الرجل الذي ظنّ أنّ الصليب عارٌ لا يليق بالإله
كان رجلاً مسلماً يكرّم الأنبياء ويعظّمهم، فلمّا سمع المسيحيّين يقولون إنّ الرب يسوع المسيح صُلِب ومات، استنكر ذلك من قلبه. ظنّ أنّ هذا عارٌ لا يليق بالإله أن يدعه ينزل بنبيٍّ من أنبيائه، وأنّ الإله لا بدّ أن يكون قد أنقذه فرفعه إليه، وأنّ آخر شُبِّه لهم فصُلِب مكانه. فعاش واثقاً أنّ إنكار الصليب إكرامٌ للإله وللنبيّ، وأنّ القول بالصلب حطٌّ من قدرهما. لكنّه في يومٍ من الأيّام قرأ ما قاله الأنبياء قبل المسيح بقرون، فإذا هم يصفون آلامه وموته بدقّةٍ مذهلة: «وَهُوَ مَجْرُوحٌ لأَجْلِ مَعَاصِينَا، مَسْحُوقٌ لأَجْلِ آثَامِنَا» (إشعياء ٥٣: ٥). فتوقّف: إن كان الإله نفسه قد أنبأ بهذا الموت قبل وقوعه بقرون، فكيف يكون هزيمةً أو عاراً؟ بل هو تتميمٌ لما قصده الإله.
وجواب الكتاب المقدّس عن إنكار الصلب جملةٌ واحدة، متى أُدرِكت قلبت الأمر كلّه: لم يكن صلب المسيح عاراً ولا هزيمة، بل كان خطّة الإله المعلنة منذ القديم، وأعظم برهانٍ على محبّته. فالأنبياء أنبأوا بموته، وهو نفسه قصده وأعلنه، وبه وحده تمّ الفداء، إذ بدون سفك دمٍ لا تكون مغفرة. أمّا القول إنّه لم يُصلَب بل شُبِّه للناس، فلا يسنده الكتاب، بل تنقضه نبوءات الأنبياء وأقوال المسيح نفسه، ويهدمه أنّ القيامة تثبت موتاً حقيقيّاً سبقها، وأنّ إنكار الصلب يُلغي الخلاص كلّه، إذ لا فداء بلا دمٍ مسفوك.
ماذا يعلّم المسلم عن الصلب
لنُورِد الموقف بإنصاف. يعلّم كثيرٌ من المسلمين أنّ الرب يسوع المسيح لم يُصلَب حقيقةً، بل إنّ الإله أنقذه ورفعه إليه، وأنّ رجلاً آخر شُبِّه للناس فظنّوه المسيح فصُلِب مكانه. ويرون أنّ القول بصلب المسيح وموته حطٌّ من قدر نبيٍّ كريم، وأنّ الإله لا يمكن أن يدع نبيّه ينال هذه النهاية المخزية على أيدي أعدائه. فيكون إنكار الصلب، في نظرهم، صوناً لكرامة الإله ونبيّه معاً.
ونحن نقرّ بأنّ وراء هذا الإنكار غيرةً على كرامة الإله وعزّةً على أن يُهان من اصطفاه، وهذا في ذاته شعورٌ نبيلٌ نفهمه. فالمسلم لا يريد أن ينسب إلى الإله عجزاً عن نصرة من يحبّ، ولا يريد أن يتصوّر نبيّاً مغلوباً ذليلاً. لكنّ المشكلة في الافتراض الكامن تحت الإنكار: أنّ الصليب هزيمةٌ وعار. وهذا هو الافتراض الذي ينقضه الكتاب من أساسه. فالصليب لم يكن هزيمةً نزلت بالمسيح رغماً عنه، بل كان خطّةً قصدها الإله منذ الأزل، وأعلنها على ألسنة الأنبياء، وأتمّها المسيح طوعاً، لتكون فداءً للبشر. فالمسألة ليست هل يليق بالإله أن يدع نبيّه يُهان — بل هل كان الصليب إهانةً أصلاً، أم كان أعظم عملٍ للمحبّة في التاريخ.
الأنبياء أنبأوا بموته قبل قرون
أوّل ما يحسم المسألة أنّ موت المسيح لم يكن مفاجأةً ولا حادثاً عرضيّاً، بل أنبأ به الأنبياء قبل وقوعه بقرون. فالنبيّ إشعياء، قبل سبعة قرون، وصف آلامه وموته وصفاً لا يحتمل التأويل: «وَهُوَ مَجْرُوحٌ لأَجْلِ مَعَاصِينَا، مَسْحُوقٌ لأَجْلِ آثَامِنَا» (إشعياء ٥٣: ٥). وأعلن أنّه سكب نفسه للموت: «لأَنَّهُ سَكَبَ لِلْمَوْتِ نَفْسَهُ» (إشعياء ٥٣: ١٢). فهذا الموت كان معلوماً عند الإله، منبَّأً به على لسان نبيّه، قبل أن يولد المسيح.
والمزمور، قبل قرونٍ من الصلب، وصف هيئته بدقّةٍ عجيبة: «ثَقَبُوا يَدَيَّ وَرِجْلَيَّ» (مزمور ٢٢: ١٦). وثقب اليدين والرجلين هو عين ما يحدث في الصلب. والنبيّ دانيال أنبأ أنّ المسيح «يُقطَع»: «يُقْطَعُ الْمَسِيحُ وَلَيْسَ لَهُ» (دانيال ٩: ٢٦). فإن كان الإله قد أنبأ بهذا الموت على ألسنة أنبيائه قبل قرون، فلا يمكن أن يكون هزيمةً أفسدت قصده، بل هو تتميمٌ لقصدٍ قصده الإله منذ البدء. فالموت المنبَّأ به سلفاً ليس عاراً نزل بغتةً، بل خطّةٌ إلهيّةٌ معلنة. والذي ينكر الصلب ينكر ما أنبأ به الإله نفسه على ألسنة أنبيائه.
المسيح نفسه قصد الصليب وأعلنه
ولم يكن المسيح ضحيّةً سيقت إلى الموت رغماً عنها، بل أعلن موته وقصده قبل وقوعه. فقد أنبأ تلاميذه مراراً أنّه سيُقتَل ويقوم: «وَابْتَدَأَ يُعَلِّمُهُمْ أَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ يَنْبَغِي أَنْ يَتَأَلَّمَ كَثِيرًا... وَيُقْتَلَ، وَبَعْدَ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ يَقُومُ» (مرقس ٨: ٣١). وأعلن أنّ غاية مجيئه أن يبذل نفسه فديةً: «لِيَبْذِلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِينَ» (متّى ٢٠: ٢٨).
والأعجب أنّه أعلن أنّ لا أحد يقدر أن يأخذ حياته منه قسراً، بل هو يبذلها طوعاً: «لَيْسَ أَحَدٌ يَأْخُذُهَا مِنِّي، بَلْ أَضَعُهَا أَنَا مِنْ ذَاتِي. لِي سُلْطَانٌ أَنْ أَضَعَهَا وَلِي سُلْطَانٌ أَنْ آخُذَهَا أَيْضًا» (يوحنا ١٠: ١٨). فالموت الذي ظنّه المسلم هزيمةً فُرِضت على المسيح، يعلنه المسيح فعلاً أراده وقصده بسلطانه. فكيف يكون هزيمةً موتٌ يبذله صاحبه طوعاً، بسلطانٍ أن يضع حياته وأن يستردّها؟ إنّ موتاً يُختار بإرادةٍ ويُعلَن سلفاً هو نقيض الهزيمة التي يفرضها الأعداء. فالصليب لم يكن انتصاراً للأعداء على المسيح، بل كان المسيح هو الذي بذل نفسه بإرادته لإتمام الفداء.
بدون سفك دمٍ لا تكون مغفرة
ولماذا كان الصليب ضروريّاً، لا حادثاً يمكن تجنّبه؟ لأنّ الإله القدّوس لا يغفر الخطيّة بلا كفّارة، وقد جعل الكفّارة بسفك الدم. هذا مبدأٌ ثابتٌ في كلمة الإله منذ البدء: «بِدُونِ سَفْكِ دَمٍ لاَ تَحْصُلُ مَغْفِرَةٌ» (عبرانيين ٩: ٢٢). فالمغفرة لا تكون مجّاناً بلا ثمن، بل بدمٍ يُسفَك. ولهذا كان الصليب ضرورةً لا مصادفة: إذ بدون موت المسيح وسفك دمه، لا تكون مغفرةٌ للخطاة.
فالذي ينكر الصليب، إنّما ينكر الوسيلة الوحيدة التي بها تُغفَر الخطايا. وهنا يتبيّن أنّ إنكار الصلب ليس صوناً لكرامة المسيح، بل إلغاءٌ للخلاص نفسه. فإن لم يمت المسيح ويسفك دمه، فبأيّ شيءٍ تُغفَر خطايا البشر؟ ولهذا كان الصليب قلب رسالة المسيح، لا حاشيتها. فالموت الذي استنكره المسلم هو عين الباب الذي به دخلت المغفرة إلى العالم. ولو أنقذ الإله المسيح من الصليب كما يظنّ المسلم، لبقي البشر بلا فداءٍ ولا مغفرة، تحت دينونةٍ لا مهرب منها. فالصليب رحمةٌ لا عار، وضرورةٌ لا هزيمة.
القيامة تثبت موتاً حقيقيّاً سبقها
وثمّة برهانٌ قاطعٌ على أنّ الموت كان حقيقيّاً لا ظاهريّاً: القيامة. فالقيامة من الموت تفترض موتاً حقيقيّاً سبقها؛ إذ لا يقوم من الموت إلّا من مات فعلاً. ولو لم يمت المسيح حقّاً، لما كان هناك قيامةٌ أصلاً. وقد أعلن الكتاب أنّه مات ودُفِن وقام: «مَاتَ مِنْ أَجْلِ خَطَايَانَا حَسَبَ الْكُتُبِ، وَأَنَّهُ دُفِنَ، وَأَنَّهُ قَامَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ» (كورنثوس الأولى ١٥: ٣-٤). فالدفن دليل الموت، والقيامة دليل أنّ موتاً حقيقيّاً سبقها.
وبعد القيامة، أرى المسيح تلاميذه جراح الصلب في يديه وجنبه، ليثبت أنّ موته كان حقيقيّاً، وأنّ القائم هو عينه المصلوب: «انْظُرُوا يَدَيَّ وَرِجْلَيَّ: إِنِّي أَنَا هُوَ» (لوقا ٢٤: ٣٩)، ودعا توما أن يضع إصبعه في أثر المسامير وجنبه (يوحنا ٢٠: ٢٧). فالجراح الباقية بعد القيامة شاهدةٌ أنّ المسيح صُلِب فعلاً ومات فعلاً، ثمّ قام. فلو كان الصلب وهماً أو شُبِّه لهم، لما كانت جراحٌ يريها القائم. فالقيامة، بدل أن تنفي الصلب، تثبته، إذ هي انتصارٌ على موتٍ حقيقيّ، لا إنكارٌ له.
الاعتراض: «الإله لا يدع نبيّه يُهان هكذا»
وهنا يأتي الاعتراض الأعمق الذي يثقل قلب المسلم: كيف يدع الإله نبيّاً كريماً ينال هذه النهاية المخزية؟ أليس هذا عاراً لا يليق بالإله أن يسمح به؟ والجواب يبدأ بالإقرار: نعم، الصلب في ذاته كان موتاً مخزياً مؤلماً. لكنّ هذا العار عينه كان هو الخطّة، إذ حمل المسيح العار الذي نستحقّه نحن. فقد صار لعنةً عنّا ليفدينا من اللعنة: «اَلْمَسِيحُ افْتَدَانَا مِنْ لَعْنَةِ النَّامُوسِ، إِذْ صَارَ لَعْنَةً لأَجْلِنَا» (غلاطية ٣: ١٣). فالعار لم يكن هزيمةً نزلت به، بل عاراً احتمله طوعاً ليرفعه عنّا.
وهنا ينقلب الافتراض كلّه: فالصليب لم يكن الإله يتخلّى عن نبيّه، بل الإله يُظهِر أعظم محبّةٍ عرفها الكون. إذ بذل المسيح نفسه لأجل الخطاة، فكان موته أسطع برهانٍ على المحبّة: «وَلكِنَّ اللهَ بَيَّنَ مَحَبَّتَهُ لَنَا، لأَنَّهُ وَنَحْنُ بَعْدُ خُطَاةٌ مَاتَ الْمَسِيحُ لأَجْلِنَا» (رومية ٥: ٨). فما ظنّه المسلم عاراً وهزيمةً، هو في الحقيقة أعلى قمّة للمحبّة الإلهيّة. ولو رفض المسيح الصليب، لكان ذلك هو العجز عن الفداء؛ أمّا قبوله العار طوعاً، فهو القوّة التي بها فدى البشر. فالعار صار مجداً، والهزيمة صارت انتصاراً، لأنّ بها تمّ الخلاص.
نظريّة الاستبدال تُلغي الخلاص ولا تصونه
ويبقى أن ننظر في القول إنّ آخر شُبِّه للناس فصُلِب مكان المسيح. وهذا القول، فوق أنّه يناقض النبوءات وأقوال المسيح والقيامة، يقع في إشكالين خطيرين. الأوّل: أنّه ينسب إلى الإله الخداع، إذ يجعله يخدع البشر أجمعين، فيُريهم رجلاً يُصلَب ويظنّونه المسيح، ثمّ يبني على هذا الوهم تاريخاً كاملاً. والإله لا يكذب ولا يخدع: «اللهِ الَّذِي لاَ يَكْذِبُ» (تيطس ١: ٢). فكيف ينسب إليه أنّه أوهم الخلق كلّهم بموتٍ لم يقع؟
والثاني، وهو الأخطر: أنّ نظريّة الاستبدال تُلغي الخلاص ولا تصونه. فلو أنّ آخر مات مكان المسيح، لما سُفِك دم المسيح، ولما تمّت الكفّارة، إذ بدون سفك دمه لا مغفرة. فمن أراد أن يصون كرامة المسيح بإنكار صلبه، ألغى في الحقيقة الفداء الذي جاء المسيح ليتمّه. فالاستبدال لا ينقذ المسيح من عار، بل ينقذ البشر من خلاصهم. وهكذا يتبيّن أنّ إنكار الصلب، الذي ظُنّ إكراماً، هو في الحقيقة هدمٌ للرحمة التي بها أراد الإله أن يغفر للخطاة. فالصليب ليس ما ينبغي أن يُنكَر صوناً للإله، بل ما ينبغي أن يُقبَل شكراً لمحبّته.
شهود العيان واليقين من موته
ولم يكن موت المسيح أمراً مشكوكاً فيه عند من حضروه، بل كان مؤكَّداً بأدقّ ما يكون. فالجنود الرومان، وهم أهل خبرةٍ بالقتل والصلب، جاؤوا ليكسروا سيقان المصلوبين ليعجّلوا موتهم، فلمّا وصلوا إلى المسيح وجدوه قد مات فعلاً، فلم يكسروا ساقيه: «وَأَمَّا يَسُوعُ فَلَمَّا جَاءُوا إِلَيْهِ لَمْ يَكْسِرُوا سَاقَيْهِ، لأَنَّهُمْ رَأَوْهُ قَدْ مَاتَ» (يوحنا ١٩: ٣٣). فالذين خبروا الموت تيقّنوا أنّه ميّت، فلم يحتاجوا أن يكسروا ساقيه كما فعلوا بالآخرَين.
بل زادوا في التثبّت، فطعن أحد الجنود جنبه بحربةٍ، فخرج دمٌ وماء، وهي علامةٌ طبّيّةٌ على موتٍ حقيقيّ: «لكِنَّ وَاحِدًا مِنَ الْعَسْكَرِ طَعَنَ جَنْبَهُ بِحَرْبَةٍ، وَلِلْوَقْتِ خَرَجَ دَمٌ وَمَاءٌ» (يوحنا ١٩: ٣٤). فلو كان المسيح حيّاً مغمىً عليه، لما خرج الدم والماء منفصلَين كما يحدث بعد الموت. والأعجب أنّ عدم كسر ساقيه أتمّ نبوءةً قديمة: «عَظْمٌ لاَ يُكْسَرُ مِنْهُ» (يوحنا ١٩: ٣٦). فها هو موتٌ مؤكَّدٌ بشهادة جنودٍ خبراء، ومُثبَتٌ بخروج الدم والماء، ومتمِّمٌ لنبوءةٍ سابقة في آنٍ واحد. فالقول إنّه «شُبِّه لهم» أو لم يمت حقّاً يصطدم بشهادة من عاينوا موته وتيقّنوا منه، لا بظنون من جاؤوا بعد قرون.
الصليب حيث يلتقي عدل الإله ورحمته
وقد يقول المسلم: لكنّ الإله رحيمٌ قادر، أفلا يستطيع أن يغفر بكلمةٍ، من غير صليبٍ ولا دم؟ والجواب يكشف عمق معنى الصليب. فالإشكال ليس في قدرة الإله، بل في عدله وقداسته. فالإله قدّوسٌ عادل، لا يمكن أن يتغاضى عن الخطيّة كأنّها لم تكن، إذ لو غفر بلا عدلٍ لكان قاضياً يطلق المذنب بلا حقّ. والخطيّة جرمٌ ضدّ إلهٍ لا نهائيّ القداسة، فلا تُمحى بمجرّد التغاضي، بل لا بدّ أن يُوفَى حقّ العدل.
وهنا تتجلّى حكمة الصليب: فعليه التقى عدل الإله ورحمته معاً. إذ احتمل المسيح العقوبة التي تستحقّها خطايانا، فأُوفِيَ العدل كاملاً، وفي الوقت عينه فُتِح باب الرحمة للخطاة. فصار الإله عادلاً ورحيماً في آنٍ، لا متغاضياً عن العدل: «لِيَكُونَ بَارًّا وَيُبَرِّرُ مَنْ هُوَ مِنَ الإِيمَانِ بِيَسُوعَ» (رومية ٣: ٢٦). «بارّاً ويبرّر» — أي عادلاً في الوقت الذي يغفر فيه. فالصليب ليس تعطيلاً لرحمة الإله، بل هو الطريق الذي به يرحم من غير أن يُبطِل عدله. فالذي يطلب من الإله أن يغفر بلا كفّارةٍ، يطلب منه أن يكون رحيماً على حساب عدله؛ أمّا الصليب فأظهره عادلاً ورحيماً معاً، وهذا أكمل وأليق به من مغفرةٍ تُهدِر العدل.
شهادة الذين بذلوا حياتهم لأجل ما رأوا
وثمّة شهادةٌ أخرى لا يُستهان بها: أنّ تلاميذ المسيح، الذين هربوا خائفين ليلة القبض عليه، انقلبوا بعد القيامة إلى شهودٍ شجعانٍ يكرزون بصلبه وقيامته جهاراً، ولم يتراجعوا أمام السجن ولا التعذيب ولا الموت. فما الذي غيّرهم هذا التغيير؟ لم يكن إلّا أنّهم رأوا المسيح مصلوباً ميّتاً، ثمّ رأوه قائماً حيّاً. فلو كانوا يعلمون أنّ الصلب لم يقع، أو أنّ آخر صُلِب مكانه، لما بذلوا حياتهم لأجل خبرٍ يعلمون أنّه كذب. فالإنسان قد يموت لأجل ما يظنّه حقّاً وهو مخطئ؛ لكنّه لا يموت لأجل ما يعلم يقيناً أنّه باطل.
وهؤلاء الشهود لم يكونوا بعيدين عن الحدث، بل كانوا حاضرين، رأوا بأعينهم وسمعوا بآذانهم ولمسوا بأيديهم، كما كتب يوحنّا: «الَّذِي سَمِعْنَاهُ، الَّذِي رَأَيْنَاهُ بِعُيُونِنَا، الَّذِي شَاهَدْنَاهُ، وَلَمَسَتْهُ أَيْدِينَا» (يوحنا الأولى ١: ١). فشهادتهم شهادة عيانٍ ومعاينة، لا روايةً نُقِلت بعد قرون. وقد ثبتوا على شهادتهم حتى الموت، ولو كان في الأمر خدعةٌ يعلمونها لانهار أحدهم تحت التعذيب وكشفها. لكنّهم ثبتوا جميعاً، لأنّهم رأوا الحقّ بأعينهم: المسيح مات وقام. فبذلهم حياتهم لأجل ما رأوه هو ختمٌ على صدق شهادتهم بالصلب والقيامة، وردٌّ على كلّ من قال إنّ الصلب لم يقع أو شُبِّه للناس.
الختام — اقبل المحبّة التي ظهرت على الصليب
إن كنت قد أنكرت الصليب ظنّاً أنّه عارٌ لا يليق بالإله، فإنّ الكتاب يدعوك أن ترى فيه أعظم برهانٍ على محبّته. فالصليب لم يكن هزيمةً نزلت بالمسيح، بل خطّةً أنبأ بها الإله منذ القديم، وقصدها المسيح طوعاً، وبها وحدها تمّ الفداء. ولست مدعوّاً أن تصون كرامة الإله بإنكار رحمته، بل أن تقبل المحبّة التي ظهرت حين بذل المسيح نفسه لأجلك. فهذا المسيح مات لأجل خطاياك، ودُفن، وقام في اليوم الثالث (كورنثوس الأولى ١٥: ٣-٤)، لأنّ الإله بيّن محبّته لك إذ مات المسيح لأجلك وأنت بعدُ خاطئ.
تعالَ إذاً، لا لتنكر الصليب، بل لتقبل ما تمّ عليه لأجلك. اقرأ الكتاب بنفسك، وانظر كيف أنبأ الأنبياء بموت المسيح، وكيف قصده هو، وكيف صار فداءً لك. واطلب من الإله أن يكشف لك معنى الصليب الحقيقيّ: لا عاراً، بل محبّةً؛ لا هزيمةً، بل خلاصاً. فالذي مات لأجلك يدعوك أن تقبل ما صنعه من أجلك.
صلاةٌ خاصّة
إن كنت قد أدركت أنّ صليب المسيح لم يكن عاراً بل محبّةً وخلاصاً، وأنّه مات لأجلك وقام، فبإمكانك أن تأتي إلى الإله الآن. وما يخلّصك ليس ألفاظ الصلاة، بل الإيمان بأنّ الرب يسوع المسيح مات لأجلك وقام. فصلِّ من قلبك إلى الإله الحيّ الذي يسمع:
«أيّها الإله العظيم القدّوس المُحِبّ، الإله الحقيقيّ الوحيد: أنكرت طويلاً الصليب ظنّاً أنّه عارٌ لا يليق بك، وأرى الآن أنّه خطّتك المعلنة منذ القديم، وأعظم برهانٍ على محبّتك. أعترف أنّي خاطئ، وأنّي محتاجٌ إلى مخلّص. أؤمن أنّ الرب يسوع المسيح مات على الصليب لأجل خطاياي، وسفك دمه فداءً لي، ودُفن، وقام في اليوم الثالث. أتوكّل عليه وحده مخلّصاً لي، وأقبل المحبّة التي ظهرت على الصليب. اغفر لي، واقبلني، وامنحني الحياة الأبديّة. أصلّي باسم ربّي ومخلّصي يسوع المسيح. آمين.»
بعد أن صلّيت
إن كنت قد صلّيت هذه الصلاة من قلبٍ مؤمنٍ صادق، فقد قبلت الفداء الذي تمّ على الصليب، وصرت ابناً للإله إلى الأبد. وإليك خطواتٌ تثبّتك:
أوّلاً — اقرأ كلمة الإله كلّ يومٍ. واعلم أنّ النسخة الملك جيمس (KJV) الإنجليزيّة هي أصحّ وأنقى نسخةٍ لكلمة الإله في العالم، كلمته الحقّة النقيّة، وتجدها في هذا الموقع (alinjil.com)؛ وفي العربيّة اقرأ ترجمة فان دايك الموثوقة. ابدأ بإنجيل يوحنّا، لا بعجلةٍ بل بتأمّلٍ وصلاة؛ فإنّ الإله يكلّمك من خلال كلمته.
ثانياً — صلِّ إلى الإله مباشرةً كلّ يومٍ بكلامٍ من قلبك، باسم الرب يسوع المسيح، شاكراً إيّاه على الفداء الذي تمّ على الصليب.
ثالثاً — اقرأ نبوءات الأنبياء عن آلام المسيح وموته، مثل إشعياء ٥٣ ومزمور ٢٢، وقابِلها بما تمّ، لترى أنّ الصليب كان خطّة الإله.
رابعاً — اطلب كنيسةً تكرّم كلمة الإله وتعلن الفداء بالصليب، وانضمّ إلى شركة المؤمنين، واعتمد طاعةً للرب.
خامساً — اشهد لغيرك بلطفٍ ومحبّةٍ أنّ الصليب محبّةٌ لا عار، وخلاصٌ لا هزيمة، خاصّةً لمن أنكروه ظنّاً أنّه حطٌّ من قدر الإله.
وواظِب على قراءة كلمة الإله في النسخة الملك جيمس (KJV)، أصحّ وأنقى كلمة الإله في العالم، وفي ترجمة فان دايك في العربيّة، وكلتاهما في هذا الموقع، لتنمو في معرفة الذي مات لأجلك وقام.
كلمةٌ شخصيّةٌ إليك، أيّها القارئ العزيز
شكراً لك على الوقت الذي قضيته في قراءة هذه الرسالة عن صليب المسيح، والمحبّة التي ظهرت عليه، والخلاص الذي يقدّمه الإله بالرب يسوع المسيح. إن كنت قد قبلت المسيح مخلّصاً شخصيّاً لك، فقد قبلت الفداء الذي تمّ على الصليب، وصرت ابناً للإله إلى الأبد. «وَلكِنَّ اللهَ بَيَّنَ مَحَبَّتَهُ لَنَا، لأَنَّهُ وَنَحْنُ بَعْدُ خُطَاةٌ مَاتَ الْمَسِيحُ لأَجْلِنَا» (رومية ٥: ٨).
ونشجّعك أن تبدأ بقراءة إنجيل يوحنّا بنفسك، وأن تواظب على كلمة الإله في النسخة الملك جيمس (KJV)، أصحّ وأنقى كلمة الإله في العالم، وفي ترجمة فان دايك في العربيّة، وكلتاهما في هذا الموقع، وأن تشارك هذا الخبر السارّ مع كلّ من أنكر الصليب ظنّاً أنّه عار. ليباركك الإله وأنت تقبل المحبّة التي ظهرت على صليب ابنه.
دعوة لنوال الخلاص الإلهي — اقبل الرب يسوع المسيح كمخلصك الشخصي
عزيزي القارئ — إن لمست هذه الكلمات قلبك وأدركت أنك خاطئ بحاجة إلى مخلّص، فاعلم أن الإله يدعوك إليه في هذه اللحظة بالذات. لست بحاجة إلى كاهن، ولا إلى وسيط بشري، ولا إلى مكان مقدس، ولا إلى طقوس أو أعمال. الرب يسوع المسيح دفع الثمن كاملاً على الصليب، ووعدُ الإله قاطع وواضح:
ما يخلّصك ليس ألفاظ هذه الصلاة — بل الإيمان الذي في قلبك بأن الرب يسوع المسيح مات لأجلك وقام من الأموات. لكن إن أردت أن تعبّر عن إيمانك بكلمات صادقة، اقرأ هذه الصلاة بقلب خاشع وكأنك تخاطب الإله الحيّ:
صلاة الخلاص
«أيّها الإله العظيم القدّوس المُحِبّ، الإله الحقيقيّ الوحيد،
آتي إليك الآن بكل تواضع، معترفاً أنّي خاطئ. لقد كسرت وصاياك مرّاتٍ كثيرة في فكري وفي كلامي وفي أعمالي. وأعرف أنّ خطيّتي تستحقّ الموت الأبديّ والانفصال عنك إلى الأبد. لا أملك أيّ عملٍ صالحٍ أقدّمه يستطيع أن يفدي نفسي، ولا أيّ برٍّ من ذاتي أستر به عُريي أمام قداستك.
لكنّي أؤمن من كلّ قلبي بشهادة كلمتك أنّ ابنك الوحيد، الرب يسوع المسيح، مات على الصليب من أجل خطاياي — حاملاً عنّي العقوبة التي كنت أستحقّها. أؤمن أنّه دُفن، وأنّه قام من الأموات في اليوم الثالث، حيّاً منتصراً على الموت والقبر، وأنّه حيٌّ الآن إلى أبد الآبدين.
في هذه اللحظة المباركة، أنا أقبل الرب يسوع المسيح مخلّصاً شخصياً لي. أتّكل عليه وحده — لا على أعمالي، ولا على ديني، ولا على طقوسٍ ولا على إنسانٍ ولا على ملاكٍ ولا على قدّيس. على الرب يسوع المسيح وحده، وعلى دمه الكريم المسفوك على الصليب، أبني رجاء خلاصي الأبدي.
أشكرك يا أبي لأنّك قبلتني الآن في الرب يسوع المسيح، وغفرت لي كلّ خطاياي، وأعطيتني الحياة الأبدية هبةً مجانيّةً بنعمتك. أشكرك لأنّك أرسلت روحك القدوس ليسكن في قلبي، شاهداً لي بأنّي صرت ابنك. أعطني نعمةً أن أعرفك أكثر يوماً بعد يومٍ، وأن أحيا بقيّة حياتي لمجدك وحدك.
أصلّي هذا كلّه باسم ربّي ومخلّصي يسوع المسيح، بقوّة الروح القدس. آمين.»
بعد أن صلّيت — ما العمل الآن؟
إن صلّيت هذه الصلاة من قلبٍ مؤمنٍ صادق، فقد حدثت في هذه اللحظة أعظم معجزةٍ في تاريخك كلّه: انتقلت من الموت إلى الحياة، ومن الظلمة إلى النور، ومن مملكة الخطية إلى ملكوت ابن الإله الحبيب. صرتُ ابنًا للإله الحيّ، ووعد الإله نفسه يضمن لك ذلك بكلمته الموثوقة:
لاحظ معي قوّة هذا الوعد: «أعطاهم سلطاناً» — أي حقّاً ثابتاً مضموناً، لا أمنيةً ولا احتمالاً. ولاحظ كلمة «المؤمنون باسمه» — ليس «الذين عملوا أعمالاً عظيمة»، ولا «الذين أتمّوا الطقوس»، بل ببساطة «المؤمنون». أنت الآن واحدٌ منهم — بكلّ تأكيدٍ ويقين.
وإليك خمس خطوات بسيطة تثبّتك في حياتك الجديدة مع الرب يسوع المسيح:
أولاً — اقرأ الكتاب المقدس يومياً. ابدأ بإنجيل يوحنا، ثمّ تابع بقيّة العهد الجديد، ثمّ المزامير والأمثال. الإله يتكلّم معك من خلال كلمته كما يتكلّم الأب مع ابنه. لا تقرأ بسرعة — اقرأ بتأمّلٍ وصلاة. «اَلصَّبِيُّ الَّذِي مُنْذُ الطُّفُولِيَّةِ تَعْرِفُ الْكُتُبَ الْمُقَدَّسَةَ، الْقَادِرَةَ أَنْ تُحَكِّمَكَ لِلْخَلاَصِ» (تيموثاوس الثانية ٣: ١٥).
ثانياً — صلِّ يومياً. كلّم الإله كأبٍ محبّ — ليس بألفاظٍ محفوظة، بل بكلامٍ من قلبك. شاركه أفراحك وأحزانك وأسئلتك ومخاوفك. الصلاة هي تنفّس الحياة المسيحية. «صَلُّوا بِلاَ انْقِطَاعٍ» (تسالونيكي الأولى ٥: ١٧).
ثالثاً — انضمّ إلى كنيسةٍ تؤمن بالكتاب المقدّس. لا تسير في الطريق وحدك. الإيمان ينمو في شركة المؤمنين، حيث الكلمة تُكرز بأمانة، والمعمودية والعشاء الربّاني يُمارسان بحسب الكتاب. «غَيْرَ تَارِكِينَ اجْتِمَاعَنَا» (العبرانيين ١٠: ٢٥).
رابعاً — اعتمد بحسب الكتاب المقدّس. المعمودية ليست شرطاً للخلاص، لكنّها الخطوة الأولى للطاعة بعد الإيمان. هي إعلانٌ علنيّ بأنّك متّ مع الرب يسوع المسيح ودُفنت معه وقمت معه إلى حياةٍ جديدة. «مَنْ آمَنَ وَاعْتَمَدَ خَلَصَ» (مرقس ١٦: ١٦) — الإيمان أوّلاً، ثمّ المعمودية كثمرة طبيعيّة للإيمان.
خامساً — اشهد للآخرين عن الرب يسوع المسيح. ما اختبرته من خلاصٍ ومحبّة لا يمكن أن يبقى مكتوماً. ابدأ بأقربائك وأصدقائك. اروِ لهم ببساطة وصدق كيف غيّر الرب يسوع المسيح حياتك. «اَلَّذِي رَأَيْنَاهُ وَسَمِعْنَاهُ نُخْبِرُكُمْ بِهِ» (يوحنا الأولى ١: ٣).
وأخيراً، تذكّر دائماً أنّ خلاصك ليس مبنياً على شعورك ولا على عمل تعمله — بل على وعد الإله الذي لا يتغيّر:
«كَتَبْتُ هذَا إِلَيْكُمْ أَنْتُمُ الْمُؤْمِنِينَ بِاسْمِ ابْنِ اللهِ لِكَيْ تَعْلَمُوا أَنَّ لَكُمْ حَيَاةً أَبَدِيَّةً»
— يوحنا الأولى ٥: ١٣
لاحظ: «لِكَيْ تَعْلَمُوا» — ليس لكي ترجو، ولا لكي تتمنّى، ولا لكي تنتظر بقلقٍ يوم الدينونة. بل لكي تعلم بيقينٍ كاملٍ ثابتٍ لا يتزعزع أنّ لك حياةً أبديّة. هذا هو الفرق بين كلّ دياناتٍ العالم وبين إنجيل الرب يسوع المسيح: الأديان تقول «اعمل وربّما تخلص» — وكلمة الإله وحدها تقول: «آمن واعلم أنّك مخلّص».
«يَكُونُ فَرَحٌ قُدَّامَ مَلاَئِكَةِ اللهِ بِخَاطِئٍ وَاحِدٍ يَتُوبُ» — لوقا ١٥: ١٠