الابنة التي أحبّت أمّها أكثر من أن تحبّ الحقّ
كانت جدّتها تحتفظ بمزارٍ صغيرٍ في زاوية المطبخ: تمثالٌ خزفيٌّ لمريم بردائها الأزرق، وشمعةٌ نذريّةٌ لا تنطفئ، ومسبحةٌ مُلقاةٌ عند قدميه. وتعلّمت الطفلة أنّ جدّتها تكلّم مريم كلّ صباحٍ قبل أن تكلّم أحداً سواها. وفي مراهقتها تعلّمت أنّ مريم هي «الحنونة»، التي تلجأ إليها حين يبدو لك الآب صارماً، وحين يبدو لك الرب يسوع المسيح قدّوساً بعيداً، وحين تحتاج إلى أذنٍ أرقّ أذنِ أمّ. ولمّا بلغت الأربعين، كانت قد أمضت في الصلاة لمريم ساعاتٍ أكثر ممّا أمضت قطّ في قراءة الكتاب المقدّس. وفي مساءٍ واحد، فتحت لوقا الأصحاح الأوّل لأوّل مرّةٍ منذ سنين، فقرأت جملةً شطرت لاهوت جدّتها شطرين: «وَتَبْتَهِجُ رُوحِي بِالله مُخَلِّصِي» (لوقا ١: ٤٧). دعت مريمُ الإلهَ مُخلِّصها. مريم احتاجت إلى مُخلِّص.
كانت مريم فتاةً يهوديّةً متواضعةً اختارها الإله لكرامةٍ لا تُوصَف، لكنّها لم تكن المخلّص، ولا شريكةً في الفداء، ولا ملكةَ السماء، ولا أمَّ كلّ النِّعَم، ولا أحداً تُرفَع إليه الصلاة. والجواب الواضح عن سؤال دور مريم في الخلاص كلمةٌ واحدة: لا دور لها. فليس لها دورٌ في خلاصنا، لأنّ عمل الخلاص يخصّ الرب يسوع المسيح وحده، ومريم نفسها ابتهجت به مخلِّصاً لها. والكتاب المقدّس يكرّم مريم، بل يكرّمها كثيراً، لكنّ التكريم والعبادة ليسا شيئاً واحداً، والخطّ بينهما هو الفرق بين السماء والوثنيّة.
ماذا يقول الكتاب المقدّس عن مريم
الكتاب المقدّس يكرّم مريم تكريماً عالياً. قالت لها أليصابات: «مُبَارَكَةٌ أَنْتِ فِي النِّسَاءِ، وَمُبَارَكَةٌ هِيَ ثَمَرَةُ بَطْنِكِ» (لوقا ١: ٤٢). وتنبّأت مريم بنفسها: «فَهُوَذَا مُنْذُ الآنَ جَمِيعُ الأَجْيَالِ تُطَوِّبُنِي» (لوقا ١: ٤٨). كانت الإناء المختار الذي به أخذ الرب يسوع المسيح جسداً بشريّاً. آمنت حين شكّ آخرون. حفظت كلام الإله متفكّرةً به في قلبها (لوقا ٢: ١٩). وقفت عند الصليب حين هرب معظم التلاميذ (يوحنا ١٩: ٢٥). وبعد الصعود كانت في العلّيّة مع المؤمنين تصلّي، إلى جانبهم لا فوقهم (أعمال الرسل ١: ١٤).
تلك هي مريم الكتابيّة: مؤمنةٌ، مباركةٌ، متواضعةٌ، أمينةٌ، في الصلاة مع الكنيسة، لا فوقها. هي مكرَّمةٌ لأنّها اختيرت، ومحبوبةٌ لأنّها آمنت. لكنّ التكريم والعبادة ليسا واحداً، وما إن يُعبَر ذلك الخطّ حتى يصير الإكرام عبادةً، والعبادة لغير الإله وثنيّة.
ما لا يقوله الكتاب المقدّس عن مريم
الكتاب المقدّس لا يحوي آيةً واحدة، ولا واحدة، تأمر أيّ مؤمنٍ في أيّ عصرٍ أن يصلّي لمريم. ولا نصّ يسمّيها ملكة السماء. ولا نصّ يدعوها شريكةً في الفداء أو شفيعةً وسيطة. ولا نصّ يعلّم حبَلها بلا دنس، ولا بتوليّتها الدائمة، ولا انتقالها بالجسد إلى السماء. هذه العقائد المريميّة المركزيّة الأربع، كلّ واحدةٍ منها، غائبةٌ عن كلمة الإله. جاءت من التقليد، ومن تقوى القرون الوسطى، ومن إعلاناتٍ كنسيّةٍ متأخّرة، ومن كتبٍ، كما سنرى، لم يوحِ بها الإله قطّ.
وصمت الكتاب صمتٌ عالي الصوت. فلو كانت مريم شريكةً وسيطةً مع الرب يسوع المسيح، لكتب الرسول بولس ذلك. ولو كانت ملكة السماء، لرآها الرسول يوحنّا في سفر الرؤيا، وهو الذي رأى السماء مفتوحةً، ولرآها مكلَّلةً وكتب عنها. ولو كان علينا أن نصلّي لها، لذكرها الرب في نموذج الصلاة في متّى ٦. فالعهد الجديد كلّه صامتٌ عن كلّ عقيدةٍ مريميّةٍ إلّا الواحدة التي يعلّمها الكتاب فعلاً: أنّها كانت مؤمنةً مباركةً عظّمت الرب.
الرب يسوع المسيح نفسه صحّح المغالاة في تعظيم مريم
مرّتين في الأناجيل صرف الرب يسوع المسيح مباشرةً من حاولوا أن يرفعوا مريم فوق مقامها. في المرّة الأولى، صرخت امرأةٌ من الجمع: «طُوبَى لِلْبَطْنِ الَّذِي حَمَلَكَ وَالثَّدْيَيْنِ اللَّذَيْنِ رَضِعْتَهُمَا» (لوقا ١١: ٢٧). كان قولاً صادقاً عاطفيّاً، من النوع الذي يُحتفى به في التقليد الكاثوليكيّ. لكنّ الرب يسوع المسيح أجابها في الحال: «بَلْ طُوبَى لِلَّذِينَ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللهِ وَيَحْفَظُونَهُ» (لوقا ١١: ٢٨). لم ينكر بركة مريم، بل صرف البركة: فأعلى كرامةٍ ليست الأمومة الجسديّة للمسيح، بل الطاعة الروحيّة للإله.
وفي المرّة الثانية، كانت أمّه وإخوته يطلبونه، فقال له الجمع: «هُوَذَا أُمُّكَ وَإِخْوَتُكَ وَاقِفُونَ خَارِجًا طَالِبِينَ أَنْ يُكَلِّمُوكَ» (متّى ١٢: ٤٧). فأجاب: «مَنْ هِيَ أُمِّي وَمَنْ هُمْ إِخْوَتِي؟... فَإِنَّ مَنْ يَصْنَعُ مَشِيئَةَ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ هُوَ أَخِي وَأُخْتِي وَأُمِّي» (متّى ١٢: ٤٨-٥٠). مرّةً أخرى، العلاقة الروحيّة تفوق العلاقة الجسديّة. فبكلماته هو، رفض الرب يسوع المسيح نفسه أن يرفع مريم فوق المؤمن الذي يصنع مشيئة الإله.
مريم احتاجت إلى مخلّص — وقالت ذلك بنفسها
عقيدة الحبل بلا دنس، التي أعلنها البابا بيوس التاسع سنة ١٨٥٤، تعلّم أنّ مريم حُبِل بها بلا خطيّةٍ أصليّة. لكنّ شهادة مريم نفسها تناقضها. أعلنت: «تُعَظِّمُ نَفْسِي الرَّبَّ، وَتَبْتَهِجُ رُوحِي بِالله مُخَلِّصِي» (لوقا ١: ٤٦-٤٧). فالشخص الذي بلا خطيّةٍ لا يحتاج إلى مخلِّص. وترنيمة مريم الموحى بها تعترف بأنّ لها مخلِّصاً، ومعنى ذلك أنّها كانت خاطئةً كسائر نسل آدم، إذ يكتب الرسول بولس: «إِذِ الْجَمِيعُ أَخْطَأُوا وَأَعْوَزَهُمْ مَجْدُ الله» (رومية ٣: ٢٣). و«الجميع» لا يقف ليستثني مريم.
ولم تكن مريم أيضاً البتول الدائمة. فبعد ولادة الرب يسوع المسيح، صار لها أولادٌ آخرون مع يوسف، سمّاهم أهل الناصرة: «أَلَيْسَ هذَا ابْنَ النَّجَّارِ؟ أَلَيْسَتْ أُمُّهُ تُدْعَى مَرْيَمَ، وَإِخْوَتُهُ يَعْقُوبَ وَيُوسِي وَسِمْعَانَ وَيَهُوذَا؟ أَوَلَيْسَتْ أَخَوَاتُهُ جَمِيعُهُنَّ عِنْدَنَا؟» (متّى ١٣: ٥٥-٥٦). أربعة إخوةٍ مسمَّون، وأخواتٌ بصيغة الجمع. كانت مريم أمّاً متزوّجةً عاديّةً بعد الولادة العذراويّة لربّنا.
الكتاب الكاثوليكيّ يحوي أسفاراً إضافيّةً ليست من الإله
وههنا لا بدّ من كشف مسألةٍ أعمق. فكثيرٌ من العقائد التي بُنيت حول مريم لم تأتِ من الكتاب المقدّس أصلاً، بل من تقاليد منحولةٍ ومن أسفارٍ لم يوحِ بها الإله قطّ. فالكتاب الكاثوليكيّ يضيف سبعة أسفارٍ وعدّة مقاطعَ موسَّعةٍ ليست في الكتب العبرانيّة، ولم يقبلها اليهود قطّ جزءاً من كلمة الإله: طوبيّا، ويهوديت، وحكمة سليمان، وابن سيراخ، وباروخ، والمكّابيّين الأوّل والثاني، مع فصولٍ مُضافةٍ إلى أستير ودانيال. وتُدعى هذه الأسفار «الأبوكريفا». ولماذا يرفضها المسيحيّون المؤمنون بالكتاب أسفاراً غير قانونيّة؟
أوّلاً، إنّ اليهود، الذين يقول عنهم الرسول بولس إنّهم «اسْتُؤْمِنُوا عَلَى أَقْوَالِ الله» (رومية ٣: ٢)، لم يقبلوها قطّ في قانونهم. ائتمن الإله إسرائيل على العهد القديم، وإسرائيل لم يعترف قطّ بهذه الأسفار كتاباً مقدّساً. ثانياً، إنّ الرب يسوع المسيح نفسه، الذي اقتبس من العهد القديم القانونيّ مئات المرّات، لم يقتبس قطّ من الأبوكريفا، ولا مرّةً واحدة؛ فصاحب الكتاب نفسه تجاوز هذه الأسفار. ثالثاً، إنّ الرسل لم يقتبسوا منها قطّ ككتابٍ مقدّسٍ في العهد الجديد. رابعاً، إنّها تناقض بقيّة الكتاب: فطوبيّا تعلّم أنّ الصدقة تطهّر الخطيّة (طوبيّا ١٢: ٩)، مناقضةً مباشرةً «لأَنَّكُمْ بِالنِّعْمَةِ مُخَلَّصُونَ، بِالإِيمَانِ، وَذلِكَ لَيْسَ مِنْكُمْ. هُوَ عَطِيَّةُ اللهِ.» (أفسس ٢: ٨)، والمكّابيّين الثاني يعلّم الصلاة عن الموتى (المكّابيّين الثاني ١٢: ٤٤-٤٥)، مناقضاً مباشرةً «وُضِعَ لِلنَّاسِ أَنْ يَمُوتُوا مَرَّةً ثُمَّ بَعْدَ ذلِكَ الدَّيْنُونَةُ» (عبرانيين ٩: ٢٧). خامساً، إنّ مجمع تْرِنت سنة ١٥٤٦ كان أوّل مجمعٍ يعلن رسميّاً قانونيّة هذه الأسفار للكاثوليك، وجاء هذا الإعلان ردّاً مباشراً على الإصلاح البروتستانتيّ، بعد الرب يسوع المسيح بخمسة عشر قرناً.
وهذه الأسفار الإضافيّة تمدّ نصوصاً مريحةً للصلاة عن الموتى، وللمطهر، وللخلاص بالأعمال، وللاستحقاقات البشريّة، وهي العقائد عينها التي ترتكز عليها المريميّة الكاثوليكيّة جزئيّاً. انزع الأبوكريفا ينهَر كثيرٌ من أساس العقيدة الكاثوليكيّة. وينبغي أن ينهار، لأنّه «كُلُّ كَلِمَةٍ مِنَ اللهِ نَقِيَّةٌ. هُوَ تُرْسٌ لِلْمُحْتَمِينَ بِهِ. لاَ تَزِدْ عَلَى كَلِمَاتِهِ لِئَلاَّ يُوَبِّخَكَ فَتُكَذَّبَ» (أمثال ٣٠: ٥-٦).
العقائد المريميّة الأربع — من أين جاءت حقّاً
العقيدة الأولى، البتوليّة الدائمة، زُعِمت أوّلاً نحو القرن الرابع، مناقضةً متّى ١٣: ٥٥-٥٦. والعقيدة الثانية، لقب «أمّ الإله»، أُعلِنت في مجمع أفسس سنة ٤٣١، في الأصل للدفاع عن لاهوت المسيح، ثمّ نُفِخت لاحقاً حتى صارت أساساً لعبادة مريم. والعقيدة الثالثة، الحبل بلا دنس، أعلنها البابا بيوس التاسع سنة ١٨٥٤، بعد الرسل بثمانية عشر قرناً، مناقضةً لوقا ١: ٤٧ ورومية ٣: ٢٣. والعقيدة الرابعة، انتقال مريم بالجسد إلى السماء، أعلنها البابا بيوس الثاني عشر سنة ١٩٥٠، بعد الرسل بتسعة عشر قرناً، بلا أيّ آيةٍ تسندها البتّة.
كلّ عقيدةٍ جديدةٍ جاءت متأخّرةً عن سابقتها، وكلّ واحدةٍ كانت نتاج مرسومٍ بشريٍّ لا إعلانٍ إلهيّ. وكلمة الإله كانت قد استقرّت قبلها جميعاً بدهور، وكلمة الإله وحدها هي قاعدة الإيمان.
إرث مريم الحقيقيّ — شاهدةٌ لا وسيطة
لو استطاعت مريم أن تكلّم عابديها اليوم، فماذا كانت تقول؟ كانت تقول ما قالته في قانا، وهو الأمر الوحيد الذي أعطته لأيّ إنسانٍ في العهد الجديد: «مَهْمَا قَالَ لَكُمْ فَافْعَلُوهُ» (يوحنا ٢: ٥). أشارت بعيداً عن نفسها، وإلى الرب يسوع المسيح. لم تقل «صلّوا لي». ولم تقل «تعالوا إليّ أوّلاً». ولم تقل «أنا ملكة السماء». بل قالت: «مهما قال لكم فافعلوه».
تلك هي مريم الحقيقيّة: متواضعةٌ، مؤمنةٌ، تعظّم ابنها لا نفسها. وأمّ ربّنا كانت تُذعَر لو رأت ملايين الناس يصلّون لتمثالٍ خزفيٍّ يحمل اسمها، بينما يتجاهلون الابن الذي أشارت إليه. لقد كان كلّ همّها أن تُخفي نفسها وراءه، فكيف يُجعَل منها ندّاً له؟
الوساطة المريميّة — لا أساس لها في الكتاب
تُعلّم الكاثوليكيّة أنّ مريم «وسيطةُ نعمةٍ» بين المؤمنين والمسيح. لكنّ الكتاب يقول صراحةً: «لأنّه يوجد وسيطٌ واحدٌ بين الإله والناس: الإنسان يسوع المسيح» (١ تيموثاوس ٢: ٥). «واحدٌ» — العدد محدَّدٌ بوضوح. إضافة مريم كوسيطةٍ ثانيةٍ تُضيف على كلمة الكتاب وتتعارض مع هذا الإعلان القاطع. ومريم نفسها لم تدّعِ هذا الدور يومًا — بل نقلت الحضار إلى ابنها مباشرةً: «مهما قال لكم فافعلوا» (يوحنا ٢: ٥). حتّى في الأعراس توجّه مريم المؤمنين ليس إليها بل إلى ابنها.
والصلوات لمريم أو طلب شفاعتها مشكلةٌ كتابيّةٌ لأنّها توجّه العبادة لغير الإله. الصلاة في طبيعتها عبادةٌ — وهي لـالإله وحده في الكتاب. «اعبد الربّ إلهك وإيّاه وحده اخدِم» (متّى ٤: ١٠).
مريم في الكنيسة الأولى — مؤمنةٌ بين المؤمنين
في أعمال الرسل ١: ١٤، نجد ذكرًا وحيدًا لمريم بعد صعود الربّ: «هؤلاء جميعهم كانوا يواظبون بنفسٍ واحدةٍ على الصلاة والطلبة مع النساء ومريم أمّ يسوع». مريم في الكنيسة الأولى لم تكن تُعبَد ولم تكن تُوجّه الكنيسة ولم تكن مصدرًا للتعليم. كانت واحدةً من المؤمنين تُصلّي مع إخوتها. هذه هي مريم الكتابيّة — مؤمنةٌ متواضعةٌ تعبد ابنها مع رفاقها المؤمنين. وهذه المكانة الكتابيّة أجمل وأعمق من مكانة الوسيطة التي أُضيفت عليها في القرون اللاحقة.
ماذا نقول لأحبّائنا الكاثوليك؟
نقول لكلّ من تربّى على محبّة مريم وتعظيمها: نحن لا ننتقص من مكانة مريم الحقيقيّة في الكتاب — هي مباركةٌ بين النساء، والدةٌ للمسيح بحسب الجسد، نموذجٌ للإيمان والطاعة والتسليم لـالإله. لكنّ الكتاب يُعلّمنا أن نتوجّه بعبادتنا وصلواتنا وطلباتنا إلى الإله وحده بـالربّ يسوع المسيح وحده. ومريم نفسها — لو سُئلت — ستوجّهك إلى ابنها وليس إليها. هذا ما فعلته في قانا وهذا ما تفعله كلمتها الوحيدة الموجَّهة للمؤمنين في الكتاب: «مهما قال لكم فافعلوا».
الدفاع الكتابيّ — ردٌّ موضوعيٌّ لا عدائيٌّ
الموقف الكتابيّ من تعظيم مريم ليس موقف العداء أو ازدراء مريم — بل موقف الأمانة للكتاب. فالكتاب يكرّم مريم بما تستحقّ دون أن يُضيف عليها ما لا تستحقّ. ونفيُ عقيدة الوساطة المريميّة والعصمة ومعاني التأليه غير المباشر — ليس تقليلًا من مريم بل أمانةٌ للحقيقة. ومريم نفسها آمنت بـالإله مخلِّصها — «تبتهج روحي بالإله مخلِّصي» (لوقا ١: ٤٧) — وأيّ مؤمنٍ صادق يسلك بنفس الروح: الابتهاج بـالإله مخلِّصًا لا بمريم شفيعةً.
والمحبّة الحقيقيّة لمريم تعني اتّباع مثالها الكتابيّ — الإيمان بابنها والطاعة له والتسليم لمشيئته — لا تبجيلها بعبادةٍ لم تطلبها ولم تقبلها ولم يأذن بها الكتاب.
العقائد المريميّة — تعارضٌ مع الكتاب
الكاثوليكيّة أعلنت أربع عقائدٍ مريميّة أساسيّةٍ لا أساس لأيٍّ منها في الكتاب المقدّس: أوّلًا — الولادة الدائمة البتوليّة (أنّ مريم بقيت بتولًا بعد ولادة يسوع): الكتاب يذكر صراحةً «إخوة يسوع» (متّى ١٣: ٥٥، مرقس ٣: ٣١). ثانيًا — عصمة مريم من الخطيئة: الكتاب يقول «الجميع أخطأوا» (رومية ٣: ٢٣). ثالثًا — نقل مريم إلى السماء بجسدها: لا نصّ كتابيٌّ يُشير إليه. رابعًا — الملكة الأمّ «ملكة السماء»: تعبيرٌ ورد في إرميا ٧: ١٨ وإرميا ٤٤: ١٧ كوصفٍ لصنمٍ كاناني كان بنو إسرائيل يعبدونه فعوقبوا على ذلك. وكلّ هذه العقائد أُعلنت بمراسيم بابويّةٍ متأخّرةٍ (الأخيرة عام ١٩٥٠م) لا بالكتاب.
الإيمان بالمسيح — هو الخلاص الحقيقيّ
في نهاية هذا النقاش، الحقيقة الكتابيّة التي لا تتغيّر: الخلاص بالإيمان الشخصيّ بـالربّ يسوع المسيح وحده. «آمِن بالربّ يسوع المسيح فتخلُص» (أعمال ١٦: ٣١). لا مريم ولا قدّيسٌ ولا وسيطٌ آخر. يسوع المسيح هو «الطريق والحقّ والحياة» و«لا يأتي أحدٌ إلى الآب إلّا به» (يوحنا ١٤: ٦). ومريم نفسها تشهد بهذا — «مخلِّصي» سمّته في نشيدها. وكلّ من يُؤمن بـيسوع مباشرةً يكون قد سلك في المسار الذي سلكته مريم نفسها — الإيمان الكتابيّ المباشر بـالإله المخلِّص.
نشيد مريم — العبادة لله وحده
النشيد الجميل الذي تنشده مريم في إنجيل لوقا (١: ٤٦-٥٥) — المعروف بـ«ماغنيفيكات» — هو نشيد عبادةٍ لـالإله وليس لنفسها. «تُعظِّم نفسي الربّ وابتهج روحي بـالإله مخلِّصي» — الإله هو المُعظَّم لا مريم. «لأنّه نظر إلى اتّضاع أمته» — اتّضاعٌ لا عظمةٌ ذاتيّة. «لأنّ القدير صنع بي عظائم» — الإله هو الفاعل. مريم في هذا النشيد تُشير إلى الإله باستمرار لا إلى ذاتها. وهذا نموذجٌ للمؤمن الكتابيّ: العبادة الحقيقيّة كلّها لـالإله وحده، والأدوات البشريّة ومهما كانت مشرَّفةً تبقى أدواتٍ لا غايات.
محبّة مريم الحقيقيّة هي اتّباع إيمانها
لو أردنا فعلًا الاقتداء بمريم فأجمل ما نقتدي به هو إيمانها وتسليمها لـالإله: «هأنذا أمة الربّ ليكن لي كقولك» (لوقا ١: ٣٨). هذا التسليم الكامل لإرادة الإله، وهذا الإيمان الفوريّ بكلام الملاك، وهذا الاستعداد للتكلّف بكلّ ما تتضمّنه المشيئة الإلهيّة — هذا هو مثال مريم الكتابيّ الحقيقيّ. فمريم آمنت بـالإله وأطاعته وحملت ابنه وربّته — ولم تُعلّم الكنيسة ولم تطلب تبجيلها. والمؤمن الذي يسير بنفس روح الإيمان والتسليم لـالإله الذي رأيناه في مريم — يكون قد اقتدى بها حقًّا. وهذا الاقتداء بالإيمان لا بالطقوس هو الأعمق والأبقى والأكثر انسجامًا مع الطبيعة الروحيّة للإيمان المسيحيّ الكتابيّ الصافي الذي دعا الكتاب كلّ مؤمنٍ إليه — الإيمان المبنيّ على الكتاب وحده، والصلاة الموجَّهة لـالإله وحده، والخلاص بـالمسيح وحده، وكلّ الشهادة مُوجَّهةٌ لـمجد الإله وحده.
مريم وإخوة يسوع — الدليل الكتابيٌّ على بشريّتها الكاملة
الكتاب يذكر بوضوحٍ «إخوة يسوع» و«أخواته» (مرقس ٦: ٣، متّى ١٣: ٥٥). يعقوب ويوسف وسمعان ويهوذا — هؤلاء الأربعة مذكورون بالاسم كإخوةٍ لـيسوع. والكاثوليكيّة تُفسّرهم بأنّهم أبناء يوسف من زواجٍ سابق أو أبناء عمّه — لكنّ هذه التفسيرات تتجاوز ظاهر النصّ. الكلمة اليونانيّة «ἀδελφός» (أخٌ) في سياقها الطبيعيّ تعني الأخ الشقيق. ومريم لم تبقَ بتولًا بعد الولادة بحسب الكتاب — «ولم يعرفها [يوسف] حتّى ولدت ابنها البكر» (متّى ١: ٢٥). «حتّى» تُشير بوضوحٍ إلى أنّ ما قبله انتهى بعد الحدث المذكور. ويوسف ومريم كانا زوجَين حقيقيّين — وزواجٌ حقيقيٌّ في الكتاب يتضمّن العلاقة الزوجيّة الكاملة. وليس في الكتاب أيّ نصٍّ يدعونا لإبقاء مريم بتولًا مدى الحياة — هذا استنتاجٌ لاحقٌ لم يكن في ذهن الكتّاب الكتابيّين، وفُرض لاحقًا لتثبيت عقيدةٍ لاهوتيّةٍ ليس لها سندٌ مباشرٌ في كلمة الإله.
الكاثوليكيّة والإنجيليّون — نقطة الاتّفاق الجوهريّة
المؤمنون الكاثوليك الذين يُؤمنون حقًّا بـالربّ يسوع المسيح كابن الإله ومخلِّصٍ شخصيٍّ هم إخوةٌ حقيقيّون بصرف النظر عن الخلافات المريميّة. والخلاف حول مكانة مريم خلافٌ في الفهم والممارسة — لكنّ الأساس المشترك الإيمان بـيسوع المسيح ابن الإله ومخلِّص الخطاة. والدعوة ليست للتخلّي عن المحبّة لمريم — بل لأن تُصحَّح تلك المحبّة بما يتّفق مع الكتاب: مريم مشرَّفةٌ ومُكرَّمةٌ ومباركة، والعبادة والشفاعة والتوسّل لـالإله وحده بـالمسيح وحده.
توجيهٌ لمن ينتمي للكنيسة الكاثوليكيّة
إن كنت في الكنيسة الكاثوليكيّة وتحبّ مريم — اقرأ ما يقوله الكتاب عنها وتوقّف عند الحدّ الذي يقفه الكتاب. وتوجَّه بصلاتك مباشرةً لـالإله الآب بـيسوع المسيح ابنه — وسيطك الوحيد (١ تيموثاوس ٢: ٥). فإن كنت تُؤمن بـالربّ يسوع إيمانًا شخصيًّا حقيقيًّا فأنت مخلَّصٌ — وهذا هو الأساس. وصلاتك المباشرة لـالإله هي عبادةٌ أجمل وأعمق من كلّ الطقوس المريميّة التي لم يأذن بها الكتاب.
مقارنةٌ مختصرة — مريم في الكتاب ومريم في الكاثوليكيّة
الكتاب: مريم بتولٌ مُكرَّمةٌ بالولادة البتوليّة لابن الإله. مؤمنةٌ احتاجت هي أيضًا للمخلِّص. أمٌّ وتلميذةٌ في الكنيسة الأولى. لم تُصلَّ لها ولم تُبجَّل. الكاثوليكيّة: عذراءٌ أبديّةٌ ومعصومةٌ من كلّ خطيئة وشفيعةٌ وسيطةٌ ومُلتمسُ نعمةٍ ومُتوسَّلٌ بها و«ملكة السماء» وصُعودها الجسديّ للسماء مُعلَنٌ عقيدةً. كلّ هذه الإضافات لا نصّ كتابيٌّ مباشر يُعلّمها — كلّها قرارات مجامع وبابوات أتت بعد قرونٍ من تأسيس الكنيسة. والكتاب وحده هو الحكم على كلّ ادّعاءٍ — وهو يُؤيّد المكانة الأولى ويرفض جميع الإضافات. ومن يقرأ الكتاب بعيونٍ منفتحةٍ يجد أنّ أجمل ما في مريم هو إيمانها الصادق وتسليمها الكامل لمشيئة الإله — وهذا ما يُمجّدها حقًّا في عينَي الإله أكثر من أيّ عقيدةٍ أو طقسٍ أضيف إليها بعد قرون. وكلّ مؤمنٍ يُقلّد هذا الإيمان وهذا التسليم يكون قد اقتدى بمريم حقًّا بغضّ النظر عن انتمائه الطائفيّ.
الختام — تعالَ إلى الابن الذي عبدته الأمّ
إن كنت قد أمضيت عمرك تصلّي لمريم، فإنّ الرب يدعوك أن تأتي إلى ابنها. مريم احتاجت إلى مخلِّص، وكذلك أنت. والمخلِّص الذي عبدته مريم هو المخلِّص عينه الذي يدعوك اليوم: الرب يسوع المسيح، الذي مات لأجل خطاياك، ودُفن، وقام في اليوم الثالث (كورنثوس الأولى ١٥: ٣-٤). لست بحاجةٍ إلى وسيطٍ سواه. ولست بحاجةٍ إلى أسفارٍ إضافيّةٍ لم يكتبها الإله. ولست بحاجةٍ إلى عقائد أُعلِنت بعد الأوان بثمانية عشر قرناً. أنت بحاجةٍ فقط إلى المخلّص الذي يعلنه الكتاب المقدّس، وهو يمدّ يده إليك الآن.
آمِن به. اقبله. وانضمّ إلى مريم في قولها: «وَتَبْتَهِجُ رُوحِي بِالله مُخَلِّصِي» (لوقا ١: ٤٧).
صلاةٌ خاصّة
إن كنت قد أمضيت عمرك تتوجّه إلى مريم، وأدركت الآن أنّها هي نفسها ابتهجت بالإله مخلِّصها، وأنّ الرب يسوع المسيح وحده يخلّص، فبإمكانك أن تأتي إليه الآن مباشرةً. لست بحاجةٍ إلى وسيطٍ ولا إلى شفيع؛ فهو وحده الوسيط بين الإله والناس. وما يخلّصك ليس ألفاظ الصلاة، بل الإيمان بأنّ الرب يسوع المسيح مات لأجلك وقام. فصلِّ من قلبك إلى الإله الحيّ الذي يسمع:
«أيّها الإله العظيم القدّوس المُحِبّ، الإله الحقيقيّ الوحيد: توجّهت طويلاً إلى غير ابنك، وأرى الآن أنّ مريم نفسها ابتهجت بك مخلِّصاً لها. أعترف أنّي خاطئ، وأنّ لا قدّيساً ولا وسيطاً بشريّاً يقدر أن يخلّصني. أؤمن أنّ الرب يسوع المسيح، ابنك، مات على الصليب لأجل خطاياي، ودُفن، وقام في اليوم الثالث. أتوكّل عليه وحده مخلِّصاً لي، لا على مريم ولا على قدّيسٍ ولا على عملٍ منّي. اغفر لي، واقبلني، وامنحني الحياة الأبديّة. أصلّي باسم ربّي ومخلّصي يسوع المسيح. آمين.»
بعد أن صلّيت
إن كنت قد صلّيت هذه الصلاة من قلبٍ مؤمنٍ صادق، فقد أتيت إلى المخلّص عينه الذي ابتهجت به مريم، وصرت ابناً للإله إلى الأبد. وإليك خطواتٌ تثبّتك:
أوّلاً — اقرأ كلمة الإله كلّ يومٍ. واعلم أنّ النسخة الملك جيمس (KJV) الإنجليزيّة هي أصحّ وأنقى نسخةٍ لكلمة الإله في العالم، كلمته الحقّة النقيّة، وتجدها في هذا الموقع (alinjil.com)؛ وفي العربيّة اقرأ ترجمة فان دايك الموثوقة. ابدأ بإنجيل يوحنّا، لا بعجلةٍ بل بتأمّلٍ وصلاة.
ثانياً — صلِّ إلى الإله مباشرةً كلّ يومٍ بكلامٍ من قلبك، فهو وحده الوسيط، ولا حاجة إلى وسيطٍ سواه.
ثالثاً — اطلب كنيسةً تكرّم كلمة الإله وتنادي بالخلاص بالنعمة وحدها بالإيمان وحده، وانضمّ إلى شركة المؤمنين.
رابعاً — اعتمد كمؤمنٍ طاعةً للرب، اعترافاً علنيّاً بإيمانك الشخصيّ.
خامساً — اشهد لغيرك أنّ الرب يسوع المسيح وحده يخلّص، خاصّةً لمن أمضوا عمرهم يتوجّهون إلى القدّيسين، وقل لهم إنّ مريم نفسها أشارت إلى ابنها وقالت «مهما قال لكم فافعلوه».
وواظِب على قراءة كلمة الإله في النسخة الملك جيمس (KJV)، أصحّ وأنقى كلمة الإله في العالم، وفي ترجمة فان دايك في العربيّة، وكلتاهما في هذا الموقع، لتنمو في معرفة الذي خلّصك.
كلمةٌ شخصيّةٌ إليك، أيّها القارئ العزيز
شكراً لك على الوقت الذي قضيته في قراءة هذه الرسالة عن مكانة مريم الحقيقيّة والخلاص الذي يقدّمه الإله بالرب يسوع المسيح. إن كنت قد قبلت المسيح مخلّصاً شخصيّاً لك، فقد صرت ابناً للإله إلى الأبد. «وَتَبْتَهِجُ رُوحِي بِالله مُخَلِّصِي» (لوقا ١: ٤٧).
ونشجّعك أن تبدأ بقراءة إنجيل يوحنّا بنفسك، وأن تواظب على كلمة الإله في النسخة الملك جيمس (KJV)، أصحّ وأنقى كلمة الإله في العالم، وفي ترجمة فان دايك في العربيّة، وكلتاهما في هذا الموقع، وأن تشارك هذا الخبر السارّ مع كلّ من توجّه عمره إلى غير المخلّص. ليباركك الإله وأنت تستريح في الخلاص الذي وفّره لك ابنه وحده.
دعوة لنوال الخلاص الإلهي — اقبل الرب يسوع المسيح كمخلصك الشخصي
عزيزي القارئ — إن لمست هذه الكلمات قلبك وأدركت أنك خاطئ بحاجة إلى مخلّص، فاعلم أن الإله يدعوك إليه في هذه اللحظة بالذات. لست بحاجة إلى كاهن، ولا إلى وسيط بشري، ولا إلى مكان مقدس، ولا إلى طقوس أو أعمال. الرب يسوع المسيح دفع الثمن كاملاً على الصليب، ووعدُ الإله قاطع وواضح:
ما يخلّصك ليس ألفاظ هذه الصلاة — بل الإيمان الذي في قلبك بأن الرب يسوع المسيح مات لأجلك وقام من الأموات. لكن إن أردت أن تعبّر عن إيمانك بكلمات صادقة، اقرأ هذه الصلاة بقلب خاشع وكأنك تخاطب الإله الحيّ:
صلاة الخلاص
«أيّها الإله العظيم القدّوس المُحِبّ، الإله الحقيقيّ الوحيد،
آتي إليك الآن بكل تواضع، معترفاً أنّي خاطئ. لقد كسرت وصاياك مرّاتٍ كثيرة في فكري وفي كلامي وفي أعمالي. وأعرف أنّ خطيّتي تستحقّ الموت الأبديّ والانفصال عنك إلى الأبد. لا أملك أيّ عملٍ صالحٍ أقدّمه يستطيع أن يفدي نفسي، ولا أيّ برٍّ من ذاتي أستر به عُريي أمام قداستك.
لكنّي أؤمن من كلّ قلبي بشهادة كلمتك أنّ ابنك الوحيد، الرب يسوع المسيح، مات على الصليب من أجل خطاياي — حاملاً عنّي العقوبة التي كنت أستحقّها. أؤمن أنّه دُفن، وأنّه قام من الأموات في اليوم الثالث، حيّاً منتصراً على الموت والقبر، وأنّه حيٌّ الآن إلى أبد الآبدين.
في هذه اللحظة المباركة، أنا أقبل الرب يسوع المسيح مخلّصاً شخصياً لي. أتّكل عليه وحده — لا على أعمالي، ولا على ديني، ولا على طقوسٍ ولا على إنسانٍ ولا على ملاكٍ ولا على قدّيس. على الرب يسوع المسيح وحده، وعلى دمه الكريم المسفوك على الصليب، أبني رجاء خلاصي الأبدي.
أشكرك يا أبي لأنّك قبلتني الآن في الرب يسوع المسيح، وغفرت لي كلّ خطاياي، وأعطيتني الحياة الأبدية هبةً مجانيّةً بنعمتك. أشكرك لأنّك أرسلت روحك القدوس ليسكن في قلبي، شاهداً لي بأنّي صرت ابنك. أعطني نعمةً أن أعرفك أكثر يوماً بعد يومٍ، وأن أحيا بقيّة حياتي لمجدك وحدك.
أصلّي هذا كلّه باسم ربّي ومخلّصي يسوع المسيح، بقوّة الروح القدس. آمين.»
بعد أن صلّيت — ما العمل الآن؟
إن صلّيت هذه الصلاة من قلبٍ مؤمنٍ صادق، فقد حدثت في هذه اللحظة أعظم معجزةٍ في تاريخك كلّه: انتقلت من الموت إلى الحياة، ومن الظلمة إلى النور، ومن مملكة الخطية إلى ملكوت ابن الإله الحبيب. صرتُ ابنًا للإله الحيّ، ووعد الإله نفسه يضمن لك ذلك بكلمته الموثوقة:
لاحظ معي قوّة هذا الوعد: «أعطاهم سلطاناً» — أي حقّاً ثابتاً مضموناً، لا أمنيةً ولا احتمالاً. ولاحظ كلمة «المؤمنون باسمه» — ليس «الذين عملوا أعمالاً عظيمة»، ولا «الذين أتمّوا الطقوس»، بل ببساطة «المؤمنون». أنت الآن واحدٌ منهم — بكلّ تأكيدٍ ويقين.
وإليك خمس خطوات بسيطة تثبّتك في حياتك الجديدة مع الرب يسوع المسيح:
أولاً — اقرأ الكتاب المقدس يومياً. ابدأ بإنجيل يوحنا، ثمّ تابع بقيّة العهد الجديد، ثمّ المزامير والأمثال. الإله يتكلّم معك من خلال كلمته كما يتكلّم الأب مع ابنه. لا تقرأ بسرعة — اقرأ بتأمّلٍ وصلاة. «اَلصَّبِيُّ الَّذِي مُنْذُ الطُّفُولِيَّةِ تَعْرِفُ الْكُتُبَ الْمُقَدَّسَةَ، الْقَادِرَةَ أَنْ تُحَكِّمَكَ لِلْخَلاَصِ» (تيموثاوس الثانية ٣: ١٥).
ثانياً — صلِّ يومياً. كلّم الإله كأبٍ محبّ — ليس بألفاظٍ محفوظة، بل بكلامٍ من قلبك. شاركه أفراحك وأحزانك وأسئلتك ومخاوفك. الصلاة هي تنفّس الحياة المسيحية. «صَلُّوا بِلاَ انْقِطَاعٍ» (تسالونيكي الأولى ٥: ١٧).
ثالثاً — انضمّ إلى كنيسةٍ تؤمن بالكتاب المقدّس. لا تسير في الطريق وحدك. الإيمان ينمو في شركة المؤمنين، حيث الكلمة تُكرز بأمانة، والمعمودية والعشاء الربّاني يُمارسان بحسب الكتاب. «غَيْرَ تَارِكِينَ اجْتِمَاعَنَا» (العبرانيين ١٠: ٢٥).
رابعاً — اعتمد بحسب الكتاب المقدّس. المعمودية ليست شرطاً للخلاص، لكنّها الخطوة الأولى للطاعة بعد الإيمان. هي إعلانٌ علنيّ بأنّك متّ مع الرب يسوع المسيح ودُفنت معه وقمت معه إلى حياةٍ جديدة. «مَنْ آمَنَ وَاعْتَمَدَ خَلَصَ» (مرقس ١٦: ١٦) — الإيمان أوّلاً، ثمّ المعمودية كثمرة طبيعيّة للإيمان.
خامساً — اشهد للآخرين عن الرب يسوع المسيح. ما اختبرته من خلاصٍ ومحبّة لا يمكن أن يبقى مكتوماً. ابدأ بأقربائك وأصدقائك. اروِ لهم ببساطة وصدق كيف غيّر الرب يسوع المسيح حياتك. «اَلَّذِي رَأَيْنَاهُ وَسَمِعْنَاهُ نُخْبِرُكُمْ بِهِ» (يوحنا الأولى ١: ٣).
وأخيراً، تذكّر دائماً أنّ خلاصك ليس مبنياً على شعورك ولا على عمل تعمله — بل على وعد الإله الذي لا يتغيّر:
«كَتَبْتُ هذَا إِلَيْكُمْ أَنْتُمُ الْمُؤْمِنِينَ بِاسْمِ ابْنِ اللهِ لِكَيْ تَعْلَمُوا أَنَّ لَكُمْ حَيَاةً أَبَدِيَّةً»
— يوحنا الأولى ٥: ١٣
لاحظ: «لِكَيْ تَعْلَمُوا» — ليس لكي ترجو، ولا لكي تتمنّى، ولا لكي تنتظر بقلقٍ يوم الدينونة. بل لكي تعلم بيقينٍ كاملٍ ثابتٍ لا يتزعزع أنّ لك حياةً أبديّة. هذا هو الفرق بين كلّ دياناتٍ العالم وبين إنجيل الرب يسوع المسيح: الأديان تقول «اعمل وربّما تخلص» — وكلمة الإله وحدها تقول: «آمن واعلم أنّك مخلّص».
«يَكُونُ فَرَحٌ قُدَّامَ مَلاَئِكَةِ اللهِ بِخَاطِئٍ وَاحِدٍ يَتُوبُ» — لوقا ١٥: ١٠