هل الفقر لعنةٌ والمرض دليلٌ على ضعف الإيمان؟
تخيَّل أخًا في الربّ يسوع المسيح يُعاني من مرضٍ مزمنٍ منذ سنوات، ويكافح بمحبّةٍ وصبرٍ لتأمين احتياجات أسرته الأساسيّة. يذهب إلى كنيسةٍ من كنائس الازدهار طلبًا للتشجيع والتعزية، فتقول له القيادة بصراحةٍ تامّة: «مرضك دليلٌ على إيمانٍ ضعيف. فقرك يُثبت أنّك لم تُعطِ ما يكفي. لو كنتَ تؤمن حقًّا وتُقدِّم عطاياك بالشكل الصحيح لكنتَ بصحّةٍ كاملةٍ ومالٍ وافر.» يخرج هذا الأخ من الاجتماع بجرحَيْن بدل جرح — ألمه الجسديّ الذي جاء به، وشكٌّ روحيٌّ جديدٌ في إيمانه وعلاقته بالإله. هذا هو أقسى ما في هذا التعليم: أنّه يُضيف الجرح الروحيّ فوق الألم الجسديّ ويُحمِّل المريضَ والفقيرَ وزرَ بؤسهم بوصفه خطيئتهم.
هل يُعلِّم الكتاب المقدّس هذا؟ هل الفقر لعنةٌ تُثبت البُعد عن بركة الإله؟ هل المرض دليلٌ على ضعف الإيمان أو وجود خطيئةٍ مخفيّة؟ الجواب الكتابيّ صريحٌ وحاسمٌ ومُحدَّد — ويُقلِب هذا التعليم رأسًا على عقب.
أوّلًا: أيّوب — الشاهد الأوّل والأعظم في الكتاب
لو أرادنا أن نختار شاهدًا كتابيًّا واحدًا يكفي لدحض هذا التعليم تمامًا لاخترنا أيّوب. كان أيّوب «أعظم جميع بني المشرق» في الثروة والمكانة (أيّوب ١: ٣). ثمّ في يومٍ واحدٍ فقد ثروته كلّها وأولاده كلّهم وصحّته كلّها. وجاء أصدقاؤه الثلاثة وقالوا له بالضبط ما يقوله تعليم الازدهار اليوم: «أنت تُعاني لأنّك أخطأت، وبُؤسك دليلٌ على خطيئتك.» لكن ماذا قال الكتاب عن أيّوب؟
«رجلٌ كاملٌ ومستقيم» — هذا ما قاله الإله عن أيّوب في عمق معاناته وذروة بؤسه. لم يقل الإله «أيّوب يُعاني لأنّ إيمانه ضعيف.» لم يقل «بذرته لم تكن كافية.» بل شهد له بالكمال والاستقامة في أشدّ أيّامه بلاءً. وفي نهاية الكتاب، بعد أن عرَّى الإله الأصدقاء الثلاثة الذين قالوا ما يُشبه ما تقوله كنائس الازدهار اليوم، قال الإله لهم: «لأَنَّكُمْ لَمْ تَتَكَلَّمُوا عَنِّي مَا هُوَ صَوَابٌ كَعَبْدِي أَيُّوبَ» (أيّوب ٤٢: ٧). أصدقاء أيّوب كانوا مُخطِئين حين قالوا إنّ معاناته ثمرةٌ لخطيئته — ومعلِّمو الازدهار اليوم يُكرِّرون الخطأ نفسه.
ثانيًا: الربّ يسوع المسيح يُلغي العلاقة الأوتوماتيكيّة بين الخطيئة والمرض
في يوحنّا ٩، سأل التلاميذ سؤالًا يكشف أنّهم كانوا يحملون نفس الفكر الذي يحمله تعليم الازدهار اليوم. مرُّوا برجلٍ أعمى من ولادته فسألوا الربّ يسوع المسيح: «مَنْ أَخْطَأَ هذَا أَمْ أَبَوَاهُ حَتَّى وُلِدَ أَعْمَى؟» — أي: هذا الرجل في هذه الحال بالضرورة لخطيئةٍ ما. فأجابهم الربّ:
«لا هذا أخطأ ولا أبواه» — ألغى الربّ يسوع المسيح بجملةٍ واحدة الربطَ الأوتوماتيكيّ بين الخطيئة والمعاناة. هذا الرجل لم يكن أعمى لأنّ إيمانه ضعيف أو لأنّه ذو خطيئةٍ مخفيّة — بل لأنّ للإله هدفًا في معاناته ستُظهره بركة الشفاء الآتية. هذا يُعلِّمنا أنّ المعاناة ليست دائمًا دليلًا على ضعف الإيمان أو دليلًا على خطيئةٍ بعينها — بل قد تكون ساحةً يُظهر فيها الإله أعماله ويُجلِّي فيها مجده. وهذه مسألةٌ جوهريّة تُقلِب المعادلة التي يبنيها تعليم الازدهار.
ثالثًا: الرسول بولس — أعمق المؤمنين وقد عاش الجوع والعري
لو كان التعليم القائل «صحّتك وثروتك تعكسان مستوى إيمانك» صحيحًا لكان الرسول بولس أعمق المؤمنين في تاريخ الكنيسة أسوأهم إيمانًا. لكنّ الواقع يقول العكس. بولس — الذي كتب نصف العهد الجديد وأسَّس الكنائس في أصعب الظروف وعاش للمسيح بكلّ حياته — كتب عن نفسه:
«جوعٌ وعطشٌ وبردٌ وعريٌّ» — هذه ليست صورٌ مجازيّة بل معاناةٌ جسديّة حقيقيّة عاشها الرسول بولس. هل كان إيمانه ضعيفًا؟ هل كانت بذرته غير كافية؟ لا أحد يجرؤ على قول ذلك إن كان يُريد البقاء أمينًا للكتاب. عاش بولس هذه المعاناة لأنّه كان رسولًا لإنجيلٍ يُواجه عداوةَ عالَمٍ لا يريد سماع الحقيقة — لا لأنّ إيمانه كان ضعيفًا.
رابعًا: شوكةٌ في جسد بولس — جواب الإله لم يكن الشفاء
بولس أُعطي شوكةً في الجسد — وصلَّى لرفعها ثلاث مرّاتٍ بإيمانٍ حقيقيٍّ عميق. وجواب الإله لم يكن «آمِن أكثر وستُشفى» — بل كان «تكفيك نعمتي، لأنّ قوّتي في الضعف تكمل.» الإله اختار أن تبقى الشوكة لأنّ لها هدفًا أعظم في حياة بولس — تحفظه من الكبرياء وتُعلِّمه الاتّكال الكامل على قوّة المسيح لا على قوّته البشريّة. وبولس قبِل هذا الجواب بـ«كلّ سرور» — لأنّه آمن بحكمة الإله أكثر من ثقته بأيّ وصفةٍ للشفاء. وفق تعليم الازدهار: بولس لم يؤمن بما يكفي. وفق الكتاب: بولس كان أحد أعمق المؤمنين في تاريخ الكنيسة وقد رفض الإله طلبه بالشفاء لحكمةٍ أعلى.
خامسًا: طوبى للفقراء — الربّ يسوع المسيح يُبشِّر من يعتبرهم الازدهار ملعونين
بدأ الربّ يسوع المسيح عظة الجبل — أعظم خطبةٍ في تاريخ البشريّة — بالبشارة للمساكين لا للأثرياء، وللمتألِّمين لا للأصحّاء. «طوبى» — أعظم كلمة تهنئةٍ في الكتاب — وُجِّهت للمساكين والحزانى والودعاء والمضطهَدين. هذا لا يعني أنّ الإله يريد للجميع أن يبقوا فقراء مرضى — لكنّه يعني بوضوحٍ تامٍّ أنّ الفقر والمعاناة ليسا لعنةً ولا دليلًا على غضب الإله. بل قال الربّ يسوع المسيح: «لَهُمْ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ.» والتعليم الذي يجعل الفقر لعنةً يتعارض مباشرةً مع أوّل كلامٍ قاله الربّ يسوع المسيح في عظته الجبليّة.
سادسًا: بطرس — مملوءٌ بالروح وليس لديه فضّةٌ ولا ذهب
بطرس الرسول — الذي كان مملوءًا بالروح القدس، والذي ألقى موعظةً يومَ العنصرة أدَّت إلى إيمان ثلاثة آلاف نفس — قال للمقعود بوضوحٍ ودون خجل: «ليس لي فضّةٌ ولا ذهب.» هل كان إيمانه ضعيفًا؟ هل كان عدم امتلاكه للمال دليلًا على خطيئةٍ مخفيّة؟ في نفس اللحظة التي قال فيها هذا، شفى مقعودًا من ولادته باسم الربّ يسوع المسيح. الإنسان الذي لا يملك فضّةً ولا ذهبًا كان يعمل بأعلى مستويات قوّة الإله الحيّة. الثروة والإيمان في الكتاب ليسا مرتبطَيْن ارتباطًا أوتوماتيكيًّا — ولا يُقاس أحدهما بالآخر.
سابعًا: كنيسة سميرنا — فقيرةٌ ماليًّا غنيّةٌ روحيًّا عند الإله
الربّ يسوع المسيح نفسه يتكلَّم إلى كنيسة سميرنا في رؤيا يوحنّا. وهو يصفها بالضيقة والفقر الماديّ — لكنّه يُضيف: «مع أنّك غنيٌّ.» الغنى الحقيقيّ في نظر الكتاب ليس ما في الحساب المصرفيّ بل الغنى الروحيّ في المسيح. وكنيسة سميرنا الفقيرة المضطهَدة كانت واحدةً من اثنتَيْن فقط من الكنائس السبع في رؤيا لم يُوجِّه إليها الربّ أيَّ توبيخ. في المقابل، كنيسة لاودكية الثريّة الغنيّة هي التي قال لها الربّ: «إِنَّكَ قُلْتَ إِنِّي أَنَا غَنِيٌّ وَقَدِ اسْتَغْنَيْتُ وَلَيْسَ لِي حَاجَةٌ إِلَى شَيْءٍ وَلَسْتَ تَعْلَمُ أَنَّكَ أَنْتَ الشَّقِيُّ وَالْبَائِسُ وَالْفَقِيرُ وَالأَعْمَى وَالْعَارِيُّ» (رؤيا ٣: ١٧). الكنيسة الغنيّة روحيًّا هي الفقيرة في نظر الإله — والكنيسة الثريّة ماليًّا هي الفقيرة روحيًّا. وهذا وحده يقلِب معادلة الازدهار رأسًا على عقب.
ثامنًا: درس الاكتفاء من الرسول بولس
بولس لم يقل: «تعلَّمت أن أُطالب الإله بالازدهار المتصاعد.» قال: «تعلَّمت أن أكون مكتفيًا في كلّ حال.» الاكتفاء — لا الطموح إلى ثروةٍ متصاعدة — هو الهدف الكتابيّ. وقوله «أستطيع كلّ شيء في المسيح الذي يُقوِّيني» كثيرًا ما يُقتطَع من سياقه ليُستشهَد به على تحقيق أهدافٍ ماليّة. لكنّ سياقه واضح: بولس يتحدَّث عن قدرته على الصبر في الضيق والضّنك والجوع والشبع على حدٍّ سواء — قوّةٌ على الاحتمال في كلّ الأحوال، لا وصفةٌ للإثراء. الإيمان الكتابيّ لا يُزيل الضيق دائمًا — بل يُعطي قوّةً للسير فيه.
الخلاصة: الجواب الكتابيّ لمن يُعاني
الفقر ليس لعنةً والمرض ليس دليلًا على ضعف الإيمان — هذا ما يُعلِّمه الكتاب بوضوحٍ لا لبس فيه من البداية إلى النهاية. أيّوب كان كاملًا ومستقيمًا وعانى. بولس كان أعمق المؤمنين وعاش الجوع والعري ولم يُرفَع له شوكةٌ في الجسد. بطرس ملأه الروح القدس ولم يكن عنده فضّةٌ ولا ذهب. الربّ يسوع المسيح نفسه لم يكن له مكانٌ يضع فيه رأسه. وكنيسة سميرنا كانت في فقرٍ وضيقةٍ وكانت غنيّةً عند الإله.
ما يُريده الإله من المؤمن في المعاناة ليس إيمانًا يرفعها فحسب — بل إيمانًا يسير فيها ويظهر فيها حضور المسيح وقوّته. «تَكْفِيكَ نِعْمَتِي» — هذه الكلمة أعظم من كلّ وعدٍ بالازدهار لأنّها تُعطي ما هو أثمن من الصحّة الجسديّة والثروة الماليّة — إنّها تُعطي حضور الإله نفسه في الأعماق. والمؤمن الذي يقبلها ويسير بإيمانٍ في ضيقه يشهد لقوّة الإنجيل الحقيقيّ بصورةٍ لا يشهد لها أيّ خطيبٍ على منصّة الازدهار.
نهمًا: شهادة أبطال الإيمان في عبرانيين ١١
الإصحاح الحادي عشر من رسالة العبرانيين — الذي يُسمِّيه كثيرٌ من الدارسين «قاعة المجد» — يُعطي سجلًّا لأبطال الإيمان الذين وقفوا أمام أشدّ الضغوط وأحكموا إيمانهم. ومن اللافت أنّ الإصحاح نفسه يقسِم شهوده إلى فريقَيْن: فريقٌ نال انتصاراتٍ رائعة في هذه الحياة — شفاءٍ وإنقاذٍ وانتصاراتٍ عسكريّة — وفريقٌ آخر لم ينَل في هذه الحياة ما وُعِد به: «وَآخَرُونَ مُدِّدَتْ أَيْدِيهِمْ بِشِدَّةٍ وَلَمْ يَقْبَلُوا النَّجَاةَ طَالِبِينَ قِيَامَةً أَفْضَلَ. وَآخَرُونَ جَرَّبُوا هُزُوًا وَجَلْدًا بَلْ أَيْضًا قُيُودًا وَسِجْنًا... تَجَوَّلُوا فِي جُلُودِ غَنَمٍ وَجُلُودِ مَعِزٍ مُعْتَازِينَ مَكْرُوبِينَ مُذَلَّلِينَ الَّذِينَ لَمْ يَكُنِ الْعَالَمُ مُسْتَحِقًّا لَهُمْ» (عبرانيين ١١: ٣٥-٣٨). «الذين لم يكن العالَم مستحقًّا لهم» — هذا حكم الإله على الفريق الذي عاش الفقر والمعاناة بسبب إيمانه. ولم يقل الكتاب إنّهم كانوا في هذا الحال لأنّ إيمانهم ضعيف — بل قال إنّ العالَم لم يكن مستحقًّا لهم. وتعليمٌ يُصنِّف هؤلاء الأبطال في خانة ضعيفي الإيمان هو تعليمٌ يقول عكس ما قاله الكتاب عنهم.
عاشرًا: الربّ يسوع المسيح — الأفقر من كلِّ أتباعه
ثمّة شاهدٌ واحد يُغلق الجدل إغلاقًا تامًّا إذا قبلناه بجدّيّة: الربّ يسوع المسيح نفسه — ملك الملوك وربّ الأرباب الذي «بِهِ خُلِقَ الْكُلُّ» — اختار في تجسُّده أن يعيش في فقرٍ مادّيّ حقيقيّ. وُلد في مذود لأنّه لم يكن للمسافرين مكانٌ في الفندق. عاش في تجوُّلٍ مستمرٍّ دون مكانٍ ثابت: «لَيْسَ لِلابْنِ الإِنْسَانِ أَيْنَ يَسْنُدُ رَأْسَهُ» (متّى ٨: ٢٠). ومات وقد تقاسم الجنودُ ثيابه اليتيمة القليلة بالقرعة. «لأَنَّكُمْ تَعْرِفُونَ نِعْمَةَ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ أَنَّهُ مِنْ أَجْلِكُمُ افْتَقَرَ وَهُوَ غَنِيٌّ لِكَيْ تَسْتَغْنُوا أَنْتُمْ بِافْتِقَارِهِ» (٢ كورنثوس ٨: ٩). هل نجرؤ على القول إنّ الربّ يسوع المسيح لم يكن يُؤمن بما يكفي؟ هل نجرؤ على القول إنّ فقره دليلٌ على لعنةٍ أو ضعفٍ في الإيمان؟ إنّ الجواب يُقرِّر نهائيًّا أنّ الفقر المادّيّ لا يُثبت شيئًا عن مستوى الإيمان أو مدى بركة الإله.
الحادي عشر: المعاناة أداةٌ في يد الإله — درسٌ من رومية ٨
الرسول بولس لا يُنكر ثقل المعاناة ولا يُهوِّن من وقعها — لكنّه يُعطي المؤمن إطارًا أبديًّا يُمكِّنه من حملها: «لأَنِّي أَحْسِبُ أَنَّ آلاَمَ الزَّمَانِ الْحَاضِرِ لاَ تُقَاسُ بِالْمَجْدِ الْعَتِيدِ أَنْ يُسْتَعْلَنَ فِينَا» (رومية ٨: ١٨). هذا لا يُبطِل الألم — بل يُعطيه بُعدًا أبديًّا يجعل الحامل قادرًا على الاستمرار. ويزيد بولس: «وَكَذلِكَ الرُّوحُ أَيْضًا يُعِينُ ضَعَفَاتِنَا» (رومية ٨: ٢٦). الروح القدس لا يُعطي المؤمن في ضعفه محاضرةً عن إيمانه الضعيف — بل يشفع عنه ويُعينه. هذا هو الجواب الكتابيّ الحقيقيّ لمن يُعاني: ليس «آمِن أكثر لترتفع المعاناة» — بل «الإله معك في معاناتك، وروحه يُعينك وسطها، والمجد الآتي أعظم بلا قياس ممّا تمرّ به الآن.»
الثاني عشر: الربّ يسوع المسيح يُعزِّي المتألِّمين لا يُدينهم
في كلّ لقاءٍ بين الربّ يسوع المسيح وشخصٍ يتألَّم في الإنجيلين الأربعة، لم يُدِن الربّ أحدًا من المرضى والمحتاجين بسبب مرضه أو فقره. بل على العكس — اقترب منهم ولمسهم وشفاهم وعزَّاهم. «فَلَمَّا رَآهَا يَسُوعُ دَعَاهَا وَقَالَ لَهَا: يَا امْرَأَةُ أَنْتِ مَحْلُولَةٌ مِنْ ضَعْفِكِ» (لوقا ١٣: ١٢) — لم يقل لها «أنتِ في هذه الحال لأنّ إيمانك ضعيف.» ولمس الربّ يسوع المسيح المجذوم الذي كان محرومًا من كلّ لمسةٍ إنسانيّة (متّى ٨: ٣) — لم يُحاضره عن ضعف إيمانه. وبكى على قبر لعازر (يوحنّا ١١: ٣٥) — لأنّ الربّ يسوع المسيح يشاركنا آلامنا لا يُدينها. والتعليم الذي يُرسل المؤمن المريض إلى بيته يحمل ذنب ضعف إيمانه فوق مرضه يسلك في الاتّجاه المعاكس تمامًا لما فعله الربّ يسوع المسيح في كلّ مشهدٍ شفاءٍ في الإنجيل. الكنيسة الكتابيّة مدعوّةٌ إلى أن تحمل أثقال بعضها البعض (غلاطية ٦: ٢) لا إلى أن تُضيف إليها أثقال الإدانة الدينيّة.
وختامًا يُمكننا القول بثقةٍ كتابيّة: الفقر والمرض والضيق لا يُثبتان شيئًا عن إيمان صاحبهما في الاتّجاه السلبيّ — تمامًا كما أنّ الثروة والصحّة لا تُثبتان شيئًا عن مستوى الإيمان في الاتّجاه الإيجابيّ. ما يُثبته الإيمان الحقيقيّ ليس ما تملكه — بل كيف تسلك مع الإله فيما تمرّ به، سواءٌ كان وفرةً أم ضيقًا. «وَكَذلِكَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَعِيشُوا بِالتَّقْوَى فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ سَيُضْطَهَدُونَ» (٢ تيموثاوس ٣: ١٢). الاضطهاد — لا الازدهار — هو ما وعد به الكتاب لمن يسلكون بالتقوى في المسيح في هذا العالَم.
وفي المعاناة يكتشف المؤمن ما لا يكتشفه في الرخاء — يكتشف أنّ الإله كافٍ حقًّا، وأنّ نعمته تسبق كلّ توقُّع، وأنّ الحضور الإلهيّ في أعماق الظلام أكثر قيمةً من أيّ فرجٍ سريع. وهذا ما يُعطيه الكتاب لمن يمرّ بالضيق — ليس إجاباتٍ جاهزة عن سبب معاناته، بل يقينًا بأنّ الإله الذي دخل الألم في جسد المسيح لا يتخلَّى عنه فيه.
المجد للإله في ربنا يسوع المسيح، إلى الأبد وأبد الآبدين ودهر الداهرين. آمين.
دعوة لنوال الخلاص الإلهي — اقبل الرب يسوع المسيح كمخلصك الشخصي
عزيزي القارئ — إن لمست هذه الكلمات قلبك وأدركت أنك خاطئ بحاجة إلى مخلّص، فاعلم أن الإله يدعوك إليه في هذه اللحظة بالذات. لست بحاجة إلى كاهن، ولا إلى وسيط بشري، ولا إلى مكان مقدس، ولا إلى طقوس أو أعمال. الرب يسوع المسيح دفع الثمن كاملاً على الصليب، ووعدُ الإله قاطع وواضح:
ما يخلّصك ليس ألفاظ هذه الصلاة — بل الإيمان الذي في قلبك بأن الرب يسوع المسيح مات لأجلك وقام من الأموات. لكن إن أردت أن تعبّر عن إيمانك بكلمات صادقة، اقرأ هذه الصلاة بقلب خاشع وكأنك تخاطب الإله الحيّ:
صلاة الخلاص
«أيّها الإله العظيم القدّوس المُحِبّ، الإله الحقيقيّ الوحيد،
آتي إليك الآن بكل تواضع، معترفاً أنّي خاطئ. لقد كسرت وصاياك مرّاتٍ كثيرة في فكري وفي كلامي وفي أعمالي. وأعرف أنّ خطيّتي تستحقّ الموت الأبديّ والانفصال عنك إلى الأبد. لا أملك أيّ عملٍ صالحٍ أقدّمه يستطيع أن يفدي نفسي، ولا أيّ برٍّ من ذاتي أستر به عُريي أمام قداستك.
لكنّي أؤمن من كلّ قلبي بشهادة كلمتك أنّ ابنك الوحيد، الرب يسوع المسيح، مات على الصليب من أجل خطاياي — حاملاً عنّي العقوبة التي كنت أستحقّها. أؤمن أنّه دُفن، وأنّه قام من الأموات في اليوم الثالث، حيّاً منتصراً على الموت والقبر، وأنّه حيٌّ الآن إلى أبد الآبدين.
في هذه اللحظة المباركة، أنا أقبل الرب يسوع المسيح مخلّصاً شخصياً لي. أتّكل عليه وحده — لا على أعمالي، ولا على ديني، ولا على طقوسٍ ولا على إنسانٍ ولا على ملاكٍ ولا على قدّيس. على الرب يسوع المسيح وحده، وعلى دمه الكريم المسفوك على الصليب، أبني رجاء خلاصي الأبدي.
أشكرك يا أبي لأنّك قبلتني الآن في الرب يسوع المسيح، وغفرت لي كلّ خطاياي، وأعطيتني الحياة الأبدية هبةً مجانيّةً بنعمتك. أشكرك لأنّك أرسلت روحك القدوس ليسكن في قلبي، شاهداً لي بأنّي صرت ابنك. أعطني نعمةً أن أعرفك أكثر يوماً بعد يومٍ، وأن أحيا بقيّة حياتي لمجدك وحدك.
أصلّي هذا كلّه باسم ربّي ومخلّصي يسوع المسيح، بقوّة الروح القدس. آمين.»
بعد أن صلّيت — ما العمل الآن؟
إن صلّيت هذه الصلاة من قلبٍ مؤمنٍ صادق، فقد حدثت في هذه اللحظة أعظم معجزةٍ في تاريخك كلّه: انتقلت من الموت إلى الحياة، ومن الظلمة إلى النور، ومن مملكة الخطية إلى ملكوت ابن الإله الحبيب. صرتُ ابنًا للإله الحيّ، ووعد الإله نفسه يضمن لك ذلك بكلمته الموثوقة:
لاحظ معي قوّة هذا الوعد: «أعطاهم سلطاناً» — أي حقّاً ثابتاً مضموناً، لا أمنيةً ولا احتمالاً. ولاحظ كلمة «المؤمنون باسمه» — ليس «الذين عملوا أعمالاً عظيمة»، ولا «الذين أتمّوا الطقوس»، بل ببساطة «المؤمنون». أنت الآن واحدٌ منهم — بكلّ تأكيدٍ ويقين.
وإليك خمس خطوات بسيطة تثبّتك في حياتك الجديدة مع الرب يسوع المسيح:
أولاً — اقرأ الكتاب المقدس يومياً. ابدأ بإنجيل يوحنا، ثمّ تابع بقيّة العهد الجديد، ثمّ المزامير والأمثال. الإله يتكلّم معك من خلال كلمته كما يتكلّم الأب مع ابنه. لا تقرأ بسرعة — اقرأ بتأمّلٍ وصلاة. «اَلصَّبِيُّ الَّذِي مُنْذُ الطُّفُولِيَّةِ تَعْرِفُ الْكُتُبَ الْمُقَدَّسَةَ، الْقَادِرَةَ أَنْ تُحَكِّمَكَ لِلْخَلاَصِ» (تيموثاوس الثانية ٣: ١٥).
ثانياً — صلِّ يومياً. كلّم الإله كأبٍ محبّ — ليس بألفاظٍ محفوظة، بل بكلامٍ من قلبك. شاركه أفراحك وأحزانك وأسئلتك ومخاوفك. الصلاة هي تنفّس الحياة المسيحية. «صَلُّوا بِلاَ انْقِطَاعٍ» (تسالونيكي الأولى ٥: ١٧).
ثالثاً — انضمّ إلى كنيسةٍ تؤمن بالكتاب المقدّس. لا تسير في الطريق وحدك. الإيمان ينمو في شركة المؤمنين، حيث الكلمة تُكرز بأمانة، والمعمودية والعشاء الربّاني يُمارسان بحسب الكتاب. «غَيْرَ تَارِكِينَ اجْتِمَاعَنَا» (العبرانيين ١٠: ٢٥).
رابعاً — اعتمد بحسب الكتاب المقدّس. المعمودية ليست شرطاً للخلاص، لكنّها الخطوة الأولى للطاعة بعد الإيمان. هي إعلانٌ علنيّ بأنّك متّ مع الرب يسوع المسيح ودُفنت معه وقمت معه إلى حياةٍ جديدة. «مَنْ آمَنَ وَاعْتَمَدَ خَلَصَ» (مرقس ١٦: ١٦) — الإيمان أوّلاً، ثمّ المعمودية كثمرة طبيعيّة للإيمان.
خامساً — اشهد للآخرين عن الرب يسوع المسيح. ما اختبرته من خلاصٍ ومحبّة لا يمكن أن يبقى مكتوماً. ابدأ بأقربائك وأصدقائك. اروِ لهم ببساطة وصدق كيف غيّر الرب يسوع المسيح حياتك. «اَلَّذِي رَأَيْنَاهُ وَسَمِعْنَاهُ نُخْبِرُكُمْ بِهِ» (يوحنا الأولى ١: ٣).
وأخيراً، تذكّر دائماً أنّ خلاصك ليس مبنياً على شعورك ولا على عمل تعمله — بل على وعد الإله الذي لا يتغيّر:
«كَتَبْتُ هذَا إِلَيْكُمْ أَنْتُمُ الْمُؤْمِنِينَ بِاسْمِ ابْنِ اللهِ لِكَيْ تَعْلَمُوا أَنَّ لَكُمْ حَيَاةً أَبَدِيَّةً»
— يوحنا الأولى ٥: ١٣
لاحظ: «لِكَيْ تَعْلَمُوا» — ليس لكي ترجو، ولا لكي تتمنّى، ولا لكي تنتظر بقلقٍ يوم الدينونة. بل لكي تعلم بيقينٍ كاملٍ ثابتٍ لا يتزعزع أنّ لك حياةً أبديّة. هذا هو الفرق بين كلّ دياناتٍ العالم وبين إنجيل الرب يسوع المسيح: الأديان تقول «اعمل وربّما تخلص» — وكلمة الإله وحدها تقول: «آمن واعلم أنّك مخلّص».
«يَكُونُ فَرَحٌ قُدَّامَ مَلاَئِكَةِ اللهِ بِخَاطِئٍ وَاحِدٍ يَتُوبُ» — لوقا ١٥: ١٠