English Version  |  النسخة العربية

هل الاختيار مبنيٌّ على سابق علم الله بالإيمان؟

د. جوزيف سلوم2٬557 كلمة

حين يسأل المؤمن: «لماذا اخترني الله دون سواي؟ هل كان عشوائيًّا؟»

كان يجلس في دراسةٍ كتابيّةٍ وقد جاء حديثًا لـالإيمان. وسأل بصدق: «أسمع الكالفينيّين يقولون إنّ الله اختارني دون أيّ سببٍ فيّ — لا بسبب إيمانٍ يراه، ولا بسبب أيّ شيءٍ مستقبليّ يعرفه عنّي. هذا يبدو لي مثل الحظ العشوائيّ. وإن كان الأمر كذلك فلماذا لم يختر أبي أيضًا؟ وهل معنى ذلك أنّ الله أنشأ أبي ليذهب إلى الجحيم دون سبب؟». لم يكن سؤالًا عدوانيًّا بل كان أزمةً روحيّةٌ حقيقية. والإجابة الكتابيّة تُعطيه ما يحتاجه: الإله لم يختَر بتعسّفٍ أعمى — بل اختار في ضوء علمه الأزليّ الشامل الذي يعرف فيه من سيؤمن بـالمسيح ومن سيرفض. وهذا لا يُلغي السيادة الإلهيّة — بل يُثبتها في توافقٍ كاملٍ مع عدل الإله وحبّه.

السؤال عن أساس الاختيار الإلهيّ سؤالٌ جوهريّ: هل اختار الإله المؤمنين بمعزلٍ كاملٍ عن أيّ علمٍ مسبقٍ بإيمانهم — كما تُعلّم الكالفينية — أم أنّ علمه الأزليّ بمن سيؤمن يدخل في أساس الاختيار؟ الكتاب المقدّس يُجيب بوضوحٍ من خلال نصوصٍ متعدّدة، وسنفحصها واحدةً واحدة.

«المختارين بمقتضى علم الله الآب السابق» — ١ بطرس ١: ٢

أوّل ما يلفت الانتباه في الكتاب هو أنّ الرسول بطرس — حين يُعرّف المختارين — يُحدّد أساس اختيارهم بعبارةٍ صريحة: «إِلَى الْمُخْتَارِينَ الْغُرَبَاءِ... بِمُقْتَضَى عِلْمِ اللهِ الآبِ السَّابِقِ» (بطرس الأولى ١: ٢). «بمقتضى علم الله الآب السابق» — هذه التعابير لا تُترجَم إلى «بمقتضى إرادة الله الأزليّة المجرّدة بلا سبب». «مقتضى» تعني «وفقًا لـ» أو «بسبب» — أي أنّ علم الإله السابق هو الأساس الذي يقوم عليه الاختيار. و«العلم السابق» (prognosis/foreknowledge) في السياق يُشير إلى معرفة مَن سيؤمن بـالمسيح حين تُعرَض عليه البشارة — وعلى أساس هذا العلم يُعيَّنون.

الكالفينيّ يُحاجج بأنّ «عرف» في الكتاب يعني «أحبّ» أو «اختار» لا «علم مسبقًا» — مستشهدًا بنصوصٍ كـ«اعرفوني» في الأنبياء. لكنّ هذه المحاجَّة تفشل في نصٍّ كـ١ بطرس ١: ٢ الذي يجمع بين العلم والاختيار كأمرَين مختلفَين: «المختارين... بمقتضى علم الله السابق». إذا كانا يعنيان الشيء نفسه لقالت الآية «المختارين... باختيار الله السابق» ولاستُغني عن «علم». إضافة «علم» قصديّةٌ وتُميّز بين الأمرَين.

وبطرس لم يكن الوحيد الذي يُحدّد العلم السابق أساسًا للاختيار. فالروح القدس أوحى بنفس التسلسل لبولس في رومية: «الذين سبق فعرفهم سبق فعيّنهم» (٨: ٢٩). المعرفة السابقة تسبق التعيين السابق — وهذا الترتيب ليس عرضيًّا بل جوهريّ. إذ لو أراد الإله إعلام أنّ الاختيار بلا سببٍ في الإنسان لقال «سبق فعيّنهم» فحسب دون «سبق فعرفهم» أوّلًا. لكنّ ذكر المعرفة أوّلًا ثمّ التعيين له دلالةٌ لا تُتجاهَل.

«سبق فعرفهم — سبق فعيّنهم» — رومية ٨: ٢٩ في تفصيله

تقول الآية بوضوح: «لأَنَّ الَّذِينَ سَبَقَ فَعَرَفَهُمْ سَبَقَ فَعَيَّنَهُمْ لِيَكُونُوا مُشَابِهِينَ صُورَةَ ابْنِهِ» (رومية ٨: ٢٩). هناك فعلان متمايزان: «سبق فعرف» ثمّ «سبق فعيّن». السلسلة الذهبيّة في رومية ٨: ٢٩-٣٠ تبدأ بالمعرفة السابقة — وهذا يُثبت منطقيًّا أنّ المعرفة السابقة وجدت قبل التعيين السابق وشكّلت أساسه. والكالفينيّ الذي يقول «عرف = اختار» يجعل الآية تقول «الذين سبق فاختارهم سبق فاختارهم» — وهذه تكرارٌ لغويٌّ فارغٌ لا يضيف شيئًا. بينما إذا فهمنا «عرف» بمعنى «علم مسبقًا بإيمانهم»، تكون الآية تقول شيئًا ذا معنى حقيقيّ: على أساس علمه الأزليّ بإيمانهم عيّنهم لمشابهة صورة ابنه.

والغاية في الآية لافتة: «ليكونوا مشابهين صورة ابنه» — التعيين لغرضٍ نبيل هو التحوّل إلى صورة المسيح. هذه ليست مجرّد تصنيفٌ لمن سيُنجَّى — بل رسالةٌ ودعوةٌ لتحوّلٍ روحيٍّ عميق. والذين عرفهم الإله بإيمانهم هم الذين يسعى إلى تحويلهم إلى صورة ابنه الكريم — وهذا تعيينٌ لغرضٍ روحيٍّ جليل.

ويُتابع السياق: «والذين عيّنهم هؤلاء دعاهم أيضًا، والذين دعاهم هؤلاء برّرهم أيضًا، والذين برّرهم هؤلاء مجّدهم أيضًا» (رومية ٨: ٣٠). السلسلة الكاملة: معرفةٌ سابقة → تعيينٌ سابق → دعوة → تبرير → تمجيد. وكلّ من دخل أوّل الحلقات وصل إلى آخرها — وهذا هو أساس الأمان الأبديّ الكتابيّ.

«اختاركم بتقديس الروح وتصديق الحق» — الاختيار يمرّ بالإيمان

يُؤكّد الرسول بولس في رسالةٍ أخرى أنّ الاختيار لا يتجاوز الإيمان بل يمرّ عبره: «أَنَّ اللهَ اخْتَارَكُمْ مِنَ الْبَدْءِ لِلْخَلاَصِ، بِتَقْدِيسِ الرُّوحِ وَتَصْدِيقِ الْحَقِّ» (تسالونيكي الثانية ٢: ١٣). «بتقديس الروح وتصديق الحق» — «التصديق» هو الإيمان. الاختيار يتحقّق «بتصديق الحق» — أي بالإيمان بالبشارة. فمجرى الاختيار يسلك طريق الإيمان — وهذا يُثبت أنّ إيمان الشخص لم يكن غائبًا عن المشهد الأزليّ بل كان حاضرًا في علم الإله.

ومن الجدير بالملاحظة أنّ الرسول بولس لا يقول «اختاركم قبل وجودكم ثمّ نتيجةً لذلك ستؤمنون» — بل يقول «اختاركم للخلاص بتصديق الحق» — أي أنّ التصديق هو الطريق أو الأداة التي ينجز الاختيار عبرها. وهذا التمييز الدقيق مهمٌّ جدًّا: الكالفينية تجعل الاختيار السبب والإيمان النتيجة — لكنّ هذه الآية تُشير إلى أنّ الإيمان هو المجرى الذي يتحقّق من خلاله ما اختاره الإله.

«معلومةٌ عند الربّ منذ الأزل» — طبيعة العلم الأزليّ لـالإله

العلم الأزليّ لـالإله لا يخضع لحدود الزمان والمكان التي تُقيّد الإنسان. يُعلن الكتاب: «مَعْلُومَةٌ عِنْدَ الرَّبِّ مُنْذُ الأَزَلِ جَمِيعُ أَعْمَالِهِ» (أعمال الرسل ١٥: ١٨). «جميع أعماله منذ الأزل» — علمٌ شاملٌ لا يستثني شيئًا. وهذا يعني أنّ الإله في أزله يعلم كلّ ما سيحدث في الزمان — بما في ذلك استجابة كلّ إنسانٍ للبشارة حين تُعرَض عليه. وعلمه هذا ليس علمَ مَن يُجبر الأحداث بل علم مَن يرى الحقيقة الكاملة من فوق الزمن. كما يرى المراقب من قمّة جبلٍ شاهقٍ القافلة كلّها في وادٍ تحته — رؤيةٌ شاملةٌ لا تُلغي حريّة كلّ فردٍ في القافلة.

وهذا العلم الأزليّ الشامل هو ما يُتيح لـالإله أن يُعيَّن «المؤمنين» قبل الخليقة — لأنّه يعرف منذ الأزل من سيؤمن في الزمان. ويعني الوقت ذاته أنّ اختياره ليس تعسّفيًّا أعمى بل مبنيٌّ على علمٍ حقيقيٍّ بكلّ فرد. وهذا يُحافظ في الوقت نفسه على كلٍّ من: سيادة الإله المطلقة في علمه — وعدله الكامل في محاسبة كلّ إنسانٍ على اختياره الحقيقيّ — ومحبّته الشاملة التي لا تستثني أحدًا.

فالتوافق الكتابيّ ليس بين «علم الله وحريّة الإنسان» كمفارقةٍ معلَّقة — بل بين علمٍ شاملٍ لا يُلغي الحريّة وحريّةٍ حقيقيّةٍ لا تحدّ من الإحاطة الإلهيّة. الإله يعلم كلّ شيءٍ بما فيه استجاباتنا الحرّة — وهذا العلم الأزليّ هو أساس اختياره.

لماذا يرفض الكالفينيّون «العلم السابق» أساسًا للاختيار؟

الكالفينيّون يُعترضون بأنّ جعل العلم السابق بالإيمان أساسًا للاختيار يعني «جعل الله يعتمد على الإنسان» — وهذا يُقلّص سيادته. لكنّ الاعتراض مبنيٌّ على خلطٍ بين شيئَين مختلفَين: الاعتماد على الإنسان (كما في البيلاغيّة التي تقول الإنسان ينقذ نفسه بمبادرته) وعلم الإله باختيارات الإنسان (وهو مجرّد إدراك ما سيكون). الإله لا يعتمد على إيمان الإنسان لأنّ إيمانه ينبع من قوّة الإنسان الذاتيّة — بل يعرف في علمه الأزليّ أنّ هذا الإنسان سيؤمن بنعمة روحه وتأثير كلمته. فالإيمان نفسه نتيجةٌ لعمل الإله والعلم السابق به لا يُعني الاستقلاليّة البشريّة.

علاوةً على ذلك، كلّ علمٍ بشيءٍ سيحدث لا يعني جبر حدوثه. أنا أعلم أنّ الشمس ستشرق غدًا — لكنّ علمي لم يجبرها على ذلك. كذلك علم الإله الأزليّ بمن سيؤمن لا يُلغي حريّته في الإيمان — بل يتعايش مع سيادة الإله التامّة بطريقةٍ يعجز عنها إدراكنا البشريّ المحدود. وكلّ اعتراضٍ على العلم السابق يُفضي إلى نتيجةٍ أشدّ قسوةً وهي الانتخاب العمى التعسّفيّ الذي يُجعل فيه الإله يختار ويُقصي بمعزلٍ تامٍّ عن طبيعة مَن اختار.

«عرف» في الكتاب — هل تعني دائمًا «اختار»؟

يُحاجج الكالفينيّون بأنّ الفعل «عرف» في الكتاب يعني في بعض السياقات «أحبّ» أو «اختار» لا «علم بمعلوماتٍ مسبقة». ويستشهدون بنصوصٍ كإرميا ١: ٥ «قبل أن أصوّرك في البطن عرفتُك». لكنّ الاستشهاد بهذه الآية لا يُثبت أنّ «عرف = اختار» في كلّ سياق. فإرميا ١: ٥ تتكلّم عن تعيين إرميا لدورٍ نبويٍّ خاصّ — وهذا اختيارٌ للخدمة لا لمنظومة الاختيار الأزليّ للخلاص. والدليل أنّ الآية تتابع: «وقدستُك ونبيًّا للأمم جعلتُك» — الغرض هو النبوّة لا مجرّد الخلاص الفردي.

أمّا رومية ٨: ٢٩ فتستخدم كلمتَين مختلفتَين لمفهومَين مختلفَين: «سبق فعرفهم» (proegno) و«سبق فعيّنهم» (proorisen). لو كانتا تعنيان الشيء نفسه لكان استخدام كلمتَين تكرارًا لا فائدة منه. والكتاب دقيقٌ في لغته — والتمييز بين المعرفة السابقة والتعيين السابق مقصودٌ ومعنويّ.

وفي يوحنا ١٠: ١٤ يقول الرب: «أنا هو الراعي الصالح وأعرف خرافي وخرافي تعرفني». «أعرف خرافي» — يُشير إلى علاقةٍ حميمةٍ وشخصيّة بين الراعي والخروف الذي آمن ويتبع. هذه المعرفة تفترض وجود الخروف المؤمن — لا أنّها تُنتجه تعسّفيًّا قبل وجوده.

«اختُرتم في المسيح» — الإيمان طريقٌ إلى الاختيار

أفسس ١: ٤ يقول «كما اختارنا فيه قبل تأسيس العالم». «فيه» — في المسيح. الاختيار ليس اختيارًا للأفراد خارج المسيح ثمّ وضعهم فيه لاحقًا — بل الاختيار «في المسيح». وهذا يعني أنّ المسيح هو المختار الأصليّ والمؤمن يُختار بالكون «فيه». والطريق إلى الكون «في المسيح» هو الإيمان به. فمن آمن صار «في المسيح» ووجد نفسه ضمن المختارين الذين عرفهم الإله في علمه الأزليّ.

هذا التسلسل يتوافق تمامًا مع العلم السابق: الإله يعرف أزلًا مَن سيكون «في المسيح» — ويختارهم على أساس هذا العلم. والباب مفتوحٌ لكلّ مَن يؤمن ليكون «في المسيح» — وحين يؤمن يجد أنّ الإله كان يعرفه ويختاره منذ الأزل.

الاعتراض الكالفينيّ — هل يجعل العلم السابق الإله يعتمد على الإنسان؟

الاعتراض الكالفينيّ الأساسيّ: «إن كان الاختيار مبنيًّا على العلم السابق بالإيمان، فـالله أصبح يعتمد على قرار الإنسان — وهذا يُقلّص سيادته». لكنّ هذا الاعتراض يخلط بين أمرَين: اعتمادٌ فعليٌّ (أنّ الإله ينتظر الإنسان ليقرر ثمّ يتصرّف) وعلمٌ شاملٌ (أنّ الإله يعلم في أزله بحريّةٍ ما سيحدث دون أن يكون السبب الأوّل لكلّ قرار).

الإله لا «ينتظر» قرار الإنسان ليعلم — هو يعلم من الأزل لأنّه خارج الزمن. وعلمه بإيمان الإنسان لا يعني أنّ الإنسان يُمدّ بإيمانه من ذاته مستقلًّا عن النعمة — بل يعني أنّ الإله يعرف من سيؤمن حين تعمل نعمته في قلبه بالبشارة والروح. السيادة الإلهيّة تشمل علمه بجميع الاستجابات الحرّة دون إلغائها.

وهذا الموقف يُحافظ على ثلاثة أمورٍ معًا في التوازن الكتابيّ: عدل الإله (لأنّ الإنسان يُحاسَب على اختياره الحقيقيّ)، ومحبّة الإله (لأنّه لم يُنشئ أحدًا للهلاك دون سبب)، وسيادة الإله (لأنّ علمه الأزليّ شاملٌ لكلّ شيءٍ دون قيد).

علم الإله لا يُلغي حريّة الإنسان — تشبيهٌ يُوضح

تخيّل مراقبًا يقف على قمّة جبلٍ شاهقٍ يرى قافلةً طويلةً تسير في الوادي أمامه — يرى رأسها وذيلها في آنٍ واحد. إدراكه لحركة القافلة كلّها في لحظةٍ واحدة لا يُلغي حريّة كلّ فردٍ في القافلة أن يمشي بخطواته الخاصّة ويتّخذ قراراته. هكذا الإله من فوق الزمان — يرى تاريخ البشريّة كلّها من أوّله لآخره في «لحظةٍ» أزليّة واحدة، دون أن يكون «قد أجبر» أحدًا على خطواته. علمه بما سيكون علمٌ بحقيقةٍ ستكون لا إجبارٌ على حدوثها.

هذا التشبيه ناقصٌ كأيّ تشبيهٍ بشريٍّ عن طبيعة الإله — لكنّه يُوضح الفكرة الأساسيّة: العلم والحريّة يمكن أن يتعايشا دون تعارض. وهذا ما يُعلّمه الكتاب: الإله سيّدٌ عالمٌ بكلّ شيءٍ، والإنسان مسؤولٌ حقيقيٌّ عن اختياراته الحقيقيّة.

الدعوة الكونيّة والاختيار السابق — لا تعارض

الجمع بين الدعوة الكونيّة («كلّ من يؤمن»، «الجميع»، «كلّ من يدعو») والاختيار السابق (رومية ٨: ٢٩، أفسس ١: ٤) يبدو متناقضًا فقط إن أدخلنا في الاختيار الانتخابَ الكالفينيّ المتشدّد. لكن إن فهمنا الاختيار على أساس العلم السابق بالإيمان، يختفي التناقض: الإله يدعو الجميع بصدق، ويعلم أزلًا من سيؤمن، ويختار المؤمنين على أساس ذلك العلم. الدعوة صادقةٌ لكلّ أحد — والاختيار لكلّ من سيُجيب.

ولذلك يُكرز الرسل لكلّ الناس «كلّ من يؤمن» دون أن يتعارض ذلك مع عقيدة الاختيار — لأنّ «كلّ من يؤمن» هو بالضبط «كلّ من عرفهم الله أزلًا». الدعوة لا تحتاج تقييدًا مسبقًا لأنّ علم الإله يشمل كلّ الاستجابات — والبشارة صادقةٌ لكلّ أحدٍ لأنّ كلّ أحدٍ أمام إمكانيّة الإيمان.

الخلاصة — الاختيار في الكتاب محبّةٌ تعرف لا إرادةٌ عمياء

الاختيار الكتابيّ بمقتضى العلم السابق ليس «اعتمادًا على الإنسان» — بل هو تعبيرٌ عن إلهٍ عالِمٍ بكلّ شيءٍ يختار في ضوء معرفته الكاملة لا بمعزلٍ عنها. الإله يعرف كلّ إنسانٍ معرفةً تامّة — ويعلم في أزله مَن سيؤمن بـالمسيح حين تُعرَض عليه البشارة — ويختار هؤلاء لمشابهة صورة ابنه وللتمجيد الأبديّ. وهذا الاختيار محبّةٌ حقيقيّةٌ لأشخاصٍ حقيقيّين لا تصنيفٌ عشوائيٌّ لأرقامٍ مجهولة.

وللمؤمن في هذا التعليم طمأنينةٌ عميقةٌ: إيمانه لم يكن مفاجأةً لـالإله. عرفه الإله منذ الأزل، واختاره في المسيح، وسيُتمّ في حياته ما بدأه — «واثقًا بهذا عينه أنّ الذي ابتدأ فيكم عملًا صالحًا يُكمّل» (فيلبّي ١: ٦). ليس لأنّه أُجبر على الإيمان — بل لأنّ الإله العارف من الأزل يحفظ ما اعترف به حين آمن.

البيلاغيّة والكالفينية — كلتاهما تُخطئ لكنّ العلم السابق ليس بيلاغيًّا

يحذر الكالفينيّون من «العلم السابق كأساسٍ للاختيار» خوفًا من أن يُؤدّي إلى البيلاغيّة — أي القول إنّ الإنسان ينقذ نفسه بمبادرته. لكنّ الفرق جوهريّ: البيلاغيّة تقول إنّ الإيمان من قوّة الإنسان الذاتيّة. أمّا «العلم السابق» فلا يقول هذا — بل يقول إنّ الإله يعلم أزلًا من سيستجيب لنعمته ويؤمن بـروحه. الإيمان نفسه ثمرةٌ لنعمة الإله العاملة — لكنّ الإله يعرف من أزله مَن سيقبل تلك النعمة ولا يُقاومها. وهذا لا صلة له بالبيلاغيّة.

الكالفينية والبيلاغيّة كلتاهما أخطأتا لكن في اتّجاهَين معاكسَين: البيلاغيّة أعطت الإنسان كثيرًا، والكالفينية أعطت الإله كلّ شيءٍ حتّى ألغت مسؤوليّة الإنسان الحقيقيّة. والموقف الكتابيّ يقف في مكانٍ آخر: الإله يعمل بسيادةٍ كاملة، والإنسان يستجيب بمسؤوليّةٍ حقيقيّة، والإيمان نعمةٌ إلهيّةٌ يقبلها الإنسان باختياره.

«الله لا يُحابي الوجوه» والاختيار — هل يتعارضان؟

أعلن بطرس: «بالحقّ أنا أجد أنّ الله لا يقبل الوجوه» (أعمال ١٠: ٣٤). إن كان الاختيار غير المشروط (Unconditional) يعني اختيار بعضٍ وتجاوز آخرين بلا أيّ سببٍ فيهم — فهذا تمييزٌ بلا سبب، وهو بالتعريف «قبول الوجوه». أمّا الاختيار بالعلم السابق — حيث الإله يختار على أساس علمه بإيمانهم — فلا يُمثّل تمييزًا تعسّفيًّا لأنّ الأساس موجودٌ وهو الإيمان. هكذا يتوافق «لا يقبل الوجوه» مع الاختيار بالعلم السابق تمامًا — بينما يتعارض مع «الاختيار غير المشروط» بمعناه الكالفينيّ.

«الربّ يعلم الذين هم له» — الطمأنينة من معرفة الإله

«يَعْلَمُ الرَّبُّ الَّذِينَ هُمْ لَهُ» (تيموثاوس الثانية ٢: ١٩) — هذه الكلمة تُعطي المؤمن طمأنينةً عميقة. الربّ يعرف مَن هم له — لا بمعنى قائمةٍ سرّيّةٍ محفورةٍ في الأزل — بل بمعنى المعرفة الشخصيّة العميقة للمؤمن الذي آمن. والختم الذي يُتابع الآية يكشف الجانب البشريّ: «وليتجنب الإثم كلّ من يُسمّي اسم المسيح» — العلم الإلهيّ لا يُلغي مسؤوليّة المؤمن أن يحيا حياةً مقدّسة.

فالمؤمن يطمئنّ لأنّ الربّ يعرفه ويحفظه — لا لأنّه يُحصي أعماله الصالحة. واليقين في الأمان الأبديّ قائمٌ على معرفة الإله للمؤمن، وحفظه إيّاه، ووعده بعدم إخراجه خارجًا. وهذه المعرفة الإلهيّة نفسها هي التي اختارته من الأزل في علمه السابق بإيمانه.

الاختيار الكتابيّ يُعزّز الكرازة لا يُعيقها

إن كان الاختيار مبنيًّا على العلم السابق بمَن سيؤمن حين يُكرَز له — فهذا يُعطي الكارز سببًا إضافيًّا للكرازة لكلّ الناس بحماسٍ حقيقيّ: لأنّ بين الذين يُكرَز لهم مَن علمهم الإله ويؤمنون حين يسمعون. الكارز لا يعرف مَن هم — لكنّه يعرف أنّ الإله يعرفهم — فيكرز لجميعهم بثقةٍ أنّ البشارة صادقةٌ لكلّ أحدٍ منهم وأنّ المستجيبين موجودون بينهم.

وهذا بالضبط ما فعله الرسول بولس في كلّ مكان: يُكرَز للجميع بقلبٍ راغبٍ في خلاص كلّ سامع — ويتركُ نتيجةَ الاستجابة لعمل الإله في القلوب. لاهوتٌ يعظّم الإله ويُطلق الكرازة في آنٍ واحد. وهذا ما يُميّز اللاهوت الكتابيّ عن الكالفينية الصارمة: يُبقي الكارز متحمّسًا لكلّ أحدٍ أمامه بدلًا من أن يتساءل في نفسه «هل هذا من المختارين؟» — لأنّ الجواب عنده أنّ كلّ مَن يسمع البشارة مدعوٌّ بصدق وبإمكانه أن يؤمن، وإيمانه سيُثبت أنّ الإله كان يعرفه من الأزل — وذلك اليقين الأزليّ نعمةٌ لا استحقاقٌ، وهبةٌ لا إنجازٌ بشريٌّ — فكلّ المجد لـالإله وحده الذي رأى في علمه الأزليّ وكانت محبّته فينا قبل أن تكون نحن.

رومية ٨ كلّها — الصورة الكاملة من العلم إلى التمجيد

رومية ٨: ٢٩-٣٠ تُعطي السلسلة الذهبيّة كاملة: «الذين سبق فعرفهم» ← «سبق فعيّنهم» ← «دعاهم» ← «برّرهم» ← «مجّدهم». كلّ مرحلةٍ تُفضي إلى التالية بضرورةٍ وثقة. وهذه السلسلة تبدأ بالمعرفة السابقة وليس بقضاءٍ مجرَّد. المؤمن الذي دخل «الدعوة» وقَبِل التبرير قد ضُمِن له التمجيد — لأنّ الإله الذي رآه في علمه الأزليّ سيُتمّ ما بدأه.

وبعد السلسلة الذهبيّة يطرح بولس السؤال الكبير: «إن كان الله معنا فمَن علينا؟» — ثمّ يُتوّج رومية الثامن بإعلان: «لا شيء من الدينونة الآن» (آية ١) و«لا شيء يفصلنا عن محبّة الله» (آيات ٣٨-٣٩). الأمان الكتابيّ الكامل قائمٌ على هذه المعرفة الأزليّة وليس على أداء الإنسان.

إله الكتاب يعرفك ويدعوك بإيمانك الحقيقيّ

الخبر السارّ في الاختيار الكتابيّ: الإله لا يختار أشباحًا أو أرقامًا — بل يختار أشخاصًا يعرفهم بإيمانهم الحقيقيّ. ويقول الكتاب: «يَعْلَمُ الرَّبُّ الَّذِينَ هُمْ لَهُ» (تيموثاوس الثانية ٢: ١٩). «الذين هم له» — هم المؤمنون الذين اتّخذوا موقفًا إيمانيًّا حقيقيًّا. الربّ يعرفهم — لا بمعنى أنّه يعرف بعضًا دون بعض بالطريقة الكالفينية السرّيّة — بل بمعنى المعرفة العميقة والعلاقة الحقيقية. إنّ إيمانك بـالمسيح — إن آمنت — لم يكن مفاجأةً لـالإله. رآه في علمه الأزليّ، وعلى أساسه اختارك لمشابهة صورة ابنه، ولن يتركك تهلك أبدًا: «لا أُخرجه خارجًا» (يوحنا ٦: ٣٧). «آمِنْ بِالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ فَتَخْلُصَ» (أعمال الرسل ١٦: ٣١).

ونشجّعك أن تبدأ بقراءة إنجيل يوحنّا بنفسك، وأن تواظب على كلمة الإله في النسخة الملك جيمس (KJV)، وفي ترجمة فان دايك في العربيّة، وكلتاهما في هذا الموقع (alinjil.com). ليباركك الإله وأنت تأتي إليه بقلبٍ مؤمن.

دعوة لنوال الخلاص الإلهي — اقبل الرب يسوع المسيح كمخلصك الشخصي

عزيزي القارئ — إن لمست هذه الكلمات قلبك وأدركت أنك خاطئ بحاجة إلى مخلّص، فاعلم أن الإله يدعوك إليه في هذه اللحظة بالذات. لست بحاجة إلى كاهن، ولا إلى وسيط بشري، ولا إلى مكان مقدس، ولا إلى طقوس أو أعمال. الرب يسوع المسيح دفع الثمن كاملاً على الصليب، ووعدُ الإله قاطع وواضح:

«لأَنَّ «كُلَّ مَنْ يَدْعُو بِاسْمِ الرَّبِّ يَخْلُصُ».» — رومية ١٠: ١٣

ما يخلّصك ليس ألفاظ هذه الصلاة — بل الإيمان الذي في قلبك بأن الرب يسوع المسيح مات لأجلك وقام من الأموات. لكن إن أردت أن تعبّر عن إيمانك بكلمات صادقة، اقرأ هذه الصلاة بقلب خاشع وكأنك تخاطب الإله الحيّ:

صلاة الخلاص

«أيّها الإله العظيم القدّوس المُحِبّ، الإله الحقيقيّ الوحيد،

آتي إليك الآن بكل تواضع، معترفاً أنّي خاطئ. لقد كسرت وصاياك مرّاتٍ كثيرة في فكري وفي كلامي وفي أعمالي. وأعرف أنّ خطيّتي تستحقّ الموت الأبديّ والانفصال عنك إلى الأبد. لا أملك أيّ عملٍ صالحٍ أقدّمه يستطيع أن يفدي نفسي، ولا أيّ برٍّ من ذاتي أستر به عُريي أمام قداستك.

لكنّي أؤمن من كلّ قلبي بشهادة كلمتك أنّ ابنك الوحيد، الرب يسوع المسيح، مات على الصليب من أجل خطاياي — حاملاً عنّي العقوبة التي كنت أستحقّها. أؤمن أنّه دُفن، وأنّه قام من الأموات في اليوم الثالث، حيّاً منتصراً على الموت والقبر، وأنّه حيٌّ الآن إلى أبد الآبدين.

في هذه اللحظة المباركة، أنا أقبل الرب يسوع المسيح مخلّصاً شخصياً لي. أتّكل عليه وحده — لا على أعمالي، ولا على ديني، ولا على طقوسٍ ولا على إنسانٍ ولا على ملاكٍ ولا على قدّيس. على الرب يسوع المسيح وحده، وعلى دمه الكريم المسفوك على الصليب، أبني رجاء خلاصي الأبدي.

أشكرك يا أبي لأنّك قبلتني الآن في الرب يسوع المسيح، وغفرت لي كلّ خطاياي، وأعطيتني الحياة الأبدية هبةً مجانيّةً بنعمتك. أشكرك لأنّك أرسلت روحك القدوس ليسكن في قلبي، شاهداً لي بأنّي صرت ابنك. أعطني نعمةً أن أعرفك أكثر يوماً بعد يومٍ، وأن أحيا بقيّة حياتي لمجدك وحدك.

أصلّي هذا كلّه باسم ربّي ومخلّصي يسوع المسيح، بقوّة الروح القدس. آمين.»

بعد أن صلّيت — ما العمل الآن؟

إن صلّيت هذه الصلاة من قلبٍ مؤمنٍ صادق، فقد حدثت في هذه اللحظة أعظم معجزةٍ في تاريخك كلّه: انتقلت من الموت إلى الحياة، ومن الظلمة إلى النور، ومن مملكة الخطية إلى ملكوت ابن الإله الحبيب. صرتُ ابنًا للإله الحيّ، ووعد الإله نفسه يضمن لك ذلك بكلمته الموثوقة:

«وَأَمَّا كُلُّ الَّذِينَ قَبِلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ سُلْطَانًا أَنْ يَصِيرُوا أَوْلاَدَ اللهِ، أَيِ الْمُؤْمِنُونَ بِاسْمِهِ» — يوحنا ١: ١٢

لاحظ معي قوّة هذا الوعد: «أعطاهم سلطاناً» — أي حقّاً ثابتاً مضموناً، لا أمنيةً ولا احتمالاً. ولاحظ كلمة «المؤمنون باسمه» — ليس «الذين عملوا أعمالاً عظيمة»، ولا «الذين أتمّوا الطقوس»، بل ببساطة «المؤمنون». أنت الآن واحدٌ منهم — بكلّ تأكيدٍ ويقين.

وإليك خمس خطوات بسيطة تثبّتك في حياتك الجديدة مع الرب يسوع المسيح:

أولاً — اقرأ الكتاب المقدس يومياً. ابدأ بإنجيل يوحنا، ثمّ تابع بقيّة العهد الجديد، ثمّ المزامير والأمثال. الإله يتكلّم معك من خلال كلمته كما يتكلّم الأب مع ابنه. لا تقرأ بسرعة — اقرأ بتأمّلٍ وصلاة. «اَلصَّبِيُّ الَّذِي مُنْذُ الطُّفُولِيَّةِ تَعْرِفُ الْكُتُبَ الْمُقَدَّسَةَ، الْقَادِرَةَ أَنْ تُحَكِّمَكَ لِلْخَلاَصِ» (تيموثاوس الثانية ٣: ١٥).

ثانياً — صلِّ يومياً. كلّم الإله كأبٍ محبّ — ليس بألفاظٍ محفوظة، بل بكلامٍ من قلبك. شاركه أفراحك وأحزانك وأسئلتك ومخاوفك. الصلاة هي تنفّس الحياة المسيحية. «صَلُّوا بِلاَ انْقِطَاعٍ» (تسالونيكي الأولى ٥: ١٧).

ثالثاً — انضمّ إلى كنيسةٍ تؤمن بالكتاب المقدّس. لا تسير في الطريق وحدك. الإيمان ينمو في شركة المؤمنين، حيث الكلمة تُكرز بأمانة، والمعمودية والعشاء الربّاني يُمارسان بحسب الكتاب. «غَيْرَ تَارِكِينَ اجْتِمَاعَنَا» (العبرانيين ١٠: ٢٥).

رابعاً — اعتمد بحسب الكتاب المقدّس. المعمودية ليست شرطاً للخلاص، لكنّها الخطوة الأولى للطاعة بعد الإيمان. هي إعلانٌ علنيّ بأنّك متّ مع الرب يسوع المسيح ودُفنت معه وقمت معه إلى حياةٍ جديدة. «مَنْ آمَنَ وَاعْتَمَدَ خَلَصَ» (مرقس ١٦: ١٦) — الإيمان أوّلاً، ثمّ المعمودية كثمرة طبيعيّة للإيمان.

خامساً — اشهد للآخرين عن الرب يسوع المسيح. ما اختبرته من خلاصٍ ومحبّة لا يمكن أن يبقى مكتوماً. ابدأ بأقربائك وأصدقائك. اروِ لهم ببساطة وصدق كيف غيّر الرب يسوع المسيح حياتك. «اَلَّذِي رَأَيْنَاهُ وَسَمِعْنَاهُ نُخْبِرُكُمْ بِهِ» (يوحنا الأولى ١: ٣).

وأخيراً، تذكّر دائماً أنّ خلاصك ليس مبنياً على شعورك ولا على عمل تعمله — بل على وعد الإله الذي لا يتغيّر:

«كَتَبْتُ هذَا إِلَيْكُمْ أَنْتُمُ الْمُؤْمِنِينَ بِاسْمِ ابْنِ اللهِ لِكَيْ تَعْلَمُوا أَنَّ لَكُمْ حَيَاةً أَبَدِيَّةً»
— يوحنا الأولى ٥: ١٣

لاحظ: «لِكَيْ تَعْلَمُوا» — ليس لكي ترجو، ولا لكي تتمنّى، ولا لكي تنتظر بقلقٍ يوم الدينونة. بل لكي تعلم بيقينٍ كاملٍ ثابتٍ لا يتزعزع أنّ لك حياةً أبديّة. هذا هو الفرق بين كلّ دياناتٍ العالم وبين إنجيل الرب يسوع المسيح: الأديان تقول «اعمل وربّما تخلص» — وكلمة الإله وحدها تقول: «آمن واعلم أنّك مخلّص».

✉ شاركنا شهادة خلاصك

«يَكُونُ فَرَحٌ قُدَّامَ مَلاَئِكَةِ اللهِ بِخَاطِئٍ وَاحِدٍ يَتُوبُ» — لوقا ١٥: ١٠

← العودة إلى صفحة الأسئلة والأجوبة