِرُ أَنْ تَفْصِلَنَا عَنْ مَحَبَّةِ الله الَّتِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا» (رومية ٨: ٣٨-٣٩). فالقائمة جامعة: لا قوّة في الكون كلّه تقدر أن تفصل النفس المؤمنة عن محبّة الإله. وإن كان لا شيء يقدر أن يفصل المؤمن عن محبّة الإله، فالمؤمن لا يمكن أن يُفقَد.
كيف يختلف اليقين عن التجاسر
ولا بدّ أن نجيب بعناية: أوَلا يقود اليقين إلى حياة تهاون؟ إن كان المؤمن واثقاً أنّه مخلَّصٌ ولا يمكن أن يُفقَد، أفلا يشعر أنّه حرٌّ في الخطيّة؟ هذا هو الاعتراض العمليّ الذي يثيره التعليم الكاثوليكيّ أكثر من غيره، والجواب يجب أن يُعطى بأمانة. اليقين الحقيقيّ المؤسَّس على الكتاب لا يُنتج تهاوناً قطّ؛ أمّا اليقين المزيّف المبنيّ على أساسٍ باطلٍ فقد يفعل. فثمّة يقينٌ كاذبٌ يحمله المتديّنون الذين لم يختبروا الولادة الجديدة، الذين يقولون «يا ربّ، يا ربّ» وما توكّلوا قطّ على الرب يسوع المسيح مخلّصاً شخصيّاً، يتمسّكون بقانون إيمانٍ دون أن يختبروا الميلاد الجديد. وقد حذّر الرب من هؤلاء في متّى ٧: ٢١-٢٣، وهم مخدوعون. أمّا المؤمن الذي وُلد حقّاً ثانيةً، الذي يسكنه الروح القدس، الذي غيّرته محبّة الإله، فلا يستقبل اليقين بتهاون، بل بشكرٍ وعبادةٍ وشوقٍ أن يحيا للمخلّص الذي أحبّه هكذا.
وقد وضع الرسول بولس الأمر في كماله: «لأَنَّ مَحَبَّةَ الْمَسِيحِ تَحْصُرُنَا» (كورنثوس الثانية ٥: ١٤). محبّة المسيح تحصر، تضغط، تدفع، تحرّك. فالمؤمن الذي يعلم أنّه محبوبٌ محبّةً لا تُفقَد لا يصير متهاوناً، بل يصير ملتهباً بخدمة الذي أحبّه. والنظام الكاثوليكيّ الذي يحجب اليقين يظنّ أنّه يحفظ القداسة، لكنّه في الحقيقة يُنتج عكس مقصده: فالنفس التي لا تعرف هل هي محبوبةٌ لا تقدر أن تخدم من محبّة، بل من خوفٍ فقط، والخوف دافعٌ ضعيفٌ قصير العمر. أمّا المؤمن الذي يعلم أنّه محبوبٌ من الإله إلى الأبد فيخدم بحرّيّةٍ وفرحٍ لا يُنتجهما شيءٌ آخر. فاليقين ليس عدوّ القداسة، بل هو أساسها.
وسيضغط المدافع الكاثوليكيّ المُدرَّب بالاعتراض الأعمق، فإنّ مجمع تْرِنت لم يكتفِ بالتحذير من التهاون، بل أنزل حرماً على كلّ من يدّعي يقيناً معصوماً بخلاص نفسه، مسمّياً ذلك اليقين خطيّة التجاسر. ويأتي بآيتين لتأييد إنكاره. يستشهد بقول الرسول بولس: «مَنْ يَظُنُّ أَنَّهُ قَائِمٌ فَلْيَنْظُرْ أَنْ لاَ يَسْقُطَ» (كورنثوس الأولى ١٠: ١٢)، وبقوله: «تَمِّمُوا خَلاَصَكُمْ بِخَوْفٍ وَرِعْدَةٍ» (فيلبّي ٢: ١٢)، فيحتجّ بأنّ الكتاب نفسه يمنع اليقين الراسخ الذي ننادي به. لكنّ الآيتين، إذا قُرئتا في سياقهما، لا تعلّمان شيئاً من ذلك، ولا تمسّان أمان المؤمن في المسيح البتّة. فالتحذير في كورنثوس الأولى ١٠: ١٢ واردٌ في وسط حديثٍ عن إسرائيل في البرّيّة، الذين سقطوا في الوثنيّة والزنى وتجربة الإله، والآية تحذّر من الثقة بالذات في الجسد، من الإنسان الذي يتّكل على وقوفه هو لا على الرب الذي يمسكه. فهي تحذيرٌ من الاتّكال على النفس، وهو نقيض اليقين الذي ننادي به؛ إذ إنّ يقيننا لا يستند إلى وقوفنا نحن البتّة، بل إلى العمل المكمَّل للرب يسوع المسيح. أمّا فيلبّي ٢: ١٢ فلا تقول «اعملوا لأجل خلاصكم»، بل «تمِّموا خلاصكم»، أي اعملوا في الحياة اليوميّة بمقتضى الخلاص المنال أصلاً في الداخل، كما تُثبت الآية التالية: «لأَنَّ الله هُوَ الْعَامِلُ فِيكُمْ أَنْ تُرِيدُوا وَأَنْ تَعْمَلُوا مِنْ أَجْلِ الْمَسَرَّةِ» (فيلبّي ٢: ١٣). فالإله هو العامل في المؤمن؛ والخوف والرعدة هما حذر القداسة الموقَّر في نفسٍ مخلَّصةٍ تحيا أمام إلهٍ قدّوس، لا رعب نفسٍ غير واثقةٍ من موقفها. فلا الآيةُ ولا الأخرى تنقض الوعد الصريح بأنّ الرسول يوحنّا كتب رسالته بعينها «لكي تعلموا أنّ لكم حياةً أبديّة». فحرمُ مجمعٍ لا يقوى على غرض رسالةٍ موحًى بها. الإله كتب لكي نعلم؛ فلا يجوز لإنسانٍ أن يدعو تجاسراً أن نصدّق ما كتبه الإله لِيُعلَم.
الصديق الكاثوليكيّ الذي آمن أخيراً
تأمّل ما يحدث حين يسمع كاثوليكيٌّ تقيٌّ إنجيل النعمة ويؤمن به أخيراً. رجلٌ أمضى سبعة عقودٍ يحاول أن يوازن دفتر حسابه، يحضر القدّاس، ويعترف بخطاياه، ويؤدّي عباداته، ويرجو رجاءً غامضاً أن يكون ذلك كافياً، ثمّ يقرأ يوماً الرسول بولس، في رومية ربّما أو في أفسس، فتخترق الكلماتُ قلبه. يرى أنّ الرب يسوع المسيح مات لأجل خطاياه. يرى أنّ العمل قد كَمَل. يرى أنّ العطيّة تُبذَل مجّاناً. وفي تلك اللحظة يكفّ عن محاولة كسب ما لم يكن قطّ ليكسبه، ويقبل ببساطةٍ ما يُعطى مجّاناً.
والتغيّر فوريٌّ لا تخطئه عين: يُطرَح الدفتر، ويحلّ السلام محلّ الخوف، وتحلّ المعرفة الراسخة التي وعد بها الرسول يوحنّا محلّ عدم اليقين. وليس هذا مشهداً متخيَّلاً، بل هو اختبار ملايين الكاثوليكيّين السابقين الذين بلغوا الإيمان الشخصيّ الحقيقيّ بالرب يسوع المسيح. يتكلّمون بصوتٍ واحدٍ عن الفرق بين عدم اليقين الدينيّ ويقين الإنجيل، وعن راحة أن يصدّقوا أخيراً ما يقوله الكتاب فعلاً، وعن قدرتهم لأوّل مرّةٍ في حياتهم أن يواجهوا الموت بلا خوف، لأنّهم عرفوا الذي قهر الموت ويمسكهم في يده.
أساس اليقين هو المسيح وحده
والسبب في أنّ اليقين الكتابيّ لا يتزعزع هو أنّه لا يستند إلى أداء المؤمن، ولا إلى أسراره، ولا إلى أعماله الصالحة، ولا إلى حالته الشعوريّة، بل يستند إلى العمل المكمَّل للرب يسوع المسيح المنال بالإيمان. فالمؤمن ليس مطلوباً منه أن ينظر إلى داخله، إلى استحقاقه هو، ليجد اليقين، بل أن ينظر خارجاً إلى المسيح وإلى عمله المكمَّل على الجلجثة. ولهذا يقدر كاتب العبرانيّين أن يقول: «لِنَتَقَدَّمْ بِقَلْبٍ صَادِق فِي يَقِينِ الإِيمَانِ، مَرْشُوشَةً قُلُوبُنَا مِنْ ضَمِيرٍ شِرِّيرٍ، وَمُغْتَسِلَةً أَجْسَادُنَا بِمَاءٍ نَقِيٍّ» (عبرانيين ١٠: ٢٢). «يقين الإيمان» — لا الجزئيّ، ولا المتردّد، ولا الراجي، بل الكامل. وأساس هذا اليقين الكامل مذكورٌ في الآيات السابقة مباشرةً، التي تصف الدخول إلى الإله المفتوح بدم الرب يسوع المسيح، والطريق الحديث الحيّ الذي كرّسه عبر الحجاب المشقوق. فلأنّ العمل قد كَمَل، ولأنّ الدم قد سُفك، ولأنّ الحجاب قد انشقّ، ولأنّ رئيس الكهنة قد جلس، يقدر المؤمن أن يملك يقيناً كاملاً.
وأعلن الرسول بولس يقينه هو في رسالته الأخيرة، مكتوبةً من سجن الموت في رومية وهو يعلم أنّ إعدامه قريب: «لِهذَا السَّبَبِ أَحْتَمِلُ هذِهِ الأُمُورَ أَيْضًا. لكِنَّنِي لَسْتُ أَخْجَلُ، لأَنَّنِي عَالِمٌ بِمَنْ آمَنْتُ، وَمُوقِنٌ أَنَّهُ قَادِرٌ أَنْ يَحْفَظَ وَدِيعَتِي إِلَى ذلِكَ الْيَوْمِ» (تيموثاوس الثانية ١: ١٢). «عالمٌ» — «موقنٌ» — «قادرٌ». فالرسول بولس، على شفير الاستشهاد، لم يقل «أرجو ذلك» كالكاهن في غرفة المستشفى، بل قال «عالمٌ بمن آمنت». وهذا هو اليقين الذي يُدعى إليه كلّ مؤمنٍ بالرب يسوع المسيح.
والمؤمن الكتابيٌّ لا يتباهى بأعماله بل يتباهى بعمل الإله فيه. فحين يقول «أنا مخلَّصٌ» فهو لا يقول «أنا جيِّدٌ كفاية» بل يقول «الإله كريمٌ بما يكفي». واليقين الكتابيٌّ ليس ثقةً بالنفس بل ثقةٌ بالوعد الإلهيٌّ الثابت الذي لا يتغيَّر بتغيُّر مشاعر الإنسان أو ظروفه أو مستوى أعماله. الإله هو الضامن لا الإنسان — وما ضمنه الإله لا يُنقَض أبدًا لأنّ أمانته أبديّةٌ وقدرته كاملة.
ثلاثة نصوصٍ تُبنى عليها الثقة الكتابيّة باليقين: «لكي تعلموا أنّ لكم حياةً أبديّة» (يوحنا الأولى ٥: ١٣) — الإله نفسه يريد أن تعلم. «قد انتقل من الموت إلى الحياة» (يوحنا ٥: ٢٤) — الانتقال تامٌّ. «لا شيء من الدينونة الآن على الذين هم في المسيح يسوع» (رومية ٨: ١) — صفرٌ مطلق. هذه الثلاثة معًا تُبنى يقينًا صلبًا لا يتزعزع — لا لأنّ الإنسان كافٍ بل لأنّ الإله صادقٌ في وعده والمسيح كاملٌ في عمله على الصليب. فتعالَ بهذا الإيمان الكتابيٌّ واعلَم بما كتبه الإله لكي تعلم.
والكاثوليكيٌّ الصادق الذي يبحث عن السلام لا يجده في تكرار الأسرار بل في قبول وعد الإله بالإيمان الشخصيٌّ المباشر بـيسوع المسيح. وهذا القبول هو ما يُعطيه اليقين الذي طال بحثه عنه.
الختام — تعالَ واعلَم
إن كنت كاثوليكيّاً تقيّاً تقرأ هذه الكلمات، فإنّ الرب يدعوك أن تعلم ما قالت لك كنيستك إنّه مستحيل العلم. يدعوك من عدم اليقين الذي رافقك العمر كلّه إلى سلام الخلاص المكمَّل الحاضر. لست بحاجةٍ أن تنتظر حتى تموت لتعرف هل اتّزن حسابك، بل تستطيع أن تعلم اليوم، في هذه اللحظة عينها، أنّ لك حياةً أبديّة، إن آمنت ببساطةٍ بما قاله الإله عن ابنه. آمِن أنّ الرب يسوع المسيح مات لأجل خطاياك، ودُفن، وقام في اليوم الثالث حسب الكتب (كورنثوس الأولى ١٥: ٣-٤). اقبله شخصيّاً مخلّصاً لك. اتّكل على عمله المكمَّل لا على أدائك المستمرّ. استرِح على الدم الذي سفكه لأجلك على الجلجثة.
وفي اللحظة التي تفعل فيها ذلك، يحقّ لك أن تأخذ لنفسك كلّ يقينٍ يعطيه الكتاب المقدّس: لك حياةٌ أبديّة، ولن تهلك إلى الأبد، وقد انتقلت من الموت إلى الحياة، وأنت ممسوكٌ في يدين إلهيّتين لا يقدر شيءٌ أن يخطفك منهما. لقد استحقّ الشيخ في سرير المستشفى أكثر من الرجاء؛ وكذلك أنت. «مَنْ لَهُ الابْنُ فَلَهُ الْحَيَاةُ، وَمَنْ لَيْسَ لَهُ ابْنُ الله فَلَيْسَتْ لَهُ الْحَيَاةُ. كَتَبْتُ هذَا إِلَيْكُمْ، أَنْتُمُ الْمُؤْمِنِينَ بِاسْمِ ابْنِ الله، لِكَيْ تَعْلَمُوا أَنَّ لَكُمْ حَيَاةً أَبَدِيَّةً» (يوحنا الأولى ٥: ١٢-١٣). لكي تعلموا.
صلاةٌ خاصّة
إن كنت قد حملتَ عمرك كلّه سؤال «هل أنا مخلَّص؟»، وأدركت الآن أنّ الإله يدعوك أن تعلم لا أن ترجو فحسب، فبإمكانك أن تأتي إليه الآن، في هذه اللحظة عينها. لست بحاجةٍ إلى كاهنٍ، ولا إلى وسيطٍ بشريّ، ولا إلى استحقاقٍ تجمعه؛ الرب يسوع المسيح أكمل العمل، ووعد الإله واضح: «مَنْ يُقْبِلْ إِلَيَّ لاَ أُخْرِجْهُ خَارِجًا» (يوحنا ٦: ٣٧). وما يخلّصك ليس ألفاظ الصلاة، بل الإيمان الذي في قلبك بأنّ الرب يسوع المسيح مات لأجلك وقام. فإن شئت أن تُعبّر عن هذا الإيمان بكلماتٍ صادقة، فصلِّ من قلبك إلى الإله الحيّ الذي يسمع:
«أيّها الإله العظيم القدّوس المُحِبّ، الإله الحقيقيّ الوحيد: أمضيتُ عمري أرجو ولا أعلم، أحاول أن أكسب ما لا يُكسَب. أعترف الآن أنّي خاطئ، وأنّ لا أعمالي ولا أسراري ولا استحقاقي يقدر أن يغسل خطيّةً واحدة. أؤمن أنّ ابنك الرب يسوع المسيح مات على الصليب لأجل خطاياي، ودُفن، وقام في اليوم الثالث. في هذه اللحظة أطرح دفتر أعمالي، وأتوكّل عليه وحده مخلّصاً لي، لا على عملٍ مستمرٍّ منّي. اقبلني، واغفر لي، وامنحني أن أعلم — لا أن أرجو فحسب — أنّ لي حياةً أبديّة. أصلّي باسم ربّي ومخلّصي يسوع المسيح. آمين.»
بعد أن صلّيت
إن كنت قد صلّيت هذه الصلاة من قلبٍ مؤمنٍ صادق، فقد نلتَ في هذه اللحظة عين ما قالت لك كنيستك إنّه مستحيل: المعرفة الراسخة بأنّك مخلَّص. ولم تَعُد تنتظر يوم موتك لتعرف، بل تعلم الآن، لأنّ الإله وعد: «كَتَبْتُ هذَا إِلَيْكُمْ، أَنْتُمُ الْمُؤْمِنِينَ بِاسْمِ ابْنِ الله، لِكَيْ تَعْلَمُوا أَنَّ لَكُمْ حَيَاةً أَبَدِيَّةً» (يوحنا الأولى ٥: ١٣). وإليك خطواتٌ تثبّتك:
أوّلاً — اقرأ كلمة الإله كلّ يومٍ. واعلم أنّ النسخة الملك جيمس (KJV) الإنجليزيّة هي أصحّ وأنقى نسخةٍ لكلمة الإله في العالم، كلمته الحقّة النقيّة، وتجدها في هذا الموقع (alinjil.com)؛ وفي العربيّة اقرأ ترجمة فان دايك الموثوقة. ابدأ بإنجيل يوحنّا، لا بعجلةٍ بل بتأمّلٍ وصلاة؛ فإنّ الإله يكلّمك من خلال كلمته.
ثانياً — صلِّ كلّ يومٍ مباشرةً إلى الإله، بكلامٍ من قلبك لا بألفاظٍ محفوظة؛ فقد فُتح لك الآن طريق الدخول إليه مباشرةً بدم الرب يسوع المسيح، دون حاجةٍ إلى وسيطٍ بشريّ.
ثالثاً — اطلب كنيسةً تكرّم كلمة الإله وتنادي بالخلاص بالنعمة وحدها بالإيمان وحده، وانضمّ إلى شركة المؤمنين.
رابعاً — اعتمد كمؤمنٍ طاعةً للرب، اعترافاً علنيّاً بإيمانك الشخصيّ.
خامساً — اشهد لغيرك عن اليقين الذي وجدتَه، خاصّةً لمن يحملون عمرهم سؤال الكاهن في غرفة المستشفى: «نرجو ذلك.» قل لهم إنّ الإله يدعوهم أن يعلموا.
وتذكّر أنّ يقينك لا يستند إلى شعورك ولا إلى عملك، بل إلى وعد الإله الذي لا يتغيّر، وإلى الدم الذي سفكه الرب يسوع المسيح لأجلك. وواظِب على قراءة كلمة الإله في ترجمة فان دايك، لتزداد يقيناً يوماً بعد يوم.
كلمةٌ شخصيّةٌ إليك، أيّها القارئ العزيز
شكراً لك على الوقت الذي قضيته في قراءة هذه الرسالة عن يقين الخلاص الذي يقدّمه الإله بالرب يسوع المسيح. إن كنت قد قبلت المسيح مخلّصاً شخصيّاً لك، فقد صرت ابناً للإله إلى الأبد، ولك أن تعلم — لا أن ترجو فحسب — أنّ لك حياةً أبديّة. «اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَنْ يَسْمَعُ كَلاَمِي وَيُؤْمِنُ بِالَّذِي أَرْسَلَنِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَلاَ يَأْتِي إِلَى دَيْنُونَةٍ، بَلْ قَدِ انْتَقَلَ مِنَ الْمَوْتِ إِلَى الْحَيَاةِ» (يوحنا ٥: ٢٤).
ونشجّعك أن تبدأ بقراءة إنجيل يوحنّا بنفسك، وأن تواظب على كلمة الإله في النسخة الملك جيمس (KJV)، أصحّ وأنقى كلمة الإله في العالم، وفي ترجمة فان دايك في العربيّة، وكلتاهما في هذا الموقع، وأن تشارك هذا اليقين مع كلّ من يحمل عبء عدم اليقين الدينيّ. ليباركك الإله وأنت تستريح في الخلاص المكمَّل الذي وفّره لك ابنه.
دعوة لنوال الخلاص الإلهي — اقبل الرب يسوع المسيح كمخلصك الشخصي
عزيزي القارئ — إن لمست هذه الكلمات قلبك وأدركت أنك خاطئ بحاجة إلى مخلّص، فاعلم أن الإله يدعوك إليه في هذه اللحظة بالذات. لست بحاجة إلى كاهن، ولا إلى وسيط بشري، ولا إلى مكان مقدس، ولا إلى طقوس أو أعمال. الرب يسوع المسيح دفع الثمن كاملاً على الصليب، ووعدُ الإله قاطع وواضح:
ما يخلّصك ليس ألفاظ هذه الصلاة — بل الإيمان الذي في قلبك بأن الرب يسوع المسيح مات لأجلك وقام من الأموات. لكن إن أردت أن تعبّر عن إيمانك بكلمات صادقة، اقرأ هذه الصلاة بقلب خاشع وكأنك تخاطب الإله الحيّ:
صلاة الخلاص
«أيّها الإله العظيم القدّوس المُحِبّ، الإله الحقيقيّ الوحيد،
آتي إليك الآن بكل تواضع، معترفاً أنّي خاطئ. لقد كسرت وصاياك مرّاتٍ كثيرة في فكري وفي كلامي وفي أعمالي. وأعرف أنّ خطيّتي تستحقّ الموت الأبديّ والانفصال عنك إلى الأبد. لا أملك أيّ عملٍ صالحٍ أقدّمه يستطيع أن يفدي نفسي، ولا أيّ برٍّ من ذاتي أستر به عُريي أمام قداستك.
لكنّي أؤمن من كلّ قلبي بشهادة كلمتك أنّ ابنك الوحيد، الرب يسوع المسيح، مات على الصليب من أجل خطاياي — حاملاً عنّي العقوبة التي كنت أستحقّها. أؤمن أنّه دُفن، وأنّه قام من الأموات في اليوم الثالث، حيّاً منتصراً على الموت والقبر، وأنّه حيٌّ الآن إلى أبد الآبدين.
في هذه اللحظة المباركة، أنا أقبل الرب يسوع المسيح مخلّصاً شخصياً لي. أتّكل عليه وحده — لا على أعمالي، ولا على ديني، ولا على طقوسٍ ولا على إنسانٍ ولا على ملاكٍ ولا على قدّيس. على الرب يسوع المسيح وحده، وعلى دمه الكريم المسفوك على الصليب، أبني رجاء خلاصي الأبدي.
أشكرك يا أبي لأنّك قبلتني الآن في الرب يسوع المسيح، وغفرت لي كلّ خطاياي، وأعطيتني الحياة الأبدية هبةً مجانيّةً بنعمتك. أشكرك لأنّك أرسلت روحك القدوس ليسكن في قلبي، شاهداً لي بأنّي صرت ابنك. أعطني نعمةً أن أعرفك أكثر يوماً بعد يومٍ، وأن أحيا بقيّة حياتي لمجدك وحدك.
أصلّي هذا كلّه باسم ربّي ومخلّصي يسوع المسيح، بقوّة الروح القدس. آمين.»
بعد أن صلّيت — ما العمل الآن؟
إن صلّيت هذه الصلاة من قلبٍ مؤمنٍ صادق، فقد حدثت في هذه اللحظة أعظم معجزةٍ في تاريخك كلّه: انتقلت من الموت إلى الحياة، ومن الظلمة إلى النور، ومن مملكة الخطية إلى ملكوت ابن الإله الحبيب. صرتُ ابنًا للإله الحيّ، ووعد الإله نفسه يضمن لك ذلك بكلمته الموثوقة:
لاحظ معي قوّة هذا الوعد: «أعطاهم سلطاناً» — أي حقّاً ثابتاً مضموناً، لا أمنيةً ولا احتمالاً. ولاحظ كلمة «المؤمنون باسمه» — ليس «الذين عملوا أعمالاً عظيمة»، ولا «الذين أتمّوا الطقوس»، بل ببساطة «المؤمنون». أنت الآن واحدٌ منهم — بكلّ تأكيدٍ ويقين.
وإليك خمس خطوات بسيطة تثبّتك في حياتك الجديدة مع الرب يسوع المسيح:
أولاً — اقرأ الكتاب المقدس يومياً. ابدأ بإنجيل يوحنا، ثمّ تابع بقيّة العهد الجديد، ثمّ المزامير والأمثال. الإله يتكلّم معك من خلال كلمته كما يتكلّم الأب مع ابنه. لا تقرأ بسرعة — اقرأ بتأمّلٍ وصلاة. «اَلصَّبِيُّ الَّذِي مُنْذُ الطُّفُولِيَّةِ تَعْرِفُ الْكُتُبَ الْمُقَدَّسَةَ، الْقَادِرَةَ أَنْ تُحَكِّمَكَ لِلْخَلاَصِ» (تيموثاوس الثانية ٣: ١٥).
ثانياً — صلِّ يومياً. كلّم الإله كأبٍ محبّ — ليس بألفاظٍ محفوظة، بل بكلامٍ من قلبك. شاركه أفراحك وأحزانك وأسئلتك ومخاوفك. الصلاة هي تنفّس الحياة المسيحية. «صَلُّوا بِلاَ انْقِطَاعٍ» (تسالونيكي الأولى ٥: ١٧).
ثالثاً — انضمّ إلى كنيسةٍ تؤمن بالكتاب المقدّس. لا تسير في الطريق وحدك. الإيمان ينمو في شركة المؤمنين، حيث الكلمة تُكرز بأمانة، والمعمودية والعشاء الربّاني يُمارسان بحسب الكتاب. «غَيْرَ تَارِكِينَ اجْتِمَاعَنَا» (العبرانيين ١٠: ٢٥).
رابعاً — اعتمد بحسب الكتاب المقدّس. المعمودية ليست شرطاً للخلاص، لكنّها الخطوة الأولى للطاعة بعد الإيمان. هي إعلانٌ علنيّ بأنّك متّ مع الرب يسوع المسيح ودُفنت معه وقمت معه إلى حياةٍ جديدة. «مَنْ آمَنَ وَاعْتَمَدَ خَلَصَ» (مرقس ١٦: ١٦) — الإيمان أوّلاً، ثمّ المعمودية كثمرة طبيعيّة للإيمان.
خامساً — اشهد للآخرين عن الرب يسوع المسيح. ما اختبرته من خلاصٍ ومحبّة لا يمكن أن يبقى مكتوماً. ابدأ بأقربائك وأصدقائك. اروِ لهم ببساطة وصدق كيف غيّر الرب يسوع المسيح حياتك. «اَلَّذِي رَأَيْنَاهُ وَسَمِعْنَاهُ نُخْبِرُكُمْ بِهِ» (يوحنا الأولى ١: ٣).
وأخيراً، تذكّر دائماً أنّ خلاصك ليس مبنياً على شعورك ولا على عمل تعمله — بل على وعد الإله الذي لا يتغيّر:
«كَتَبْتُ هذَا إِلَيْكُمْ أَنْتُمُ الْمُؤْمِنِينَ بِاسْمِ ابْنِ اللهِ لِكَيْ تَعْلَمُوا أَنَّ لَكُمْ حَيَاةً أَبَدِيَّةً»
— يوحنا الأولى ٥: ١٣
لاحظ: «لِكَيْ تَعْلَمُوا» — ليس لكي ترجو، ولا لكي تتمنّى، ولا لكي تنتظر بقلقٍ يوم الدينونة. بل لكي تعلم بيقينٍ كاملٍ ثابتٍ لا يتزعزع أنّ لك حياةً أبديّة. هذا هو الفرق بين كلّ دياناتٍ العالم وبين إنجيل الرب يسوع المسيح: الأديان تقول «اعمل وربّما تخلص» — وكلمة الإله وحدها تقول: «آمن واعلم أنّك مخلّص».
«يَكُونُ فَرَحٌ قُدَّامَ مَلاَئِكَةِ اللهِ بِخَاطِئٍ وَاحِدٍ يَتُوبُ» — لوقا ١٥: ١٠