English Version  |  النسخة العربية

هل لكلماتنا قوّةٌ خالقة؟

📖 النسخة الإنجليزية من هذا الموضوع (Do Our Words Have Creative Power?) أوسع وأكثر تفصيلاً في الشرح والأدلّة الكتابيّة.

د. جوزيف سلوم2٬034 كلمة

ما هو «الاعتراف الإيجابيّ» وهل للكلمات قوّةٌ خالقة؟

يُعلِّم التيّار الكاريزميّ وحركة الكلمة الإيمانيّة أنّ الكلمات لها قوّةٌ حرفيّة خالقة — وأنّ ما تنطق به بإيمانٍ يصبح واقعًا لأنّ اللسان البشريّ له القدرة ذاتها التي تكلَّم بها الإله فخلق. يقول هذا التعليم: «كما أنّ الإله قال ليكن نور فكان نور، كذلك أنت حين تقول كلمتك بإيمان تخلق واقعك.» ويُضاف: «لا تقل أنا مريض بل قل أنا بصحّةٍ كاملة. لا تقل أنا فقير بل قل أنا غنيٌّ. لأنّ ما تعترف به بفمك ينزل إلى قلبك ويُشكِّل حياتك.» هذا التعليم له وجهٌ يبدو كتابيًّا لأنّه يستشهد بمزمور ١٠٧: ٢ «ليقل مُفدَّو الربّ» وبرومية ١٠: ٩-١٠ عن الاعتراف بالفم. لكنّ الاستشهاد بنصٍّ كتابيٍّ لا يجعل التعليم كتابيًّا إن كان السياق يقول غير ما يُقال.

سؤالان يجب أن نطرحهما بصدق: أوّلًا، هل يُعلِّم الكتاب أنّ اللسان البشريّ له قوّةٌ خالقة مساوية لكلمة الإله؟ وثانيًا، ماذا يُعلِّم الكتاب فعلًا عن قوّة اللسان وخطره؟ والجواب على كليهما يختلف اختلافًا جذريًّا عمّا يُعلِّمه هذا التيّار.

أوّلًا: من يملك قوّة الخلق بالكلمة في الكتاب؟

الكتاب المقدّس يبدأ بجملةٍ جوهريّة: «وقال الإله: ليكن نور فكان نور» (تكوين ١: ٣). هذه الجملة تُقرِّر أنّ الخلق بالكلمة هو فعلٌ إلهيٌّ حصريٌّ. الإله قال وكان — وهذا لا يعني أنّ كلّ «قول» ينتج كونًا. الفرق الجوهريّ بين كلمة الإله وكلمة الإنسان لا يُزيله إيمانٌ ولا طريقةٌ في الكلام: الإله يتكلَّم من ذاته الأزليّة غير المحدودة فيخلق من العدم. والإنسان يتكلَّم من مخلوقيّته المحدودة فلا يخلق من العدم. هذا الحدّ في الطبيعة لا يُعبَر عنه بالإيمان ولا بأيّ صيغةٍ لفظيّة. ولم يُعطِ الكتاب المقدّس في أيٍّ من سفره الستّة والستّين أيَّ إنسانٍ — نبيًّا أو رسولًا أو مؤمنًا — قدرةَ الخلق من العدم بالكلمة. المعجزات في الكتاب كانت أعمال الإله من خلال إنسان — لا أعمالًا للإنسان يُجريها بقوّة خاصّة به. وهذا فارقٌ جوهريٌّ يُغيِّر كلّ شيء.

ثانيًا: ماذا يُعلِّم الكتاب فعلًا عن «الاعتراف»؟

نصّ رومية ١٠: ٩-١٠ هو الأكثر استشهادًا به في هذا الجدل: «لأنّه إن اعترفت بفمك بالربّ يسوع وآمنت بقلبك أنّ الإله أقامه من الأموات خلصت.» الاعتراف في سياق هذه الآية هو الاعتراف اللاهوتيّ العلنيّ بشخص الربّ يسوع المسيح — ليس تقنيةً لفظيّة لاستدعاء المال والصحّة. هذا «الاعتراف» يُعلِّم أنّ المؤمن ينطق علنًا بما يؤمن به قلبه — أنّ يسوع هو الربّ وأنّه قام. وحين يُنزَع هذا المعنى الكتابيّ من الآية ويُحَلّ محلّه «أنا أعترف بالمال والصحّة» فهذا ليس تفسيرًا للآية — بل تبديلٌ لمعناها. المؤمن يعترف بالإله لا يُصدِر أوامر للواقع.

ثالثًا: «الموت والحياة في يد اللسان» — ما معنى هذه الآية؟

«الْمَوْتُ وَالْحَيَاةُ فِي يَدِ اللِّسَانِ، وَأَحِبَّاؤُهُ يَأْكُلُونَ ثَمَرَهُ.» أمثال ١٨: ٢١

هذه الآية كثيرًا ما يُستشهَد بها لتأييد فكرة أنّ اللسان البشريّ يخلق الحياة والموت حرفيًّا — أي يُنتِج الثروة بالكلام الإيجابيّ أو المرض بالكلام السلبيّ. لكنّ سفر الأمثال يتكلَّم بلغةٍ حكميّة عن عواقب الكلام في سياق العلاقات الإنسانيّة — لا عن قوّةٍ خالقة ميتافيزيقيّة. الكلام يُبني العلاقات أو يُخرِّبها، يُشجِّع أو يُحبِط، يُصلِح أو يُفسِد — وهذا «موتٌ وحياة» بالمعنى الأخلاقيّ والعلائقيّ. تفسير هذه الآية على أنّها تُعطي اللسان قدرةً خالقة على الثروة والمرض يُخرِجها من سياق الحكمة العمليّة إلى ادّعاءٍ لاهوتيٍّ لا يدعمه السياق.

رابعًا: كيف يصف الكتاب اللسان البشريّ حقًّا؟

الكتاب يُعطي اللسان أهمّيّةً بالغة — لكنّها أهمّيّةٌ أخلاقيّة وعلائقيّة لا خالقة ميتافيزيقيّة. ومن المفارقات أنّ الكتاب يصف اللسان بصورةٍ تُحذِّر أكثر ممّا تُشجِّع على الثقة بقوّته:

«فَاللِّسَانُ نَارٌ! عَالَمُ الإِثْمِ. هكَذَا جُعِلَ فِي أَعْضَائِنَا اللِّسَانُ، الَّذِي يُدَنِّسُ الْجَسَدَ كُلَّهُ، وَيُضْرِمُ دَائِرَةَ الْكَوْنِ، وَيُضْرَمُ مِنْ جَهَنَّمَ.» يعقوب ٣: ٦
«وَأَمَّا اللِّسَانُ فَلاَ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ أَنْ يُذَلِّلَهُ. هُوَ شَرٌّ لاَ يَضْبِطُ، مَمْلُوٌّ سَمًّا مُمِيتًا.» يعقوب ٣: ٨

يعقوب الرسول يصف اللسان بأنّه «نارٌ» و«عالَم الإثم» و«مملوٌّ سمًّا مميتًا» و«لا يستطيع أحد أن يُذلِّله.» هذا لا يعني أنّ اللسان لا ينفع — بل يعني أنّه ليس الأداة الخالقة الإيجابيّة التي يصوِّرها تعليم الاعتراف الإيجابيّ. الكتاب يُعلِّم ضبط اللسان لا تعظيم قوّته: «كَثْرَةُ الْكَلاَمِ لاَ تَخْلُو مِنْ مَعْصِيَةٍ، أَمَّا الضَّابِطُ شَفَتَيْهِ فَعَاقِلٌ» (أمثال ١٠: ١٩).

خامسًا: «وبكلامك تُدان» — اللسان في ميزان الكتاب

«وَلكِنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ كَلِمَةٍ بَطَّالَةٍ يَتَكَلَّمُ بِهَا النَّاسُ سَوْفَ يُعْطُونَ عَنْهَا حِسَابًا يَوْمَ الدِّينِ.» متّى ١٢: ٣٦
«لأَنَّكَ بِكَلاَمِكَ تَتَبَرَّرُ وَبِكَلاَمِكَ تُدَانُ.» متّى ١٢: ٣٧

الربّ يسوع المسيح يُعلِّم أنّ كلّ كلمةٍ بطّالة سيُحاسَب عليها الإنسان يوم الدينونة. وأنّ الكلام يُبرِّر صاحبه أو يُدينه. هذا يُشير إلى الثقل الأخلاقيّ للكلام — لكنّه يُشير إلى ثقلٍ في اتّجاه الحذر والمساءلة لا في اتّجاه القوّة الخالقة. الكلمة البطّالة لها عواقب — لكنّها عواقبٌ أخلاقيّة أمام الإله لا عواقب ميتافيزيقيّة في الواقع المادّيّ. ومن جهةٍ أخرى، لو كان اللسان خالقًا فعلًا، فإنّ أيّ مؤمنٍ قال يومًا «أنا مريضٌ» أو «أنا في ضيقٍ ماليٍّ» قد خلق هذا الواقع بنفسه — وهذا يُحوِّل كلّ معاناةٍ إلى اتّهامٍ للذات، وهو ما أثبتنا في مقالاتٍ أخرى أنّه مخالفٌ لتعليم الكتاب في أيّوب ويوحنّا ٩.

سادسًا: ما الذي يُعلِّمه الكتاب عن الكلام الصحيح؟

«بَلْ صَادِقِينَ فِي الْمَحَبَّةِ، نَنْمُو فِي كُلِّ شَيْءٍ إِلَى ذَاكَ الَّذِي هُوَ الرَّأْسُ: الْمَسِيحُ.» أفسس ٤: ١٥

«صادقين في المحبّة» — هذا هو المعيار الكتابيّ للكلام الصحيح. ليس «إيجابيًّا» بالمعنى الذي يُعرِّفه تعليم الاعتراف الإيجابيّ — أي تجنُّب كلّ وصفٍ سلبيٍّ للواقع بوصفه «جلبًا للشرّ» — بل «صادقًا في المحبّة.» الصدق يعني وصف الواقع كما هو: المريض يقول «أنا مريض»، والفقير يقول «أنا في ضيق»، ثمّ يلجآن إلى الإله في صدقٍ وأمانة. «الَّذِينَ يَسُوسُهُمُ الرُّوحُ الْقُدُسُ» (رومية ٨: ١٤) يتكلَّمون بالحقيقة لا يُنكِرون واقعهم خوفًا من أن يُجسِّد اللسان ما يصفه. تعليمٌ يجعل المؤمن خائفًا من وصف مرضه بالاسم لأنّه «يُفعِّل» المرض هو تعليمٌ يُضيف عبئًا نفسيًّا فوق الواقع الصعب ولا يُساعد على حمله.

سابعًا: نماذج من الكتاب — الأنبياء والرسل لم يُمارِسوا هذا التعليم

لو كان الاعتراف الإيجابيّ تعليمًا كتابيًّا حقيقيًّا لرأيناه في كلام الأنبياء والرسل. لكنّ الواقع مختلف: داود قال «أنا عليلٌ» (مزمور ٦: ٢). أيّوب قال «هلكت» و«أيّها التعيس» (أيّوب ٣). إرميا بكى وقال «ارجعوا واعترفوا أنّ الربّ له نياحة على عبيده» (مراثي إرميا). بولس الرسول كتب عن «حزنٍ متواصل» في قلبه (رومية ٩: ٢). لم يقل أيٌّ من هؤلاء «أنا أعترف أنّي بصحّةٍ كاملة» وهو يتألَّم — بل كانوا يُعبِّرون عن واقعهم بصدقٍ تامٍّ أمام الإله. والمزامير الذبيحيّة — وهي ثلثا المزامير — مبنيّةٌ على الصراخ للإله من الأعماق، لا على الاعتراف بما لم يتحقَّق بعد.

ثامنًا: الصلاة الكتابيّة لا تُصدِر أوامر

الصلاة في الكتاب موجَّهةٌ إلى الآب بالطلب لا بالإصدار. «أَبَانَا الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ... لِيَكُنْ مَشِيئَتُكَ» (متّى ٦: ٩-١٠) — «لتكن مشيئتك» لا «ليكن ما أقوله.» الربّ يسوع المسيح نفسه صلّى في جثسيماني «لكن ليكن لا إرادتي بل إرادتك» (لوقا ٢٢: ٤٢). هذا هو نموذج الصلاة الكتابيّة: طلبٌ في إيمان مع تسليمٍ تامٍّ لحكمة الإله ومشيئته. أمّا تعليم الاعتراف الإيجابيّ فيُحوِّل الصلاة إلى إصدار أوامر يتوقَّع منها المؤمن أن يُجريها الإله كما لو أنّه ملزَمٌ بكلام المؤمن. وهذا يعكس العلاقة بين الإله والمؤمن رأسًا على عقب.

تاسعًا: الإيمان الكتابيّ يثق بالإله — لا يُصدِر عليه أوامر

الإيمان الكتابيّ الحقيقيّ هو الثقة بشخص الإله وحكمته وسيادته — لا التقنية اللفظيّة لاستدعاء النتائج المطلوبة. «وَهذِهِ هِيَ الثِّقَةُ الَّتِي لَنَا عِنْدَهُ أَنَّهُ إِنْ طَلَبْنَا شَيْئًا مَا مُوَافِقًا لِمَشِيئَتِهِ يَسْمَعُ لَنَا» (١ يوحنّا ٥: ١٤). «موافقًا لمشيئته» — لا موافقًا لكلامي أو لإيماني بما أريد. الصلاة تُقدَّم وفق مشيئة الإله لا وفق مشيئة المُصلِّي. الإيمان الصادق هو الذي يستطيع أن يقول «لا» مثلما يستطيع أن يقول «نعم» — الإيمان الذي يتقبَّل جواب «تكفيك نعمتي» بنفس الثقة التي يتقبَّل بها الشفاء الفوريّ. إيمانٌ يُصرّ على نتيجةٍ بعينها ويعتبر عدم حصوله عليها فشلًا في إيمانه هو إيمانٌ يُدار بالخوف من الواقع لا بالثقة بالإله.

الخلاصة: تكلَّم بالحقيقة في المحبّة — لا بالخلق بالكلمة

الاعتراف الكتابيّ هو الاعتراف بشخص الربّ يسوع المسيح ربًّا وإلهًا ومخلِّصًا — لا أداةٌ للخلق اللفظيّ للواقع المادّيّ. والكلام الكتابيّ الصحيح هو الكلام الصادق في المحبّة — لا الكلام الذي ينفي الواقع الصعب خوفًا من تأثير اللسان. واللسان في الكتاب هو عضوٌ يحتاج إلى ضبطٍ وتقديسٍ لا إلى تعظيمٍ وتمجيد. والإيمان الحقيقيّ هو الذي يُسلِّم لمشيئة الإله الكاملة في الصلاة — لا الذي يُصدِر أوامر يتوقَّع من الإله تنفيذها. تكلَّم بالحقيقة، وصَلِّ بصدقٍ وتسليم، وثِق بالإله أكثر من ثقتك بكلامك — فذلك هو الإيمان الكتابيّ الحقيقيّ.

عاشرًا: أصل هذا التعليم — ليس في الكتاب بل في فلسفة القرن العشرين

تعليم «الاعتراف الإيجابيّ» كما يُعلَّم في حركة الكلمة الإيمانيّة لم يظهر في تاريخ الكنيسة قبل القرن العشرين. جذوره تعود إلى حركة «العلم الجديد» (New Thought) التي ظهرت في أمريكا في القرن التاسع عشر، وتُعلِّم أنّ الأفكار والكلمات لها قوّةٌ ميتافيزيقيّة على الواقع المادّيّ — أي أنّ التفكير الإيجابيّ والكلام الإيجابيّ يجلبان الواقع الإيجابيّ. ومن أبرز من نقلوا هذه الأفكار إلى قالبٍ لاهوتيٍّ مسيحيٍّ في القرن العشرين هو «إي. دبليو. كينيون» الذي مزج اللاهوت المسيحيّ بمفاهيم «العلم الجديد» ووضع الإطار الذي بنى عليه لاحقًا «كينيث هاغن» و«كينيث كوبلاند» وغيرهم منظومتهم اللاهوتيّة. هذه المعلومة التاريخيّة مهمّةٌ لأنّها تُريك أنّ هذا التعليم لم يأتِ من دراسةٍ كتابيّة أمينة — بل جاء من الخارج وألبسته لاحقًا ثوبًا كتابيًّا بانتقاء نصوصٍ وتأويلها بعيدًا عن سياقها. كلّ جيلٍ من أجيال الكنيسة قبل القرن العشرين — من الرسل إلى الشهداء إلى المصلِّحين — لم يعرف هذا التعليم ولم يُعلِّمه. وهذا وحده يُثير تساؤلًا جدّيًّا: هل مرَّ الروح القدس على الكنيسة عبر عشرين قرنًا دون أن يُعلِّمها هذا التعليم ثمّ أوحى به في القرن العشرين لمن درسوا «العلم الجديد»؟

الحادي عشر: ما الذي يخسره المؤمن حين يتبنَّى هذا التعليم؟

حين يُقنِع المؤمن نفسه بأنّ كلامه يخلق واقعه، يخسر أشياءَ ثمينةً جدًّا في حياته الروحيّة: يخسر أوّلًا الصدق مع الإله في الصلاة — لأنّه يخشى أن يصف ألمه بصدقٍ فيُفعِّله بكلامه. ويخسر ثانيًا الراحة الكتابيّة الحقيقيّة في التعبير الصادق عن الألم — كما فعل المزاميريّون والأنبياء. ويخسر ثالثًا السلام الذي يتجاوز الفهم حين تُغلق في وجهه الطريق إلى «أبّا أبٌ كلّ شيءٍ مستطاعٌ لك» (مرقس ١٤: ٣٦) ويُستبدَل بها «بالاعتراف الصحيح» ستنال ما تريد. ويخسر رابعًا التواضع أمام السيادة الإلهيّة الكاملة — إذ يبدأ في الشعور بأنّ الإيمان الكافي يُلزِم الإله بالاستجابة، وأنّ عدم الاستجابة معناه قصورٌ في إيمانه. ما يُقدِّمه تعليم الاعتراف الإيجابيّ باعتباره «قوّةً للمؤمن» هو في الحقيقة ثقلٌ إضافيٌّ يُحمِّله المؤمن — قلقٌ مستمرٌّ حول صياغة كلماته، وذنبٌ مزمنٌ كلّما لم يتحقَّق ما «اعترف» به.

الثاني عشر: الحرّيّة الكتابيّة — تكلَّم بصدقٍ وصَلِّ بثقة

الكتاب المقدّس يُعطي المؤمن حرّيّةً أعمق بكثيرٍ ممّا يعطيه تعليم الاعتراف الإيجابيّ. في المزمور الثاني والعشرين يبدأ داود بقوله «إلهي إلهي لماذا تركتني» — ألم وشعورٌ بالبُعد يعترف به بالكامل أمام الإله. وفي المزمور الواحد والثلاثين يقول «تحرَّرت من شبكتي منصوبةٍ لي» قبل أن يتحرَّر فعلًا — لكنّه يقول ذلك ثقةً بالإله لا إصدارًا لأمرٍ يلزم الإله. هذا هو الفارق الجوهريّ: ثقةٌ واثقة بشخص الإله الحكيم المُحبّ، مقابل تقنيةٍ لفظيّة تستدعي النتائج. المؤمن الكتابيّ يتكلَّم بحرّيّةٍ وصدقٍ وثقة — لا خائفًا من كلمةٍ تُفسد حياته ولا مضطرًّا لصياغةٍ خاصّة يخلق بها مستقبله. «صَادِقِينَ فِي الْمَحَبَّةِ» — هذه هي القاعدة الكتابيّة الوحيدة للكلام الصحيح.

الثالث عشر: الاعتراف الإيجابيّ وإنكار الواقع — خطر الانفصال عن الحقيقة

من أخطر التداعيات العمليّة لهذا التعليم أنّه يدفع المؤمن إلى إنكار الواقع الصعب بدلًا من مواجهته بإيمانٍ حقيقيّ. المريض الذي يُقال له «لا تقل أنت مريض لأنّ قولك يُجسِّد المرض» — يُدفَع إلى إنكار ما يعيشه جسده. والفقير الذي يُقال له «لا تقل أنت في ضيقٍ ماليّ» يُدفَع إلى إنكار ما يعيشه فعلًا. هذا الإنكار ليس إيمانًا — بل هو انفصالٌ عن الواقع ينعكس على القرارات العمليّة ويزيد الأضرار. الكتاب يُعلِّم مواجهة الواقع بإيمانٍ — لا إنكاره بكلامٍ. داود لم ينكر أنّ العدوّ يطارده — بل صارع الإله في الصدق وثِق في نهاية المعركة. بولس لم ينكر أنّه في السجن — بل سبَّح من داخله (أعمال ١٦: ٢٥). الإيمان الحقيقيّ يواجه الواقع بالإله — لا يُنكِر الواقع بالكلمات. وهذه الحرّيّة أعظم بلا قياس ممّا يعده الاعتراف الإيجابيّ — لأنّها حرّيّةٌ تقوم على ثقةٍ بالإله الذي يُسيِّد المواقف الصعبة ويعمل فيها لخير المؤمن، لا على أداءٍ لفظيٍّ يُضيف ضغطًا فوق ضغط.

والخلاصة التي ينبغي أن نُرسِّخها في أذهاننا: الكتاب المقدّس يُعلِّم الصدق في الكلام لا تقنية الاعتراف الإيجابيّ. والصدق يعني أن تصف واقعك كما هو أمام الإله وأمام الناس، ثمّ تُصلِّي بإيمانٍ وتُسلِّم لسيادة الإله الكاملة في النتيجة. المؤمن الكتابيّ لا يخاف من وصف مرضه بالاسم ولا من الاعتراف بضعفه وعجزه — لأنّه يعلم أنّ الإله يُكرِّم الصدق ويعمل في الضعف لا رغمًا عنه. «تكفيك نعمتي لأنّ قوّتي في الضعف تكمل» — هذا الجواب الإلهيّ لبولس يُقرِّر أنّ الضعف المُعترَف به صادقًا أمام الإله ليس عقبةً أمام نعمته — بل هو الموضع الذي تتجلَّى فيه قوّة المسيح بصورةٍ أكمل مِمَّا تتجلَّى في القوّة الإنسانيّة الظاهرة. والإيمان الذي يستطيع أن يُسلِّم النتائج للإله مع الصراحة التامّة في الصلاة هو إيمانٌ أعمق وأنضج وأكثر تكريمًا للإله من الإيمان الذي يُراقب كلماته خوفًا من تأثيرها على واقعه.

وفي النهاية نقول: الاعتراف الكتابيّ الحقيقيّ هو الاعتراف بالربّ يسوع المسيح ربًّا ومخلِّصًا — وهذا الاعتراف يُنجي ويُحرِّر. أمّا الاعتراف بالصحّة والثروة بتقنيةٍ لفظيّة فلا أصل له في الكتاب ولا في تعليم الرسل ولا في تاريخ الكنيسة الأمينة. ولن يُحرِّر المؤمن من خوف المرض والفقر — بل سيُضيف إليه خوفًا من كلامه. الكتاب يُريد من المؤمن أن يثق بالإله لا بصياغة كلماته.

المجد للإله في ربنا يسوع المسيح، إلى الأبد وأبد الآبدين ودهر الداهرين. آمين.

دعوة لنوال الخلاص الإلهي — اقبل الرب يسوع المسيح كمخلصك الشخصي

عزيزي القارئ — إن لمست هذه الكلمات قلبك وأدركت أنك خاطئ بحاجة إلى مخلّص، فاعلم أن الإله يدعوك إليه في هذه اللحظة بالذات. لست بحاجة إلى كاهن، ولا إلى وسيط بشري، ولا إلى مكان مقدس، ولا إلى طقوس أو أعمال. الرب يسوع المسيح دفع الثمن كاملاً على الصليب، ووعدُ الإله قاطع وواضح:

«لأَنَّ «كُلَّ مَنْ يَدْعُو بِاسْمِ الرَّبِّ يَخْلُصُ».» — رومية ١٠: ١٣

ما يخلّصك ليس ألفاظ هذه الصلاة — بل الإيمان الذي في قلبك بأن الرب يسوع المسيح مات لأجلك وقام من الأموات. لكن إن أردت أن تعبّر عن إيمانك بكلمات صادقة، اقرأ هذه الصلاة بقلب خاشع وكأنك تخاطب الإله الحيّ:

صلاة الخلاص

«أيّها الإله العظيم القدّوس المُحِبّ، الإله الحقيقيّ الوحيد،

آتي إليك الآن بكل تواضع، معترفاً أنّي خاطئ. لقد كسرت وصاياك مرّاتٍ كثيرة في فكري وفي كلامي وفي أعمالي. وأعرف أنّ خطيّتي تستحقّ الموت الأبديّ والانفصال عنك إلى الأبد. لا أملك أيّ عملٍ صالحٍ أقدّمه يستطيع أن يفدي نفسي، ولا أيّ برٍّ من ذاتي أستر به عُريي أمام قداستك.

لكنّي أؤمن من كلّ قلبي بشهادة كلمتك أنّ ابنك الوحيد، الرب يسوع المسيح، مات على الصليب من أجل خطاياي — حاملاً عنّي العقوبة التي كنت أستحقّها. أؤمن أنّه دُفن، وأنّه قام من الأموات في اليوم الثالث، حيّاً منتصراً على الموت والقبر، وأنّه حيٌّ الآن إلى أبد الآبدين.

في هذه اللحظة المباركة، أنا أقبل الرب يسوع المسيح مخلّصاً شخصياً لي. أتّكل عليه وحده — لا على أعمالي، ولا على ديني، ولا على طقوسٍ ولا على إنسانٍ ولا على ملاكٍ ولا على قدّيس. على الرب يسوع المسيح وحده، وعلى دمه الكريم المسفوك على الصليب، أبني رجاء خلاصي الأبدي.

أشكرك يا أبي لأنّك قبلتني الآن في الرب يسوع المسيح، وغفرت لي كلّ خطاياي، وأعطيتني الحياة الأبدية هبةً مجانيّةً بنعمتك. أشكرك لأنّك أرسلت روحك القدوس ليسكن في قلبي، شاهداً لي بأنّي صرت ابنك. أعطني نعمةً أن أعرفك أكثر يوماً بعد يومٍ، وأن أحيا بقيّة حياتي لمجدك وحدك.

أصلّي هذا كلّه باسم ربّي ومخلّصي يسوع المسيح، بقوّة الروح القدس. آمين.»

بعد أن صلّيت — ما العمل الآن؟

إن صلّيت هذه الصلاة من قلبٍ مؤمنٍ صادق، فقد حدثت في هذه اللحظة أعظم معجزةٍ في تاريخك كلّه: انتقلت من الموت إلى الحياة، ومن الظلمة إلى النور، ومن مملكة الخطية إلى ملكوت ابن الإله الحبيب. صرتُ ابنًا للإله الحيّ، ووعد الإله نفسه يضمن لك ذلك بكلمته الموثوقة:

«وَأَمَّا كُلُّ الَّذِينَ قَبِلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ سُلْطَانًا أَنْ يَصِيرُوا أَوْلاَدَ اللهِ، أَيِ الْمُؤْمِنُونَ بِاسْمِهِ» — يوحنا ١: ١٢

لاحظ معي قوّة هذا الوعد: «أعطاهم سلطاناً» — أي حقّاً ثابتاً مضموناً، لا أمنيةً ولا احتمالاً. ولاحظ كلمة «المؤمنون باسمه» — ليس «الذين عملوا أعمالاً عظيمة»، ولا «الذين أتمّوا الطقوس»، بل ببساطة «المؤمنون». أنت الآن واحدٌ منهم — بكلّ تأكيدٍ ويقين.

وإليك خمس خطوات بسيطة تثبّتك في حياتك الجديدة مع الرب يسوع المسيح:

أولاً — اقرأ الكتاب المقدس يومياً. ابدأ بإنجيل يوحنا، ثمّ تابع بقيّة العهد الجديد، ثمّ المزامير والأمثال. الإله يتكلّم معك من خلال كلمته كما يتكلّم الأب مع ابنه. لا تقرأ بسرعة — اقرأ بتأمّلٍ وصلاة. «اَلصَّبِيُّ الَّذِي مُنْذُ الطُّفُولِيَّةِ تَعْرِفُ الْكُتُبَ الْمُقَدَّسَةَ، الْقَادِرَةَ أَنْ تُحَكِّمَكَ لِلْخَلاَصِ» (تيموثاوس الثانية ٣: ١٥).

ثانياً — صلِّ يومياً. كلّم الإله كأبٍ محبّ — ليس بألفاظٍ محفوظة، بل بكلامٍ من قلبك. شاركه أفراحك وأحزانك وأسئلتك ومخاوفك. الصلاة هي تنفّس الحياة المسيحية. «صَلُّوا بِلاَ انْقِطَاعٍ» (تسالونيكي الأولى ٥: ١٧).

ثالثاً — انضمّ إلى كنيسةٍ تؤمن بالكتاب المقدّس. لا تسير في الطريق وحدك. الإيمان ينمو في شركة المؤمنين، حيث الكلمة تُكرز بأمانة، والمعمودية والعشاء الربّاني يُمارسان بحسب الكتاب. «غَيْرَ تَارِكِينَ اجْتِمَاعَنَا» (العبرانيين ١٠: ٢٥).

رابعاً — اعتمد بحسب الكتاب المقدّس. المعمودية ليست شرطاً للخلاص، لكنّها الخطوة الأولى للطاعة بعد الإيمان. هي إعلانٌ علنيّ بأنّك متّ مع الرب يسوع المسيح ودُفنت معه وقمت معه إلى حياةٍ جديدة. «مَنْ آمَنَ وَاعْتَمَدَ خَلَصَ» (مرقس ١٦: ١٦) — الإيمان أوّلاً، ثمّ المعمودية كثمرة طبيعيّة للإيمان.

خامساً — اشهد للآخرين عن الرب يسوع المسيح. ما اختبرته من خلاصٍ ومحبّة لا يمكن أن يبقى مكتوماً. ابدأ بأقربائك وأصدقائك. اروِ لهم ببساطة وصدق كيف غيّر الرب يسوع المسيح حياتك. «اَلَّذِي رَأَيْنَاهُ وَسَمِعْنَاهُ نُخْبِرُكُمْ بِهِ» (يوحنا الأولى ١: ٣).

وأخيراً، تذكّر دائماً أنّ خلاصك ليس مبنياً على شعورك ولا على عمل تعمله — بل على وعد الإله الذي لا يتغيّر:

«كَتَبْتُ هذَا إِلَيْكُمْ أَنْتُمُ الْمُؤْمِنِينَ بِاسْمِ ابْنِ اللهِ لِكَيْ تَعْلَمُوا أَنَّ لَكُمْ حَيَاةً أَبَدِيَّةً»
— يوحنا الأولى ٥: ١٣

لاحظ: «لِكَيْ تَعْلَمُوا» — ليس لكي ترجو، ولا لكي تتمنّى، ولا لكي تنتظر بقلقٍ يوم الدينونة. بل لكي تعلم بيقينٍ كاملٍ ثابتٍ لا يتزعزع أنّ لك حياةً أبديّة. هذا هو الفرق بين كلّ دياناتٍ العالم وبين إنجيل الرب يسوع المسيح: الأديان تقول «اعمل وربّما تخلص» — وكلمة الإله وحدها تقول: «آمن واعلم أنّك مخلّص».

✉ شاركنا شهادة خلاصك

«يَكُونُ فَرَحٌ قُدَّامَ مَلاَئِكَةِ اللهِ بِخَاطِئٍ وَاحِدٍ يَتُوبُ» — لوقا ١٥: ١٠

← العودة إلى صفحة الأسئلة والأجوبة