هل يوجد اليوم رسلٌ وأنبياء بنفس سلطان رسل العهد الجديد؟
تُعلِّم حركة الإصلاح الرسوليّ الجديدة (NAR) وبعض التيّارات الكاريزميّة أنّ الإله يُقيم اليوم «رسلًا وأنبياء» يحملون نفس السلطان الذي كان للرسل الأوائل — بل إنّ بعضهم يدَّعون سلطانًا يتجاوزه. ويُقال: «الكنيسة في هذا الجيل ستكمل ما بدأ به الرسل الأوائل، وهذا يستلزم وجود رسلٍ وأنبياء من صنفٍ مساوٍ.» وهذا التعليم لا يبدو خطيرًا للوهلة الأولى — بل يبدو مُتشوِّقًا إلى استعادة حيويّة الكنيسة الأولى. لكن حين نفحصه بالكتاب المقدّس نجد أنّه يتناقض مع تعريف الكتاب للرسوليّة وشروطها ووظيفتها. فلا بدَّ من سؤالٍ صريح: ما الذي يُعرِّف به الكتاب «الرسول» وهل يمكن لأيٍّ كان اليوم أن يستوفي هذا التعريف؟
أوّلًا: أساس الكنيسة — رسلٌ وأنبياء وُضع بهم الأساس
الكنيسة «مبنيّةٌ على أساس الرسل والأنبياء.» هذا التعبير يُخبرنا بشيءٍ جوهريٍّ عن وظيفة الرسوليّة: الرسل والأنبياء وضعوا الأساس. والأساس لا يُوضَع مرّتَيْن — يُوضَع مرّةً واحدة ثمّ يُبنى عليه. دورهم كان وضع الأساس الكتابيّ اللاهوتيّ الذي تقوم عليه الكنيسة — وقد أنجزوا هذه المهمّة في الكتاب المقدّس الذي أوحى به الإله من خلالهم. اليوم نحن نبني على الأساس الموضوع — لا نضع أساسًا جديدًا. وتعليمٌ يقول إنّ الإله يُقيم رسلًا جُددًا بنفس السلطان يتناقض مع صورة الكتاب عن الرسوليّة كعملٍ تأسيسيٍّ أُنجِز.
ثانيًا: شروط الرسوليّة في الكتاب — ليست قابلة للتكرار
حين احتاجت الكنيسة الأولى إلى اختيار خلفٍ ليهوذا الإسخريوطيّ، حدَّد بطرس شرطَيْن لا يمكن التسامح فيهما: أوّلًا أن يكون الشخص قد اجتمع مع المسيح «كلّ الزمان» منذ معموديّة يوحنّا — أي أن يكون شاهدَ عيانٍ على خدمته كلّها. وثانيًا أن يكون شاهدًا على قيامته. هذان الشرطان في طبيعتهما التاريخيّة لا يمكن استيفاؤهما اليوم — لأنّ المسيح لم يعد يمشي بالجسد بين الناس. وقد اعترف بولس الرسول بذلك بنفسه: «أَلَسْتُ أَنَا رَسُولًا؟ أَلَمْ أَرَ يَسُوعَ الْمَسِيحَ رَبَّنَا؟» (١ كورنثوس ٩: ١) — إذ علَّل رسوليّته برؤية المسيح القائم رأيَ العيان. أيُّ شخصٍ اليوم لم ير المسيح القائم رأيَ العيان — ومن يدَّعي ذلك يخالف الواقع والكتاب.
ثالثًا: آيات الرسول — شهادةٌ تأسيسيّة لا تتكرَّر
الرسول بولس يذكر «آيات رسوليَّته» بوصفها دليلًا لا لبس فيه: «آيَاتُ رَسُولٍ صُنِعَتْ بَيْنَكُمْ بِكُلِّ صَبْرٍ بِآيَاتٍ وَعَجَائِبَ وَقُوَّاتٍ» (٢ كورنثوس ١٢: ١٢). وهذه الآيات كانت تشهيداتٍ إلهيّةً على صحّة رسالة الرسول في سياق إقامة الكنيسة الأوّلى. وهي مرتبطةٌ بالمرحلة التأسيسيّة التي وضعت فيها الكنيسة أسسها اللاهوتيّة. وحين اكتمل الوحي الكتابيّ انتقلت الكنيسة من مرحلة «التأسيس» إلى مرحلة «البنيان» — ومرحلة البنيان لا تحتاج إلى رسلٍ جُدد بالمعنى الكتابيّ، بل تحتاج إلى معلِّمين ورعاة وكارزين يبنون على الأساس الذي وضعه الرسل.
رابعًا: لا أحد مساوٍ لبطرس وبولس في السلطان والوحي
الرسل الأوائل لم يكونوا مجرَّد قادةٍ روحيّين متميِّزين — بل كانوا أوعيةَ الوحي الإلهيّ ذاته. ما كتبه بولس وبطرس وغيرهم من الرسل صار الكتاب المقدّس المُعترَف به بالكنيسة كلّها وحيًا إلهيًّا. من يدَّعي اليوم «رسوليّةً» بنفس سلطان بولس يدَّعي أنّ كلامه وحيٌّ مُلزِمٌ للكنيسة كلّها — وهذا يتناقض مع إغلاق الوحي ويُعرِّض الكنيسة لأخطاءٍ عقديّة جسيمة. والتاريخ يشهد أنّ كلّ من ادَّعى هذا «السلطان الرسوليّ» في تاريخ الكنيسة انتهى في أغلب الأحيان إلى الانحراف أو إلى السيطرة على الآخرين بطريقةٍ لا تتوافق مع روح الخدمة الكتابيّة.
خامسًا: وظائف الرسول والنبيّ والمعلِّم في الكنيسة اليوم
الكتاب يُعلِّم وجود مواهب مختلفة في الكنيسة لخدمة جسد المسيح — ومنها مواهب التعليم والإرشاد والإشراف والوعظ. لكنّ وظيفة «الرسول» بمعنى مساوٍ لرسل العهد الجديد — من تلقَّى الوحي المُلزِم وأرسى أساس العقيدة — هذه الوظيفة قد أُدِّيت وأُنجِزت. ومن الجائز أن تُستخدَم كلمة «رسول» (المُرسَل) بمعنًى أوسع للإشارة إلى «مُرسَلٍ في مهمّة» — كما نُسمِّي المُرسَلين المبشِّرين رسلًا — لكن لا بالمعنى التأسيسيّ الذي يجعل كلامهم في سلطة الكتاب. وهذا التمييز يُحافظ على كلٍّ من احترام الرسوليّة الكتابيّة وعمل الجسد في جيلنا.
سادسًا: امتحان المدَّعين — معيار العهد القديم لا يزال صالحًا
الكتاب يُعطينا معيارًا صريحًا لامتحان الأنبياء المزعومين في العهد القديم: «وَإِنْ قُلْتَ فِي قَلْبِكَ كَيْفَ نَعْرِفُ الْكَلاَمَ الَّذِي لَمْ يَتَكَلَّمْ بِهِ الرَّبُّ؟ فَمَا تَكَلَّمَ بِهِ النَّبِيُّ بِاسْمِ الرَّبِّ وَلَمْ يَكُنِ الْكَلاَمُ وَلَمْ يَتِمَّ فَهُوَ الْكَلاَمُ الَّذِي لَمْ يَتَكَلَّمْ بِهِ الرَّبُّ» (تثنية ١٨: ٢١-٢٢). النبيّ الحقيقيّ لا تخطئ نبوءاته — حتّى مرّةً واحدة. من نطق ما لم يتمّ فهو نبيٌّ كاذب مهما كانت ادّعاءاته. وحين نطبِّق هذا المعيار على كثيرٍ من «أنبياء ورسل» العصر الحديث نجد سجلًّا من النبوءات التي لم تتحقَّق — ومع ذلك يستمرّون في ادّعاء الوحي. وهذا في نظر الكتاب تقييمٌ حاسم لا يحتاج إلى مزيدٍ من الدليل.
سابعًا: الخطر على الكنيسة من قبول هذا التعليم
حين تُقبِل الكنيسة تعليم «الرسل والأنبياء الجدد» عمليًّا تتعرَّض لمخاطر جدّيّة: تتحوَّل السلطة من الكتاب إلى الأشخاص — فيُصبح «قال الرسول» أو «قالت النبيّة» أقوى في عقول الناس من «قال الكتاب.» وهذا يفتح الباب لسيطرةٍ غير كتابيّة على المؤمنين تحت ستار السلطان الروحيّ. والكتاب يُحذِّر من «رسل كذبة فعلة ماكرون مغيِّرون شكلهم إلى شبه رسل المسيح» (٢ كورنثوس ١١: ١٣) — تحذيرٌ لا ينبغي أن يُستهان به في كلّ جيل.
ثامنًا: ما الذي تحتاجه الكنيسة اليوم فعلًا؟
الكنيسة اليوم لا تحتاج إلى «رسلٍ جُدد» يُضيفون إلى الأساس الذي وضعه الرسل الأوائل — بل تحتاج إلى معلِّمين أمناء يُعلِّمون من الكتاب، ورعاةً محبِّين يرعون الجماعة، ومبشِّرين أمناء يكرزون بالإنجيل الحقيقيّ، وشمّاسة خادمين يُعينون المحتاجين. هذه المواهب وهذه الخدمات هي ما يدعو إليها الكتاب لكنيسة اليوم — وكلّها موجودةٌ ومُمارَسة في كنائس أمينة في كلّ العالَم. ولا تحتاج هذه الكنائس إلى «رسلٍ جُدد» لتكون كنائس حيّةً فاعلةً ثمَّارة للمجد الإله.
الخلاصة: الرسل الأساس قد أنجزوا مهمَّتهم
رسل العهد الجديد أدَّوا مهمَّةً تأسيسيّةً فريدةً غير قابلةٍ للتكرار: تلقَّوا الوحي الإلهيّ، وأرسوا أسس عقيدة الكنيسة، وشهدوا بقيامة المسيح شهادةَ عيانٍ مباشر. كلّ هذا موثَّقٌ ومحفوظٌ في الكتاب المقدّس الذي هو الأساس الذي تبني عليه الكنيسة في كلّ جيل. لا توجد حاجةٌ إلى رسلٍ جُدد بنفس هذا السلطان — ولا يمكن استيفاء شروط الرسوليّة الكتابيّة اليوم. والكنيسة الكتابيّة الأمينة تبني على هذا الأساس بالكتاب وبمواهب الخدمة التي أعطاها الإله للجسد في كلّ جيل.
تاسعًا: مواجهة الحجج الشائعة
يُقال أحيانًا: «الإله نفسه يُعيِّن الرسل فمن نحن لننفي من يعيِّنهم؟» والجواب: الإله أعطانا في الكتاب تعريف الرسول الذي عيَّنه هو — وهو تعريفٌ يشترط رؤية المسيح القائم رأيَ العيان والاجتماع معه في خدمته. فلنطبِّق تعريف الإله لا تعريف المُدَّعين أنفسهم. ويُقال أيضًا: «الإنجيل ٤: ١١ يذكر الرسل كمواهب مستمرّة.» والجواب: الآية تذكر «رسلًا» في سياق مواهب الجسد — وقد يُطلَق هذا اللقب بمعنًى عامٍّ على المُرسَلين. لكنّ هذا يختلف جذريًّا عن الرسل التأسيسيّين الذين يحملون الوحي ويُؤسِّسون العقيدة. وحين يدَّعي أحدهم سلطان الرسل التأسيسيّين فالكتاب يُطالبه بما أثبت به بولس رسوليّته — رؤية المسيح القائم رأيَ العيان.
عاشرًا: أبرز ادّعاءات «الرسل الجدد» وفحصها
تدَّعي حركة الإصلاح الرسوليّ الجديدة أنّ هذا الجيل هو جيلٌ «فوق طبيعيٍّ» تعمل فيه قوى إلهيّة غير مسبوقة سيُهيمن فيها «الرسل والأنبياء» على الأمم ويُعِدّون العالَم لعودة المسيح. هذا التعليم لا أصل له في الكتاب — بل يتناقض مع تعليم الكتاب عن آخر الأيّام الذي يصفها بتنامي الردّة وليس باستقرار «الرسل» على الممالك. «أَمَّا الرُّوحُ فَصَرِيحًا يَقُولُ إِنَّهُ فِي الأَزْمِنَةِ الأَخِيرَةِ يَرْتَدُّ قَوْمٌ عَنِ الإِيمَانِ» (١ تيموثاوس ٤: ١) — الكتاب يُحذِّر من ردّةٍ لا يعِد باستيلاء «رسليٍّ» على العالَم. والتعليم الذي يعِد بذلك يُضلِّل من يتَّبعه ويُشغِلهم بمشروعٍ لا علاقة له بالكتاب.
الحادي عشر: معيار الخدمة الكتابيّة — التواضع والخدمة
أعظم ما يُميِّز خدمة الرسل الحقيقيّين في الكتاب هو التواضع والخدمة لا ادّعاء السلطان. «جَعَلَ الإلهُ الرُّسُلَ فِي الدَّرَجَةِ الأُولَى» (١ كورنثوس ١٢: ٢٨) — لكن بولس الذي كتب هذا كتب أيضًا «لأَنِّي أَظُنُّ أَنَّ الإلهَ أَظْهَرَنَا نَحْنُ الرُّسُلَ آخِرِينَ كَمَحْكُومٍ عَلَيْهِمْ بِالْمَوْتِ» (١ كورنثوس ٤: ٩) — آخرين لا أوائل في حساب البشر، محكومًا عليهم لا مُسيطِرين. وكلّ ادّعاءٍ برسوليّةٍ يُرافقه طلبُ سلطانٍ وهيمنةٍ على الآخرين يتناقض مع نموذج بولس الذي قال «لَسْنَا نَتَسَلَّطُ عَلَى إِيمَانِكُمْ» (٢ كورنثوس ١: ٢٤).
الثاني عشر: دعوةٌ للكنيسة
في عالَمٍ كثرت فيه الادّعاءات بالسلطان الروحيّ، تُدعى الكنيسة إلى أن تُرسِّخ نفسها على الصخرة الوحيدة التي لا تتزعزع: كتاب الإله الموحَى به. «امتحنوا الأرواح هل هي من الإله» — هذا الأمر أشدّ حاجةً في هذا الجيل ممّا مضى. وامتحان المُدَّعين برسوليّةٍ جديدة بمعيار الكتاب هو فعلٌ من أفعال المحبّة — محبّةٌ للكنيسة التي يُراد استغلالها، ومحبّةٌ للحقيقة التي يجب أن تعلو. «الَّذِينَ يُعَلِّمُونَكُمْ بِخِلاَفِ مَا تَعَلَّمْتُمْ تَجَنَّبُوهُمْ» (رومية ١٦: ١٧) — وصيّةٌ رسوليّة لا تحتاج إلى تفسير.
الثالث عشر: تاريخ الكنيسة يُحذِّر — كلّ ادّعاءٍ برسوليّة جديدة أنتج انحرافًا
حين نقرأ تاريخ الكنيسة نجد أنّ كلّ حركةٍ ادَّعت «استعادة الرسوليّة» بسلطانٍ مساوٍ لرسل العهد الجديد انتهت إلى الانحراف أو إلى الإضرار بأتباعها. في القرن الثاني ظهرت «الحركة المونتانيّة» بادّعاء وحيٍّ جديدٍ ورسوليّةٍ مستجدَّة — ورُفضت من الكنيسة المسكونيّة. وعبر القرون لم تختلف النتيجة. هذا النمط المتكرِّر ليس صدفةً — بل هو تحقُّقٌ لتحذير الكتاب الذي حصَّن الكنيسة بالوحي المكتوب الكامل الكافي. والكنيسة الحكيمة تتعلَّم من هذا التاريخ وترفض كلّ ادّعاءٍ يُضيف إلى الأساس الذي وضعه الرسل وحُفِظ في الكتاب.
الرابع عشر: إنجيلٌ واحد وأساسٌ واحد — لا إضافة ولا تعديل
يُنهي الرسول بولس تحذيره في الغلاطيّين بقوله: «كَمَا سَبَقْنَا فَقُلْنَا أَقُولُ الآنَ أَيْضًا: إِنْ كَانَ أَحَدٌ يُبَشِّرُكُمْ بِغَيْرِ مَا قَبِلْتُمْ فَلْيَكُنْ أَنَاثِيمَا» (غلاطية ١: ٩). «ما قبلتم» — ما سبق أن قبلته الكنيسة من الرسل الأصليّين هو المعيار. وكلّ ما يتجاوزه أو يخالفه — مهما كان تقديمه — يخضع لهذا الحكم القاطع. الإنجيل أُعطي كاملًا، والأساس وُضع بشكلٍ نهائيّ، والكنيسة تبني عليه لا تُضيف إليه. وهذا هو الموقف الكتابيّ الأمين الذي يحفظ الكنيسة ويُثمِر فيها ويُوصِل الإنجيل إلى الأجيال القادمة.
الخامس عشر: ما يحتاجه المؤمن بدلًا من الرسل الجدد
بدلًا من البحث عن «رسلٍ وأنبياء جدد» يُعطيهم التوجيه والسلطان، يحتاج المؤمن إلى ما وعد به الكتاب: إلى الروح القدس الساكن فيه منذ إيمانه الذي «يُرشِده إلى جميع الحقّ» (يوحنّا ١٦: ١٣). إلى كتاب الإله الكامل الكافي الذي هو «سراجٌ لرجله ونورٌ لسبيله» (مزمور ١١٩: ١٠٥). إلى مجتمع المؤمنين حيث يحمل كلٌّ أثقال الآخر ويبني كلٌّ الآخرين بمواهبه المتنوِّعة. هذا ما يُعطيه الإله لكلّ مؤمنٍ بشكلٍ مباشر — دون أن يكون رهينًا لـ«رسولٍ» يُقرِّر له ما يؤمن به.
السادس عشر: الكنيسة في كلّ جيل — مكتفيةٌ بالكتاب
الكنيسة في كلّ قرونها — من القرن الأوّل إلى اليوم — عاشت وانتشرت وأثمرت دون «رسلٍ جُدد» بالمعنى الكتابيّ. ملايين المؤمنين في كلّ أرجاء العالَم نمَوا في الإيمان وخدموا الإله وشهدوا للإنجيل — بالكتاب والروح القدس وجسد المسيح المحلّيّ. وهذا يُثبِت أنّ فكرة «الكنيسة ناقصةٌ بدون رسلٍ جدد» لا أساس لها في الواقع ولا في الكتاب. الكنيسة كاملةٌ بما أعطاها الإله في الكتاب والروح القدس والجسد — «وَهُوَ أَعْطَى بَعْضَهُمْ رُسُلًا وَبَعْضَهُمْ أَنْبِيَاءَ وَبَعْضَهُمْ مُبَشِّرِينَ وَبَعْضَهُمْ رُعَاةً وَمُعَلِّمِينَ، لِأَجْلِ تَكْمِيلِ الْقِدِّيسِينَ» (أفسس ٤: ١١-١٢) — وقد أعطى هذا كلَّه للكنيسة بطريقةٍ مناسبةٍ لكلّ عصر، بما فيها عصرنا.
السابع عشر: دعوةٌ للعودة إلى الكتاب
إن كنتَ أتباعًا لـ«رسولٍ» أو «نبيٍّ» يدَّعي سلطانًا مساويًا لرسل العهد الجديد، فالدعوة الكتابيّة إليك هي: «امتحنوا الأرواح هل هي من الإله» (١ يوحنّا ٤: ١). طبِّق معايير الكتاب على هذا المُدَّعي — هل رأى المسيح القائم رأيَ العيان؟ هل كلّ نبوءاته تحقَّقت بدقّةٍ مئة بالمئة؟ هل يخضع كلامه للكتاب أم يجعل الكتاب خاضعًا لكلامه؟ الأجوبة الصادقة على هذه الأسئلة ستُعطيك ما تحتاج من وضوح. والعودة إلى الكتاب وحده مرجعًا ليست خيانةً للإيمان — بل هي أمانةٌ له.
وفي ختام هذا البحث نُقرِّر ما يُقرِّره الكتاب: الرسل الأوائل وضعوا الأساس وأنجزوا مهمَّتهم التأسيسيّة، وتركوا الكنيسة مجهَّزةً بكتابٍ كاملٍ كافٍ لكلّ جيل. ومهمّة الكنيسة اليوم هي البنيان على هذا الأساس الموضوع — لا البحث عن رسلٍ جُدد يضعون أساسًا إضافيًّا. «أَسَاسٌ آخَرُ لاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَضَعَهُ غَيْرَ الَّذِي وُضِعَ الَّذِي هُوَ يَسُوعُ الْمَسِيحُ» (١ كورنثوس ٣: ١١) — المسيح والوحي الذي أعلنه رسله في الكتاب هو الأساس الكامل الكافي الأبديّ.
والمؤمن الذي يُدرك هذه الحقيقة يعيش حرًّا — حرًّا من الارتباط بشخصٍ «رسوليٍّ» يُقرِّر له ما يُؤمن به، وحرًّا في علاقةٍ مباشرةٍ مع الإله من خلال كلامه المكتوب وروحه الساكن فيه. وهذه الحرّيّة هي التي اشتراها المسيح بدمه الثمين — «فَاثْبُتُوا إِذًا فِي الْحُرِّيَّةِ الَّتِي قَدْ حَرَّرَنَا الْمَسِيحُ وَلاَ تَرْتَبِطُوا أَيْضًا بِنِيرِ عُبُودِيَّةٍ» (غلاطية ٥: ١). الخضوع لـ«رسلٍ» يُعيِّنون أنفسهم هو نيرٌ لا يدعو إليه الكتاب.
وهكذا يبقى المسيح والكتاب ملجأ المؤمن ومرجعه الأوحد. «رَاعِي الإِسْرَائِيلِ اسْمَعْ يَا سَائِقَ يُوسُفَ كَالْغَنَمِ» — الراعي الوحيد هو المسيح (يوحنّا ١٠: ١١)، والصوت الوحيد الذي تتعرَّف عليه الغنم هو صوته في كلامه المكتوب: «وَغَنَمِي تَسْمَعُ صَوْتِي» (يوحنّا ١٠: ٢٧). هذا هو الأمان الكتابيّ الحقيقيّ — لا الارتباط بـ«رسولٍ» يُقرِّر لك كيف تسمع الكتاب.
ويبقى الكتاب حارسًا للكنيسة من كلّ ادّعاءٍ بالسلطان الرسوليّ الذي لا تستطيع الكنيسة فحصه واختباره. «اجتهدوا للإيمان المُسلَّم مرّةً للقدّيسين» — هذا هو الواجب الكتابيّ لكلّ جيل من أجيال الكنيسة: حفاظٌ وتعليمٌ ودفاعٌ دائمٌ عن الأساس الموضوع المحفوظ في الكتاب، الذي بنى عليه الرسل الأوائل بإيمانهم وعلمهم ودمائهم.
وخلاصةً واضحةً: كلّ ما يحتاجه المؤمن لمعرفة إلهه والسير في طريقه وخدمة جسد المسيح موجودٌ بالكامل في الكتاب المقدّس المُوحى به وفي الروح القدس الساكن في كلّ مؤمنٍ حقيقيٍّ — لا في أشخاصٍ يُعيِّنون أنفسهم رسلًا بسلطانٍ لا يملكه أحدٌ اليوم.
المجد للإله في ربنا يسوع المسيح، إلى الأبد وأبد الآبدين ودهر الداهرين. آمين.
دعوة لنوال الخلاص الإلهي — اقبل الرب يسوع المسيح كمخلصك الشخصي
عزيزي القارئ — إن لمست هذه الكلمات قلبك وأدركت أنك خاطئ بحاجة إلى مخلّص، فاعلم أن الإله يدعوك إليه في هذه اللحظة بالذات. لست بحاجة إلى كاهن، ولا إلى وسيط بشري، ولا إلى مكان مقدس، ولا إلى طقوس أو أعمال. الرب يسوع المسيح دفع الثمن كاملاً على الصليب، ووعدُ الإله قاطع وواضح:
ما يخلّصك ليس ألفاظ هذه الصلاة — بل الإيمان الذي في قلبك بأن الرب يسوع المسيح مات لأجلك وقام من الأموات. لكن إن أردت أن تعبّر عن إيمانك بكلمات صادقة، اقرأ هذه الصلاة بقلب خاشع وكأنك تخاطب الإله الحيّ:
صلاة الخلاص
«أيّها الإله العظيم القدّوس المُحِبّ، الإله الحقيقيّ الوحيد،
آتي إليك الآن بكل تواضع، معترفاً أنّي خاطئ. لقد كسرت وصاياك مرّاتٍ كثيرة في فكري وفي كلامي وفي أعمالي. وأعرف أنّ خطيّتي تستحقّ الموت الأبديّ والانفصال عنك إلى الأبد. لا أملك أيّ عملٍ صالحٍ أقدّمه يستطيع أن يفدي نفسي، ولا أيّ برٍّ من ذاتي أستر به عُريي أمام قداستك.
لكنّي أؤمن من كلّ قلبي بشهادة كلمتك أنّ ابنك الوحيد، الرب يسوع المسيح، مات على الصليب من أجل خطاياي — حاملاً عنّي العقوبة التي كنت أستحقّها. أؤمن أنّه دُفن، وأنّه قام من الأموات في اليوم الثالث، حيّاً منتصراً على الموت والقبر، وأنّه حيٌّ الآن إلى أبد الآبدين.
في هذه اللحظة المباركة، أنا أقبل الرب يسوع المسيح مخلّصاً شخصياً لي. أتّكل عليه وحده — لا على أعمالي، ولا على ديني، ولا على طقوسٍ ولا على إنسانٍ ولا على ملاكٍ ولا على قدّيس. على الرب يسوع المسيح وحده، وعلى دمه الكريم المسفوك على الصليب، أبني رجاء خلاصي الأبدي.
أشكرك يا أبي لأنّك قبلتني الآن في الرب يسوع المسيح، وغفرت لي كلّ خطاياي، وأعطيتني الحياة الأبدية هبةً مجانيّةً بنعمتك. أشكرك لأنّك أرسلت روحك القدوس ليسكن في قلبي، شاهداً لي بأنّي صرت ابنك. أعطني نعمةً أن أعرفك أكثر يوماً بعد يومٍ، وأن أحيا بقيّة حياتي لمجدك وحدك.
أصلّي هذا كلّه باسم ربّي ومخلّصي يسوع المسيح، بقوّة الروح القدس. آمين.»
بعد أن صلّيت — ما العمل الآن؟
إن صلّيت هذه الصلاة من قلبٍ مؤمنٍ صادق، فقد حدثت في هذه اللحظة أعظم معجزةٍ في تاريخك كلّه: انتقلت من الموت إلى الحياة، ومن الظلمة إلى النور، ومن مملكة الخطية إلى ملكوت ابن الإله الحبيب. صرتُ ابنًا للإله الحيّ، ووعد الإله نفسه يضمن لك ذلك بكلمته الموثوقة:
لاحظ معي قوّة هذا الوعد: «أعطاهم سلطاناً» — أي حقّاً ثابتاً مضموناً، لا أمنيةً ولا احتمالاً. ولاحظ كلمة «المؤمنون باسمه» — ليس «الذين عملوا أعمالاً عظيمة»، ولا «الذين أتمّوا الطقوس»، بل ببساطة «المؤمنون». أنت الآن واحدٌ منهم — بكلّ تأكيدٍ ويقين.
وإليك خمس خطوات بسيطة تثبّتك في حياتك الجديدة مع الرب يسوع المسيح:
أولاً — اقرأ الكتاب المقدس يومياً. ابدأ بإنجيل يوحنا، ثمّ تابع بقيّة العهد الجديد، ثمّ المزامير والأمثال. الإله يتكلّم معك من خلال كلمته كما يتكلّم الأب مع ابنه. لا تقرأ بسرعة — اقرأ بتأمّلٍ وصلاة. «اَلصَّبِيُّ الَّذِي مُنْذُ الطُّفُولِيَّةِ تَعْرِفُ الْكُتُبَ الْمُقَدَّسَةَ، الْقَادِرَةَ أَنْ تُحَكِّمَكَ لِلْخَلاَصِ» (تيموثاوس الثانية ٣: ١٥).
ثانياً — صلِّ يومياً. كلّم الإله كأبٍ محبّ — ليس بألفاظٍ محفوظة، بل بكلامٍ من قلبك. شاركه أفراحك وأحزانك وأسئلتك ومخاوفك. الصلاة هي تنفّس الحياة المسيحية. «صَلُّوا بِلاَ انْقِطَاعٍ» (تسالونيكي الأولى ٥: ١٧).
ثالثاً — انضمّ إلى كنيسةٍ تؤمن بالكتاب المقدّس. لا تسير في الطريق وحدك. الإيمان ينمو في شركة المؤمنين، حيث الكلمة تُكرز بأمانة، والمعمودية والعشاء الربّاني يُمارسان بحسب الكتاب. «غَيْرَ تَارِكِينَ اجْتِمَاعَنَا» (العبرانيين ١٠: ٢٥).
رابعاً — اعتمد بحسب الكتاب المقدّس. المعمودية ليست شرطاً للخلاص، لكنّها الخطوة الأولى للطاعة بعد الإيمان. هي إعلانٌ علنيّ بأنّك متّ مع الرب يسوع المسيح ودُفنت معه وقمت معه إلى حياةٍ جديدة. «مَنْ آمَنَ وَاعْتَمَدَ خَلَصَ» (مرقس ١٦: ١٦) — الإيمان أوّلاً، ثمّ المعمودية كثمرة طبيعيّة للإيمان.
خامساً — اشهد للآخرين عن الرب يسوع المسيح. ما اختبرته من خلاصٍ ومحبّة لا يمكن أن يبقى مكتوماً. ابدأ بأقربائك وأصدقائك. اروِ لهم ببساطة وصدق كيف غيّر الرب يسوع المسيح حياتك. «اَلَّذِي رَأَيْنَاهُ وَسَمِعْنَاهُ نُخْبِرُكُمْ بِهِ» (يوحنا الأولى ١: ٣).
وأخيراً، تذكّر دائماً أنّ خلاصك ليس مبنياً على شعورك ولا على عمل تعمله — بل على وعد الإله الذي لا يتغيّر:
«كَتَبْتُ هذَا إِلَيْكُمْ أَنْتُمُ الْمُؤْمِنِينَ بِاسْمِ ابْنِ اللهِ لِكَيْ تَعْلَمُوا أَنَّ لَكُمْ حَيَاةً أَبَدِيَّةً»
— يوحنا الأولى ٥: ١٣
لاحظ: «لِكَيْ تَعْلَمُوا» — ليس لكي ترجو، ولا لكي تتمنّى، ولا لكي تنتظر بقلقٍ يوم الدينونة. بل لكي تعلم بيقينٍ كاملٍ ثابتٍ لا يتزعزع أنّ لك حياةً أبديّة. هذا هو الفرق بين كلّ دياناتٍ العالم وبين إنجيل الرب يسوع المسيح: الأديان تقول «اعمل وربّما تخلص» — وكلمة الإله وحدها تقول: «آمن واعلم أنّك مخلّص».
«يَكُونُ فَرَحٌ قُدَّامَ مَلاَئِكَةِ اللهِ بِخَاطِئٍ وَاحِدٍ يَتُوبُ» — لوقا ١٥: ١٠